انتفاضات الخوارج بعد حرب النهروان في العهد العلوي

البريد الإلكتروني طباعة
بحوث في الملل والنحل لأية الله الشيخ جعفر السبحاني ، ج5 ، ص 127 ـ  136
________________________________________
(127)
الفصل السّابع
انتفاضات الخوارج بعد حرب النهروان
في العهد العلوي
________________________________________
(128)
________________________________________
(129)
كانت حرب الإمام في النهروان، حرباً طاحنةً، قتل رجال العيث والفساد، واستأصل شافتهم، وقضى على رؤوسهم، ولكن لم يكن الخوارج كلّهم متواجدين فيها، بل كانوا متفرّقين في البصرة، والنقاط المختلفة من العراق، فقاموا بانتفاضات ضدّ عليّ وعمّاله، وكانت الحسرة والخيبة نصيبهم، وإليك ما وقعت منها في العهد العلوي صلوات الله عليه.
1 ـ خروج الخريت بن راشد الناجي(1):
جاء الخريت بن راشد الناجي إلى عليّ فقال له ـ وقد جرّده من إمارة المؤمنين ـ : «يا عليّ، والله لااُطيع أمرك ولااُصلّي خلفك، وإنّي غداً مفارق لك، وذلك بعد تحكيم الحكمين». فناظره علي وحاول اقناعه، فلم
________________________________________
ذكر خروج الخريت الناجي، الطبري في تاريخه 4/86 ـ 100، وابن هلال الثقفي في غاراته 21، والمسعودي في مروجه 3/159، والجزري في تاريخه 3/183 ـ 187، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 3/128 ـ 148، ولمّا كانت القصة طويلة لاتناسب بحث الملل والنحل نقلناها ملخّصاً وقد لخّصها الدكتور نايف معروف في كتابه: الخوارج في العصر الأموي 100 ـ 101، وأتبعنا تلخيصه.
________________________________________
(130)
يرتدع. وسار بجمع من أصحابه فالتقى في طريقه رجلا مسلماً فسأله عمّا يقوله في علي، فأثنى عليه وقدّمه. فحملت عليه عصابة من أصحاب الخريت فقطّعوه بأسيافهم، بينما التقوا يهودياً فخلّوا سبيله. أرسل عليّ في أثرهم زياد بن خضعة البكري في عدد قليل من العساكر فأدركهم في أرض المذار، فدعا زياد صاحبهم الخريت، فسأله عمّا نقمه من أمير المؤمنين، فأخبره بأنّه لايرضى بعليّ إماماً، فطلب إليه تسليمه قتلة الرجل المسلم، فأبى عليه ذلك. فاقتتلوا قتالا شديداً دون أن يتمكّن أحدهما من الآخر، حتى جاء الليل فحجز بينهما، و تحت جنح الظلام تنكّر الخريت وأصحابه واتّجهوا صوب الأهواز، وكتب زياد إلى عليّ بما جرى بينهما. فانتدب عليّ معقل بن قيس الرياحي في جيش قوامه أربعة آلاف رجل، وبعث به في طلب الخريت الذي كان قد اجتمع إليه كثير من قطّاع الطرق والخارجين على النظام ممّن كسروا الخراج كما انضمّت إليه طائفة من الأعراب كانت ترى رأيه، وتمكّنوا من بعض مناطق فارس وأخرجوا عاملها لعلي سهل بن حنيف، ثم كان اللقاء بين الفريقين قرب جبل من جبال رامهرمز، فخرج الخريت من المعركة منهزماً حتى لحق بساحل بحر فارس.
ولكنّ الخريت لم يلق سلاحه، بل استمرّ بجمع الناس حوله، فكان يأتي من يرى رأي الخوارج فيسر إليهم: «إنّي أرى رأيكم، وانّ عليّاً ماكان ينبغي له أن يحكّم الرجال في دين الله» ثم يأتي لمن يرى رأي عثمان وأصحابه، فيقول لهم: «أنا على رأيكم، وانّ عثمان قتل مظلوماً معقولا» كما كان يجيء مانعي الصدقة فيقول: «شدّوا على صدقاتكم ثم صلوا بها أرحامكم، وعودوا إن شئتم على فقرائكم، وهكذا كان يعمل على إرضاء كلّ طائفة من الناس بضرب من القول يتّفق وهواهم. وبذلك استطاع أن يستهوي كثيراً من الأقوام من مختلف الميول والاتجاهات. ولمّا علم معقل بموقعه بساحل البحر بفارس، عبّأ جنده وزحف
________________________________________
(131)
نحو الخريت وأصحابه، وهزمهم هزيمة منكرة قتل فيها الخريت، وتقرّق من بقي من أتباعه هنا وهناك.
هكذا، انتهت حياة الخريت الناجي الذي لم تعرف هويّته الفكرية على حقيقتها، إذ وجدناه تارة يحارب إلى جانب علي ـ عليه السَّلام ـ وطوراً يخرج على إمامته ويشدّد النكير عليه، ومرّة يزعم أنّه من الخوارج واُخرى يتآمر على حياة زعمائهم فيستعدي عليّاً على عبدالله بن وهب الراسبي وزيد بن حصين ليقتلهما، ويقول المسعودي: إنّ الخريت ارتدّ مع أصحابه إلى النصرانية(1) .
2 ـ لمّا خرج أهل النهروان خرج أشرس بن عوف الشيباني على عليّ «بالدسكرة» في مائتين ثمّ سار إلى الأنبار، فوجّه إليه علي ـ عليه السَّلام ـ الأبرش بن حسان في ثلاثمائة وواقعه فقتل أشرس في ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين .
3 ـ ثم خرج هلال بن علفة ومعه أخوه مجالد فأتى «ماسبذان» ووجّه إليه علي معقل بن قيس الرياحي فقتله وقتل أصحابه وهم أكثر من مائتين، وكان قتلهم في جمادى الاُولى سنة ثمان وثلاثين .
4 ـ ثم خرج الأشهب بن بشر و قيل الأشعث وهو من «بجيلة» في مائة وثمانين رجلا، فأتى المعركة التي اُصيب فيها هلال وأصحابه فصلّى عليهم و دفن من قدر عليه منهم، فوجّه إليهم علي جارية بن قدامة السعدي وقيل حجربن عدي، فأقبل إليهم الأشهب فاقتتلابـ «جرجرايا» من أرض «جوخا»
________________________________________
المسعودي: مروج الذهب; المطبوع في سبعة أجزاء 3/59. ويظهر منه أنّه كان من أصحاب عليّ ولم يكن من الخوارج وإنّما انفصل عنه، عندما عسكر الإمام بالنخيلة ليذهب بالناس إلى حرب معاوية ثانيا فعند ذلك جعل أصحابه يتسلّلون و يلحقون بأوطانهم فلم يبق منهم إلاّ نفريسير، ومضى الخريت بن راشد الناجي في ثلاثمائة من الناس فارتدّوا إلى دين النصرانية.... .
________________________________________
(132)
فقتل الأشهب و أصحابه في جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين.
5 ـ ثم خرج سعيد بن قفل التميمي في رجب بـ«البندجين» و معه مائتا رجل فأتى «درزنجان» وهي من المدائن على فرسخين، فخرج إليهم سعد بن مسعود فقتلهم في رجب سنة ثمان و ثلاثين.
6 ـ ثم خرج أبو مريم السعدي التميمي فأتى «شهرزور» وأكثر من معه من الموالي، وقيل لم يكن معه من العرب غير ستة نفر هو أحدهم، واجتمع معه مائتا رجل وقيل أربعمائة، وعاد حتى نزل على خمسة فراسخ من الكوفة، فأرسل اليه عليّ يدعوه إلى بيعته ودخول الكوفة، فلم يفعل، قال: ليس بيننا غير الحرب، فبعث إليه عليّ شريح بن هاني في سبعمائة، فحمل الخوارج على شريح وأصحابه فانكشفوا، وبقي شريح في مائتين فانحاز إلى قرية، فتراجع بعض أصحابه، ودخل الباقون الكوفة، فخرج عليّ بنفسه و قدم بين يديه جارية بن قدامة السعدي، فدعاهم جارية إلى طاعة عليّ، وحذّرهم القتل فلم يجيبوا، ولحقهم عليّ أيضاً فدعاهم فأبوا عليه و على أصحابه، فقتلهم أصحاب علي ولم يسلم منهم غير خمسين رجلا استأمنوا فأمنهم، وكان في الخوارج أربعون رجلا جرحى فأمر عليّ بادخالهم الكوفة ومداواتهم حتى برئوا، وكان قتلهم في شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين، وكانوا من أشجع من قاتل من الخوارج ولجرأتهم قاربوا الكوفة(1) .
جريمتهم الكبرى أو آخر سهم في كنانة الخوارج:
قتل الإمام رؤوس الخوارج واستأصلهم، وقد نجت فئة منهم وتواروا في البلاد كما انّ من كان به رمق منهم، دفعهم الإمام إلى عشائرهم ليداووهم، ولكن
________________________________________
ابن الأثير: الكامل 3/187 ـ 188 .
________________________________________
(133)
كان للقوم في البصرة ونواحيها أنصار وموالون في الطريقة وكان للهالكين في ساحة القتال من ينتمي إليهم بشيء من النسب والسبب، فكانوا ينتهزون الفرصة لأخذ ثأرهم من الإمام عليّ ـ عليه السَّلام ـ قال: المبرّد: فلمّاقتل عليّ أهل النهروان وكان بالكوفة زهاء ألفين ممّن لم يخرج مع عبدالله بن وهب وقوم ممّن استأمن إلى أبي أيّوب الأنصاري، فتجمّعوا وأمروا عليهم رجلا من طي، فوجّه إليهم علي ـ عليه السَّلام ـ رجلا وهم بالنخيلة فدعاهم ورفق بهم، فأبوا فعاودهم، فأبوا فقتلوا جميعاً، فخرجت طائفة منهم نحو مكة فوجّه معاوية من يقيم للناس حجّهم فناوشه هؤلاء الخوارج فبلغ ذلك معاوية، فوجّه بسر بن أرطاة أحد بني عامر بن لؤي، فتوافقوا وتراضوا بعد الحرب بان يصلّي بالناس رجل من بني شيبة لئلاّ يفوت الناس الحج، فلمّا انقضى نظرت الخوارج في أمرها، فقالوا: إنّ عليّاً ومعاوية قد أفسدا أمر هذه الاُمّة، فلو قتلناهما لعاد الأمر إلى حقّه، وقال رجل من أشجع: والله ما عمرو دونهما، وانّه لأصل هذا الفساد، فقال عبدالرحمن بن ملجم: أنا أقتل عليّاً، فقالوا: وكيف لك به؟ قال: أغتاله. فقال الحجاج بن عبدالله الصريمي وهو البرك: وأنا أقتل معاوية، وقال زادويه مولى عمروبن تميم: وأنا اقتل عمرو، فأجمع رأيهم على أن يكون قتلهم في ليلة واحدة فجعلوا تلك الليلة ليلة احدى وعشرين(1)من شهر رمضان، وخرج كل واحد إلى ناحية، فأتى ابن ملجم الكوفة، فأخفى نفسه وتزوّج إمراةً يقال لها قطام بنت علقمة من تيم الرباب وكانت ترى رأي الخوارج، ويروى أنّها قالت: لاأقنع منك إلاّ بصداق اُسمّيه لك، وهو ثلاث آلاف درهم وعبدٌ وأمة، وأن تقتل علياً، فقال لها: لك ما سألت. فكيف لي به؟. قالت: تروم ذلك غيلة، فإن سلمت أرحت الناس من شرّ وأقمتَ مع أهلك، وإن أصبتَ صرتَ إلى
________________________________________
تفرّد المبرد بنقله، والصحيح ليلة التاسعة عشر .
________________________________________
(134)
الجنة ونعيم لايزول فانعم لها وفي ذلك يقول:
ثلاثة آلاف وعبد وقَيْنَةٌ * وضرب عليّ بالحسام المصمِّم
فلا مهر أغلى من عليّ وإن غلى * ولافتك إلاّ فتك ابن ملجم
ويروى أنّ الأشعث نظر إلى عبدالرحمن متقلّداً سيفاً في بني كندة فقال: يا عبدالرحمن أرني سيفك. فأراه فرأى سيفاً حديداً، فقال: ما تقلّدك السيف وليس بأوان حرب؟ قال: فقال: إنّي أردت أن أنحر به جزور القرية. فركب الأشعث بغلته و أتى عليّاً فخبّره، فقال له: قد عرفت بسالة ابن ملجم وفتكه، فقال علي: ما قتلني بعد.
ويروى انّ عليّاًـ رضوان الله عليه ـ كان يخطب مرّة ويذكر أصحابه، وابن ملجم تلقاء المنبر، فسمع وهو يقول: والله لأريحنّهم منك، فلمّا انصرف علي ـ صلوات الله عليه ـ إلى بيته أتى به ملبباً(1)فأشرف عليه، فقال علي: ماتريدون؟ فخبّروه بما سمعوا، فقال: ما قتلني بعد فخلّوا عنه.
ويروى أنّ علياً كان يتمثّل إذا رآه ببيت عمرو بن معدي كرب في قيس بن مكشوح المرادي:
اُريد حياته ويريد قتلي * عَذِيرَك من خليلكَ من مراد
فقيل لعليّ: كأنّك قد عرفته و عرفت ما يريد بك. أفلا تقتله؟ فقال: كيف اقتل قاتلي؟ .
فلمّا كان ليلة احدى و عشرين من شهر رمضان خرج ابن ملجم وشبيب الأشجعي فاعتورا الباب الذي يدخل منه عليّ ـ رضي الله عنه ـ وكان مُغَلِّساً ويُوقظ الناس للصلاة، فخرج كما كان يفعل فضربه شبيب فأخطاه
________________________________________
أي مأخوذا بتلابيه.
________________________________________
(135)
وأصاب سيفه الباب، وضربه ابن ملجم على صَلْعَتِه (1) فقال علي: فزت ورب الكعبة، شأنكم بالرجل. فيروى عن بعض من كان بالمسجد من الأنصار، قال: سمعت كلمة عليّ ورأيت بريق السيف، فأمّا ابن ملجم فحمل على الناس بسيفه فأفرجوا له وتلقّاه المغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب بقطيفة فرمى بها عليه، واحتمله فضرب به الأرض، فقعد على صدره ، وأما شبيب فانتزع السيف منه رجل من حضرموت وصرعه وقعد على صدره وكثر الناس فجعلوا يصيحون: عليكم صاحب السيف، فخاف الحضرميّ أن يكنُّوا عليه ولايسمعوا عذره فرمى بالسيف، وانسلّ شبيب بين الناس فَدُخِلَ على عليّ فاومر فيه، فاختلف الناس في جوابه فقال علي: «إن أعش فالأمر إليّ، وان اُصب فالأمر لكم، فإن آثرتم أن تقتصّوا فضربة بضربة وإن تعفوا أقرب للتقوى»....ومات عليّ ـ صلوات الله ورضوانه عليه و رحمته ـ في آخر اليوم الثالث
[واتّفقوا على القصاص
] فدعا به الحسن ـ رضي الله عنه ـ
[فقال ابن ملجم له
]: إنّ لك عندي سرّاً فقال الحسن ـ رضوان الله عليه ـ: أتدرون ما يريد؟ يريد أن يقرب من وجهي فيعضّ اُذني فيقطعها. فقال: أما والله لو أمكنني منها لاقتلعتها من أصلها. فقال الحسن: كلاّ والله لأضربنّك ضربة تؤدّيك إلى النار(2) .
هذا ما ذكره المبرّد في كامله ووافقه عدّة من المؤرّخين غير أنّ أهل البيت أدرى بما في البيت، والصحيح أنّه قتل في المحراب وهو يصلّي الفجر وانّه ضرب في ليلة التاسعة عشر من شهر رمضان واستشهد في ليلة الحادية و العشرين منه: وإليك كلمة عن الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ في ذلك المجال
________________________________________
العبارة تعرب عن كونه مقتولا في باب المسجد ولكنّه مردود بقول أئمة أهل البيت على أنّه قتل في محراب عبادته.
2. المبرّد: الكامل 2/148. الطبري: التاريخ 4/110 ـ 112. ابن الأثير: الكامل 3/194 ـ 195. الدينوري: الأخبار الطوال 214. المسعودي: مروج الذهب 4/166 .
________________________________________
(136)
لمّا ضرب ابن ملجم ـ لعنه الله ـ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كان معه آخر فوقعت ضربته على الحائط، وأمّا ابن ملجم فضربه فوقعت الضربة وهو ساجد على رأسه (1).
***
________________________________________
الطوسي: الأمالي 233. المجلسي: البحار 42/205 ـ 206 .
 

أضف تعليق


إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية