الفتاوى الشاذّة عن الكتاب والسنّة

البريد الإلكتروني طباعة
بحوث في الملل والنحل لأية الله الشيخ جعفر السبحاني ، ج5 ، ص 279 ـ  285
________________________________________
(279)
الفتاوى الشاذّة عن الكتاب والسنّة
المذهب الاباضي يدّعي أنّه يعتمد في اُصوله على الكتاب والسنّة ويتّفق في كثير من اُصوله وفروعه مع مذاهب أهل السنّة، ولا يختلف معها إلاّ في مسائل قليلة اختلاف مذاهب السنّة نفسها في ما بينها.
وما كان اعتماد المذهب الاباضي على الكتاب والسنّة وعدم تباعده عن مذاهب السنّة إلاّ لأنّ مؤسّسه جابر بن زيد قد أخذ عن الصحابة الذين أخذ عنهم أصحاب هذه المذاهب من الحنفيّة والشافعيّة والمالكيّة والحنابلة، بل أنّه يمتاز على أصحاب هذه المذاهب في أنّه أخذ عن الصحابة مباشرة بينما هم لم يأخذوا في معظمهم إلاّ من التابعين .
كما أنّ الأحاديث التي جمعها هو وغيره من علماء وفقهاء وجمّاع الأحاديث من الاباضية كالربيع بن حبيب و غيره، ليست إلاّ أحاديث وردت عن البخاري ومسلم وغيرهم من أئمّة الحديث كأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني والطبراني والبيهقي وغيرهم من أهل السنّة والجماعة.
________________________________________
(280)
إنّ الاباضية لا يعترفون بالتقليد فيما يأخذون أو يدّعون حتى لفقهائهم أنفسهم، والمشهور عنهم أنّهم يقولون: إنّهم رجال تقييد لاتقليد، أي أنّهم يتقيّدن بالكتاب والسنّة، وبما تقيّد والتزم به السلف الصالح، ولايقلّدون أصحاب المذاهب أو أصحاب الأقوال إلاّ إذا كانت أقوالهم موافقة للكتاب والسنّة (1) .
إنّ المذهب الاباضي كما وصفه الكاتب يستند إلى الأدلّة الشرعية والعقلية، فالعقل عندهم حجّة كالكتاب والسنّة، وليس ذلك أمراً خفيّاً على من سبر كتبهم العقائدية والفقهية، وقد كان ذلك معروفاً عنهم في القرون الاُولى حتى بين مخالفيهم على وجه قالوا: باغناء العقل عن السمع في أوّل التكليف. يقول المفيد شيخ الشيعة في القرن الرابع:
«اتفقت الإمامية على أنّ العقل يحتاج في علمه ونتائجه إلى السمع وأنّه غير منفك عن سمع ينبّه الغافل على كيفيّة الاستدلال، وأنّه لابدّ في أوّل التكليف وابتدائه في العالم من رسول، ووافقهم في ذلك أصحاب الحديث، وأجمعت المعتزلة والخوارج والزيدية على خلاف ذلك، وزعموا أنّ العقول تعمل بمجرّدها من السمع و التوقّف، إلاّ أنّ البغداديين من المعتزلة خاصّة يوجبون الرسالة في أوّل التكليف»(2).
وهذا النحو من الاعتماد على العقل يعد نوع مغالاة في القول بحجيّته إلاّ في مورد لزوم إصل المعرفة، لاستقلاله عليه دفعاً للضرر المحتمل وغيره ما حرّر
________________________________________
1. الدكتور رجب محمّد عبدالحليم: الاباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بأباضية عمان والبصرة: 58 ـ 61 .
2. الشيخ المفيد (336 ـ 413 هـ): أوائل المقالات 11 ـ 12 .

________________________________________
(281)
في محلّه (1)
إنّ القول بحجّية العقل لايعني منها إلاّ حجّيته في موارد يستقلّ بحكمها العقل على وجه اللزوم والقطع كالملازمات العقليّة، مستقلّة كانت أو غير مستقلّة، والأوّل كاستقلاله بالبراءة عن أيّ تكليف فيما إذا لم يرد من الشارع فيه بيان، ولزوم الفحص عن بيّنة مدّعي النبوّة، والنظر في دعواه وبرهانه، والثاني كالمسائل المعروفة بباب «الملازمات العقلّية» في اُصول الفقه، كادّعاء الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، أو نقيضه (الضد العام) إلى غير ذلك ممّا هو مذكور في محلّه، ولا يحتجّ به الاّ فيما إذا لم يرد من الشرع حكم في مورده، وإلاّ فلا يقام له وزن، ولأجل الغلوّا الموجود في كلماتهم التي ترتبط بالعقل نجد لهم فتاوى فقهية لاتوافق الكتاب و السنّة، وقد أعطوا للعقل العاطفي فيها قيمة أكثر ممّا أعطوه للكتاب والسنّة، فقدّموا حكم العقل الظنّي على الحكم الشرعي القطعي، وإليك نماذج:
1 ـ قد بلغت السماحة وحب السلام لدى الاباضية أنّ فقهاءهم فضّلوا الصلح بين أي فئتين من المؤمنين وقع القتال بينهما، وأنّه لاينبغي لأحد أن يفضّل أيّ فئة منهما على الاُخرى، حتى لاتحدث فتنة، وفي ذلك قال أحد شيوخهم من المغاربة: «إنّه إذا وقعت الفتنة بين فئتين من المؤمنين فالأحبّ إليّ أن يصطلحوا، فإن لم يفعلوا فالأحبّ إليّ أن لاتغلب فئة فئة، فإنّ من أحبّ أن تغلب أحدهما الاُخرى فقد دخل في الفتنة ولزمه ما لزمه أهل تلك، وكان سيفه يقطر دماً، والسلامة عندي أن يكونا في البراءة سواء، لايرجّح احدى الطائفتين، فإنّه متى رجّح اُثم»(2).
________________________________________
1. لا حظ محاظراتنا في الالهيات بقلم الشيخ حسن مكّي العاملي 1/24 .
2. الدكتور رجب محمّد عبدالحليم: الاباضية في مصر والمغرب: 61، نقلا عن الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب 2/491 .

________________________________________
(282)
لاشك انّ هذه الفتوى صدرت عن عاطفة القائل وكونه محبّاً للوئام والسلام، لكنّها عاطفة في غير محلّها وربّما تتم لصالح الظالمين والفئات الباغية، والذكر الحكيم يصرّح بخلافه وانّه يجب مقاتلة الباغي إن لم يرجع إلى أمر الله، قال سبحانه:(وَ إنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِيِنَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلَى الاُخْرَى فَقاتِلُوا الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىءَ اِلَى أَمْرِاللهِ فَإن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ)(1) .
وعلى ضوء ما ذكره القائل، فالواجب على المسلمين في الفتنة التي أثارها طلحة والزبير في خلافة علي ـ عليه السَّلام ـ أو الفتنة التي أثارها ابن أبي سفيان بعد حرب الجمل، أن لاتفضّل أي فئة على الاُخرى حتى لاتحدث فتنة، وهذا النوع من حبّ الصلح والسلام أشبه بالخضوع لعاطفة عشواء ولو كان في ذلك ركوب الباطل.
2 - اتّفقت الاُمّة الإسلامية على أنّ الزنا بمجرّده لاينشر الحرمة بين الفاعلين إلاّ في موارد خاصّة كما إذا كانت الزانية مزوّجة، ويسمى في مصطلح الفقه« الزنا بذات الاحصان» وروت عائشة: أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قال الحرام، لا يحرّم الحلال.
ومع ذلك فقد جاءت الاباضية بفتوى شاذّة حسبها أنّها صيانة لكرامة المرأة حتى أنّ بعض المتأخّرين منهم صاغها في قالب اجتماعي حسب أنّه ينطلي على أصحاب الفقه، قال:
«لقد كانت بيئة الحياة في الاُمّة المسلمة لا تبيح للمرأة أن تخلى برجل أجنبي ولا تبيح لرجل أن يختلي بامرأة اجنبية عنه، وذلك خوفاً من الفتنة، لأنّ الدوافع الجنسية قد تتغلّب على النفس عند الرجل أو عند المرأة وهما مختليان،
________________________________________
1. الحجرات: 9 .
________________________________________
(283)
فيصلان إلى المحذور، ويقع السوء الذي منه يحذران. ولقد درس الاباضية هذه المشكلة منذ خير القرون وانتهوا فيها إلى رأيهم الذي ينفردون به فيما أعرف، فحرّموا الزواج بين من ربطت بينهما علاقة إثم، وقد كانوا في تحريمهم لهذا الزواج يستندون إلى روح الإسلام الذي يحارب الفاحشة .
روت اُمّ المؤمنين عائشة ـ رضى الله عنهاـ عن رسول الله أنّه قال: «أيّما رجل زنا بامرأة ثم تزوّجها فهما زانيان إلى يوم القيامة»(1) .
يلاحظ عليه
أوّلا:
انّ الخضوع للعاطفة والتمسّك بهذه الذرائع إنّما يجوز إذا لم يكن في المسألة دليل من الشرع وإلاّ فيضرب بها عرض الجدار، وإن نبع عن مبدأ عقلي!!! أو عاطفي، فإذا كان الكتاب والسنّة واجماع الاُمّة حاكماً بجواز التزويج فلايسوغ لنا التمسّك بهذه الوجوه، ويكفي في ذلك اطلاق قوله سبحانه:( وَ أَُحِلَّ لَكُمْ ماوَرآءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتْغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِين)(2)، نعم عن بعض الفقهاء اشتراط الجواز بالتوبة، وعلى كلّ تقدير فليس في الاُمّة من يحرّم إلاّ الحسن البصري، وقوله شاذّ مخالف للكتاب واتّفاق الاُمّة.
قال الشيخ الطوسي: إذا زنى بامراة جاز له نكاحها فيما بعد، وبه قال عامّة أهل العلم، وقال الحسن البصري:لايجوز، وقال قتادة ومحمّد (وفي نسخة أحمد): إن تابا جاز وإلاّ لم يجز، وروي ذلك في أخبارنا(3) .
وقال ابن قدامة: «وإذا زنت المرأة لم يحل لمن يعلم ذلك نكاحها إلاّ بشرطين:
________________________________________
1. علي يحيى معمّر: الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة الاُولى 111 ـ 112.
2. النساء: 24.
3. الشيخ الطوسي: الخلاف ج 2، كتاب النكاح، المسألة 71 ص 378 .

________________________________________
(284)
1 ـ انقضاء العدّة.
2 ـ التوبة: وإذا وجد الشرطان حلّ نكاحها للزاني وغيره في قول أكثر أهل العلم، منهم: أبوبكر وعمر و ابنه و ابن عباس وجابر بن زيد وعطاء والحسن وعكرمة والزهري والثوري والشافعي و ابن المنذر و أصحاب الرأي، وروي عن ابن مسعود والبّراء بن عازب وعائشة: انّها لاتحلّ للزاني بحال، ويحتمل انّهم أرادوا بذلك ما كان قبل التوبة أو قبل استبرائها فيكون كقولنا، فأمّا تحريمها على الاطلاق فلايصحّ لقول الله تعالى: (
وَ أُحِلَّ لَكُمْ ماوَراءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِاَمْوالِكُمْ...)،) لأنّها محلّلة لغير الزاني فحلّت له كغيرها(1) .
ثانياً: إنّ صيانة كرامة المرأة إنّما هو في تجويز الزواج لافي التحريم لأنّ الزواج ـ بعد الإثم ـ يغطّي الفاحشة التي صدرت منهما عن جهالة، ويصير الفاعلان في المجتمع الإسلامي كزوجين شرعيّين يتعامل الناس معهما معاملة صحيحة وواقعية، وأمّا إذا أفتينا بحرمة الزواج، فالمرأة المخدوعة المحكومة بحكم العاطفة ربّما تلتحق بالغانيات إذا انتشر أمرها وظهر سرّها، ورغب عنها كلّ شابّ غيور.
3 ـ «قد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن الاستجداء والمسألة، واعتمد الاباضية تلك الأحاديث الشريفة فمنعوا المسلم من إراقة ماء الوجه والتعرّض لمذلّة السؤال، فإذا هانت عليه كرامته، وذهب يسأل الناس الزكاة، حرم منها عقاباً له على هذا الهوان، وتعويداً له على الاستغناء عن الناس، والاعتماد على الكفاح»(2) .
لاشك انّ السؤال و الاستجداء حرام شرعاً ومكروه في بعض الموارد،
________________________________________
1. عبد الله بن قدامة: المغني 7 / 64 ـ 65 .
2. علي يحيى معمّر: الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة الاُولى 116 .

________________________________________
(285)
غير أنّ الافتاء بتحريم الزكاة بحجّة صيانة ماء وجه السائل فتوى على خلاف الكتاب والسنّة، ولو كان ذلك موجباً للتحريم لصدر فيه نصّ عن رسول الله لكثرة الابتلاءبها .
أضف إلى ذلك انّه سبحانه يأمر باعطاء السائل وعدم نهره، يقول سبحانه:
( وَ الَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسَّائِلِ وَ الَمحْرُومِ)(1).
وقال سبحانه:
( وأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ)(2) .
وقال سبحانه:
( وَ آتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَاليَتَامى وَالمَسَاكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ السَّائِلِينَ وَ فِي الرِّقابِ وأَقامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكاةَ)(3)، والآية مطلقة تعم مورد الزكاة وغيره لولم نقل بورودها فيها.
***
________________________________________
1. المعارج: 24 ـ 25 .
2. الضحى: 10 .
3. البقرة: 177 .
 

أضف تعليق


إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية