حلقة العزّابة

البريد الإلكتروني طباعة
بحوث في الملل والنحل لأية الله الشيخ جعفر السبحاني ، ج5 ، ص 291 ـ  301
________________________________________
(291)
العزّابة:
تعريف العزّابة: العزّابة هيئة محدودة العدد، تمثّل خيرة أهل البلد علماً وصلاحاً، وهذه الهيئة تقوم بالاشراف الكامل على شؤون المجتمع الاباضي، الشؤون الدينية، والشؤون التعليمية، والشؤون الاجتماعية، والشؤون السياسية. وهي في زمن الظهور والدفاع تمثّل مجلس الشورى للإمام أو عامله ومن ينوب عنه. أمّا في زمني الشراء أو الكتمان فهي تمثّل الإمام وتقوم بعمله.
تختار هيئة العزّابة من بينها شيخاً يسمّى «شيخ العزّابة» يكون أعلمهم وأكثرهم كفاءة، ولايشترط فيه أن يكون أكبر هم سنّاً، والشيخ يرأس الهيئة في جلساتها، ويمثّلها في جميع أعمالها، ويتكلّم باسمها، وينفّذ قراراتها، ويتولّى الاشراف المباشر على جميع شؤون البلد أو الاُمّة، ويجب أن تعرض عليه جميع المشاكل والأحداث، وحكمه بعد قرار الهيئة نافذ في جميع الأحكام.
اشتقاق كلمة العزّابة: اشتقّت هذه الكلمة من العزوب أو العزابة، وهي تعني العزالة، والغربة، والتصوّف والتهجّد، والانقطاع في رؤوس الجبال، ويقصد بها في هذا الاستعمال الانقطاع إلى خدمة المصلحة العامة، والاعراض عن حظوظ النفس، والبعد عن مشاغل الحياة، من أهل ومال وولد، فإنّ العزّابي لايعطي لهؤلاء من جهده ووقته إلاّ القليل، أمّا أعظم طاقته فيجب أن يصرفها لله في خدمة المسلمين، دون مقابل يتقاضاه على عمله، أو أجر يرجوه منهم، لأنّ أجره وحسابه على الله.
معنى كلمة الحلقة: كلمة الحلقة استعمال ثان يقصد به هيئة العزّابة، فهي مرادفة لها، وقد اُخذت هذه الكلمة من التحليق، وهو الاستدارة، وذلك انّ العزّابة في اجتماعاتهم الرسمية يجلسون على هيئة حلقة أو دائرة، وهو أنسب وضع لتبادل الآراء، ودارسة وجهات النظر المختلفة.
________________________________________
(292)
كما أنّ الجلوس على هذا الوضع أفضل حال عند الدراسة، أو تلاوة القرآن الكريم، والاّتجاه إلى الله بالدعاء .
مقرّ العزّابة: المقرّ الرسمي للعزّابة يكون في المسجد، ولذلك فلزام أن يكون في جانب من جوانب المسجد بيت خاص بالعزّابة، ويستحسن أن يكون بعيداً عن مجالس الناس، حتى لاتسمع المداولات التي تجري فيه، وهذا البيت الخاص بهم لايجوز لغيرهم الدخول إليه مطلقاً، ويتحتّم على الجدد منهم أن يقوموا بتنظيفه ومراقبته وفرشه وملاحظة جميع مايلزمه، وفيه تحفظ وثائقهم فلايطّلع عليها أحد غيرهم. وجميع المداولات والمناقشات والمباحث التي تجري داخله تعتبر سرّيّة، لايجوز اخراجها وافشاؤها لأيّ سبب من الأسباب، ماعدا القرارات التي تّتخذ للتنفيذ فيتولّى الشيخ اعلانها، وقد ينوب عنه أحد الأعضاء الآخرين، ولايجوز للعزّابة أن يناقشوا أي موضوع في غيرمقرّهم الرسمي، وبعد أن ينتهوا إلى قرار في أي موضوع يحق لهم أن ينتقلوا إلى مكان آخر لتنفيذ ذلك القرار، إذا كان تنفيذه يقتضي منهم الانتقال، وإذا أصدروا أمراً في شأن من الشؤون الاجتماعية للبلد، كتحديد المهور، أو تحديد الأسعار، أوبدء العمل في المواسم الزراعية، أو ما شاكل ذلك، فلم يستجب الجمهور لقرارهم، اعتصموا في مقرّهم، ولزموا المسجد دون أن يقوموا بأعمالهم المعتادة، وامتنعوا من دخول الأسواق والبلد، حتى يستجيب الناس للحكم، ويقوموا بتنفيذ الأمر، ولم تحدث مثل هذه الحالة عند الاباضية في ليبيا، إلاّ عدداً قليلا من المرّات، استجاب فيها الناس لأمر العزّابة بأسرع مايمكن، بل لقد كان الناس يسارعون حين يسمعون بمثل هذا الموقف من العزّابة، فيقنعون بعضهم، ويبلّغون موافقتهم إلى المجلس قبل حضور وقت الصلاة الثانية، فتسيرالاُمور في معتادها.
________________________________________
(293)
عدد أعضاء الحلقة: يتراوح عدد أعضاء الحلقة بين عشرة أعضاء وستة عشر عضواً، يوزّع عليهم العمل كما يأتي:
1 ـ شيخ العزّابة: ويكون أعلم القوم، وأقواهم شخصية، وأقدرهم على حلّ المشاكل.
2 ـ المستشارون: ويكون عددهم أربعة لايزيدون ولاينقصون، ويلزمون الشيخ، ولايقطع أمراً دون موافقتهم.
3 ـ الإمام: شخص واحد، يقوم بصلاة الجماعة، ويجوز أن يكون أحد الأربعة المستشارين.
4 ـ المؤذّن: وهو شخص واحد مسؤول عن تحرّي أوقات الصلاة، والقيام بمهمّة الأذان، ويصحّ أن يكون أحد الأربعة المستشارين.
5 ـ وكلاء الأوقاف: يخصّص عضوان للاشراف على الأوقاف، وعلى ميزانيّة الحلقة، وضبط الواردات والصادرات، وطريقة اصلاح وتنمية الأوقاف، ويشترط في هذين العضوين بالاضافة إلى الشروط العامّة لأعضاء الحلقة، أن لايكونا من الأغنياء المكثرين، ولامن الفقراء المعوزين، ولكن من متوسّطي الحال المستورين.
6 ـ المعلّمون: يخصّص ثلاثة أعضاء أو أكثر أو أقلّ حسب الحاجة، للاشراف على التربية والتعليم، وتنظيم الدراسة، ومراقبة التلاميذ في المحاضر، وهي دور التعليم، أو في الأقسام الداخلية، وما إلى ذلك من شؤون التعليم .
7 ـ حقوق الموتى: يخصّص أربعة أعضاء أو خمسة للاشراف على حقوق الموتى، فيتولّون الاشراف على غسلهم، وتجهيزهم، والصّلاة عليهم، ودفنهم ومراقبة تنفيذ وصاياهم، وتقسيم تركاتهم حسب الفرائض في أحكام
________________________________________
(294)
الإسلام.
وإذا توفّي شخص وهو في براءة المسلمين بأن مات على معصية، فإنّ هؤلاء العزّابة لايقومون بحقوقه، لأنّ العاصي لاحقّ له على المؤمنين، ولكنّهم يسمحون لمن شاء من غير أعضاء الحلقة أن يقوم بتلك الحقوق، ذلك أنّ القيام باُمور الميّت فرض على الكفاية، إذا قام به البعض أجزى عن الباقين.
شروط العضوية: يشترط في أعضاء العزّابة عدّة شروط، منها:
1 ـ أن يكون حافظاً لكتاب الله.
2 ـ أن يمرّ بمراحل الدراسة مرحلة مرحلة، ويستوفي الدراسة فيها.
3 ـ أن يكون محافظاً على الزّي الرسمي للطلبة عندما كان في الدراسة، وللزّي الرسمي للعزّابة عندما يدخل الحلقة .
4 ـ أن يكون أديباً كيّساً فطناً، ذا لباقة ومهارة في تصريف الاُمور.
5 ـ أن يكون محبّاً للدراسة راغباً فيها، مواصلا للتعلّم والتعليم.
6 ـ أن لاتكون له مشاغل دنيوية كثيرة تحمله على كثرة التردّد على الأسواق، والاختلاط بالعامّة والسَوَقة، اختلاطاً يزري بمقامه، ويذهب بهيبته .
7 ـ أن يغسل جسده بماء ويغسل قلبه بماء و سدر، وهذه عبارة اصطلاحية، يقصد منها أن يكون الإنسان نظيف اليد، والبطن، والعين من أموال الناس، وأن يكون نظيف القلب من جميع أمراض القلوب، أي أن يكون طاهر الباطن والظاهر.
وقد شرح أبو عمار عبد الكافي هذه العبارة، بقوله: «أمّا الجسد فيغسله من الدنس في الناس، وأمّا القلب فيغسله من الغش والتكّبر وما أشبه ذلك ممّا يوجب حبط العمل» والعبارة كماترى في غاية الدقّة، وهي تحتمل أكثر ممّا أشرت إليه وأشار إليه العلاّمة أبو عمار فتأمّلها، فكلّما تأمّلتها وجدت فيها
________________________________________
(295)
معنى جديداً....
ولقد شدّد المشايخ في تنظيف المؤمن لقلبه، لأنّ أدران القلوب أشدّ قذارة من أدران الأبدان، ولذلك أوجبوا عليه أن يغسل جسده بالماء، وأن يغسل قلبه بماء وسدر، وهي كناية تفيد الحرص الشديد على نظافة الباطن أكثر من نظافة الظاهر، فإنّ من طهرت سريرته حسنت سيرته، واستقامت اُموره، وكثرت محاسبته لنفسه، ورعايته لسلوكه، وفي ذلك النجاح .
واجبات الحلقة: على هيئة العزّابة واجبات أكيدة هي مسؤولة عنها باعتبارها هيئة، وتتلخّص هذه الواجبات فيما يلي:
1 ـ الاشراف على التعليم وتهيئة الوسائل لذلك، وتيسير السبل أمام جميع الأطفال لينالوا قسطاً من الدراسة، ويتعلّموا جزءاً من القرآن الكريم وما يعرفون به اُمور دينهم، وهذا أقل ما يمكن أن يتاح للطفل، فإذا كانت اُسرة الطفل فقيرة بحيث لاتستغني عن مجهوده الضعيف، أو ليس لها ما تموّنه به أوقات الدراسة، وجب أن تقدّم له مساعدة، وذلك بالانفاق عليه.
2 ـ مراعاة الحالة الاجتماعية للناس، وتيسير سبل الحياة للفقير والضعيف وايجاد العمل للجميع، وذلك بمطالبة الأغنياء وأصحاب اليسار أن يستعينوا بالفقراء في انجاز أعمالهم مقابل اُجور، كثيراً ما يعيّنها أعضاء العزّابة .
3 ـ حلّ المشاكل التي تنجم بين الناس، والفصل في قضاياهم، والحكم بينهم في خصوماتهم وايصال الحقوق إلى أصحابها .
4 ـ الاشراف على أوقاف المساجد، وعلى ميزانية الحلقة أو ضبط الصادر والوارد، وانفاق جميع ذلك في وجوهه، والعمل على تنمية الأوقاف الثابتة، واصلاحها، واستغلالها أحسن استغلال.
5 ـ حفظ الأسواق ومراقبتها من أن تقع فيها معاملات لايبيحها الشرع، أو
________________________________________
(296)
أن ترد إليها أموال مسترابة أو مشبوهة.
6 ـ تنظيم الحراسة البلدية على أموال الناس من زراعة وماشية حتى لاتصل إليها أيدي الغارة والسرقة والاضرار .
7 ـ الحكم على العصاة والمجرمين وتأديبهم، واعلان البراءة منهم، وقطع التعامل معهم حتى يتوبوا ويرجعوا إلى الله .
8 ـ القيام بالعلاقات الخارجية وتنظيمها، سواء كانت علاقات حرب أو سلام.
هذه بعض المهام التي تناط بمجلس العزّابة باعتباره هيئة مسؤولة عن المجتمع أمام الله وأمام الناس، وعلى الهيئة أن توزّع الأعمال على الأعضاء حسب الكفاءة والمقدرة، والذي يقوم بذلك إنّما هو الشيخ بعد اتّفاق الحلقة.
أين تنشأ حلق العزّابة: تنشأ حلق العزّابة في كل بلد أو قرية، وحلقة العزّابة هم الذين يشرفون على اُمور البلد أو القرية الخاصّة، فإذا كان هنالك أمر هام، أو حدث أكبر من مستوى القرية أو البلد رفع إلى المجلس الأعلى للعزّابة الذي يرأسه الشيخ الأكبر، أو حاكم الجبل حسبما كان في جبل نفوسة، وذلك كمسائل ايقاع الحدود، وما يتعلّق بالأمن العام، وما إلى ذلك من المشاكل التي تكون أكبر من المستوى المحلّي للقرية، والهيئة الكبرى للعزّابة أو الهيئة العامة لهم هي الهيئة التي يرأسها الشيخ الأكبر، ولابدّ أن يكون شيخاً للعزّابة في بلده ويقوم مقام الإمام في أزمنة الكتمان، أمّا أعضاء العزّابة الذين يكونون معه فهم المستشارون، ويكونون من شيوخ حلق العزّابة في بلدانهم. ومقرّهم هو مركز البلاد وعاصمتها، ولهم مع الشيخ اجتماعات دورية، مرة في كلّ ثلاثة أشهر، ومتى دعت الحاجة. وأحكام هذا المجلس نافذة على جميع البلاد، وكل الحلق خاضع مادّياً وأدبيّاً لهذا المجلس، ويعتبر السلطة الحقيقية للمجتمع
________________________________________
(297)
الاباضي، أمّا بقية الحلق فهي مساعدة له، منفّذة لأعماله، ويجب على الشيخ الأكبر للعزّابة ان يكون مقر حكمه في مركز البلاد، فإذا اختار السكن في غير ذلك المكان فعليه أن يباشر الأحكام في مركز الحكم لا في محل السكن كما كان يفعل أبو هارون موسى بن هارون، وأبو عبدالله بن جلداسن اللالوتي، وأبو يحيى الارّجاني، وغيرهم.
إنّ شيخ العزّابة في المجتمع الاباضي يمثّل سلطة الإمام العادل، ويقوم بجميع مهامه في النطاق الذي تسمح به ظروف الحياة في زمن كل واحد منهم. وهو مقيّد بمجلس الشورى الذي لايحق له أن يصدر رأياً قبل موافقته، اللّهمّ إلاّ في الأحكام الثابتة في الدين الإسلامي، وله أن يستعين بشخص يقوم له مقام المفتي، والقصد من هذا المفتي هو تحرير نصوص الحكم المستمدّة من الشرع الشريف، أو المساعدة على ترجيح الأقوال في المسائل الخلافية التي تتعدّد فيها وجهات أنظار الفقهاء. وليس المقصود من وجود المفتي أن يبصر الشيخ باحكام لا يعرفها، لأنّ شيخ العزّابة يشترط فيه أن يكون من أعلم المشايخ، إذا لم يكن أعلمهم.
وفي الاجتماعات الدورية التي تعقد في ثلاثة أشهر، أو في ستّة أشهر، يحضر ممثّلون عن جميع حلق العزّابة، ويستعرضون ما لديهم من مشاكل، ويدرسون معاً وضع المجتمع، ويتّخذون في ذلك القرارات اللازمة، يرسمون خطط السير في المستقبل، على أنّه يحق لكل حلقة أن تتّصل بالمجلس الأعلى وتدعوه للانعقاد إذا كانت هنالك أسباب تدعو إلى ذلك، كما أنّ لها الحق أن تعرض مشاكلها الخاصة على الشيخ الأكبر، وتقتبس منه الرأي والنصيحة.
ويمثّل كلّ حلقة من حلق العزّابة شيخها وبعض مستشاريه، إلاّ في أحوال الضرورة التي يتعذّر فيها عليه أن يقوم بهذه المهمّة.
________________________________________
(298)
اختيار أعضاء الحلقة: يراعى في اختيار العزّابة بالاضافة إلى الشروط التي يجب أن تتوفّر في كل شخص أن يكونوا ممثّلين للقبائل أو الجهات التي يشتمل عليها البلد، ولايشترط تساوي العدد، كما أنّه إذا لم يوجد في قبيلة ما ، من تتوفّر فيه الشروط الشخصية اُخذ من غيرها، وعندما يحتاج العزّابة إلى اضافة عضو جديد إلى الحلقة يأخذونه عن أحد طريقين:
إمّا أن يطلبوا من القبيلة التي يراد أخذ العضو منها أن ترشّح عدداً ممّن تتوفّر فيهم شروط العضوية والكفاءات المطلوبة مع الشهرة بالصلاح، والتقوى، والعفاف، والنزاهة، وحب الخير، والايثار، والتضحية، والعمل للصالح العام، فتختار الهيئة واحداً منهم، وإمّا أن يطلبوا إلى منظمة «إيرْوان» أن يقدّموا إليهم واحداً ممّن يملأ ذلك الفراغ .
حين يتعيّن العضو لأن يشغل مركزاً في العزّابة، يدعى إلى مقرّهم الرسمي ويتولّى الشيخ تعريفه بالسيرة التي يجب عليه أن يسيرها، وبالأدب الذي يلتزمه، ويؤكّد عليه أن يعرف انّ من أوكد الواجبات عليه أن يحافظ على آداب الإسلام، ويتخلّق بأخلاقه الحميدة، من الاستقامة والنزاهة، والعفّة، والانقطاع إلى خدمة الاُمّة، والتزام المسجد، والاعراض عن حظوظ الدنيا إلاّ بمقدار الضرورة، والاجتهاد في العبادة، والتواضع للمؤمنين، والغلظة على العصاة والمجرمين، وأن يكون قدوة حسنة للناس في قوله وفي عمله، وأن يتحرّى في رزقه التحرّي الكامل، ويختار له أن يكون مجال احترافه الزراعة، لأنّ التجارة تسبّب له احتكاكاً مباشراً بالناس، فيغلب أن لايسلم منها بالحق أو بالباطل، وهم يلخّصون هذا الموقف في عبارة مشهورة متداولة هي:
«أن لايكون في مسجده، أو حقله أو بيته» وبعد أن يعرّف بجميع ما يترتّب عليه من حقوق وواجبات، وما يلقى عليه من مهام ومسؤوليات، يطلب
________________________________________
(299)
إليه أن يعلن عن قبوله أو رفضه، فإذا أعلن قبوله ـ وهذا ما يحدث فعلا ـ اُسندت إليه المهامّ العملية، كأن يقوم بالتدريس أو وكالة المسجد، أو الاشتراك في الاشراف على حقوق الموتى، ثمّ اعلم انّه يعتبر أصغر العزّابة، ولو كان أكبر من بعضهم سنّاً، وعليه أن يتولّى خدمتهم، ويطلب إلى سلفه ـ أي العزّابي الذي كان أصغرهم قبل هذا العضو الجديدـ أن يبقى معه ثلاثة أيّام، يدرّبه فيها على آداب خدمة العزّابة، لأنّه يعتبر رئيسه المباشر، وعندما يجلس العزّابة يتحتّم أن يكون مجلسه بعده... وترتيب مجالس العزّابة ضروري، فلايجوز للمتأخّر أن يسبق المتقدّم، والعزّابي يعتبر رئيساً في أي مكان يوجد فيه، وله وحده حق افتتاح الكلام في المجالس العامّة، وكذلك اختتامه، وادارة المناقشات، وما إلى ذلك، فلايجوز لتلميذ أو عامي أن يتولّى شيئاً من ذلك إلاّ بإذنه.
عقوبة العزّابي:
المطلوب من العزّابي أن يكون قدوة ومثلا للاستقامة، ولذلك فإنّ ما يعتبر من غير أخطاء صغيرة يعتبر منه أخطاء كبيرة يجب عليه الاحتراس منها، والابتعاد عنها، وهذا حتى في مكارم الأخلاق، ومعاملة الناس، فإذا قدّر عليه فأخطأ، نظر مجلس العزّابة في موضوعه:
فإن كان الخطأ كبيراً يتّصل بمعصية الله، ويسىء إلى سمعة العزّابة، أو يلحق إهانة بالمسجد أو استخفافاً بالحق، أو ما أشبه ذلك، وجب عليهم أن يحكموا عليه بالبراءة على الأشهاد، كما يقع بالنسبة لغيره من الناس، ولايرفع عنه حكم البراءة حتى يتوب علناً، وليس له بعد ذلك حق الرجوع إلى مجلس العزّابة أبداً، فإنّ من اُخرج من هذا المجلس بطريق البراءة لايحق له دخوله مرّة
________________________________________
(300)
ثانية، وإن تاب ونصحت توبته، ويبقى كسائر المسلمين له حقوقهم وعليه واجباتهم.
أمّا إذا كان الخطأ صغيراً لايقتضي التوبة، فإنّهم يعقدون له مجلس تأديب سرّي، وقد يحكمون عليه بالابعاد عن مجلس العزّابة لمدة طويلة أو قصيرة حسب الخطأ الذي ارتكبه، وستروا عليه ذلك عن الناس.
وبسبب هذا الحكم كان العزّابة من أشد المحافظين على الإسلام وآدابه، وقد لخّص أحد المشايخ هذه السيرة في عبارة لطيفة فقال: «إنّ متولّي الناس مثل اللبن يغّيره أي شيء يقع عليه» .
كيف تكون نظام العزّابة:
في أواخر القرن الثالث الهجري وقعت حادثتان كبيرتان، وكان لهما أثر كبير على الاباضية، في ليبيا و تونس والجزائر:
الاُولى: الحرب الطاحنة بين الأغالبة والاباضية في قصر مانو، وقد تلقّى فيها الاباضية ضربة عنيفة من يد الطاغية أحمد بن الأغلب.
أمّا الثانية: فهي تغّلب الشيعة على الدولة الرستمية في الجزائر، وقضائهم على هذه الدولة.
وإذا كانت كلتا الدولتين الأغلبية والشيعية لاتتبعان أحكام الإسلام، ولاتعملان بها، فقد فكّر علماء الاباضية في جعل نظام يسيرون عليه، يحفظون به أحكام الله في مواطنهم، ويسيّرون به الاُمّة في الوجهة الصالحة، دون أن يلتجئوا إلى اعلان دولة جديدة، أو يتعلّقوا بدولة ظالمة مستبدّة.
فاهتدوا إلى وضع هذا النظام، وقد كان في أوّل الأمر عرفاً يسير عليه الناس، حتى جاء الإمام الكبير أبو عبدالله محمد بن بكر في أواخر القرن الرابع،
________________________________________
(301)
فحرّره على شكل قانون يشتمل على مواد، ثمّ طبّقه تطبيقاً كاملا في مواطن الاباضية، في ليبيا، ثمّ في تونس، ثمّ في الجزائر، حيث لايزال يطبّق بدقّة، وعلى هذا الأساس اعتبر المؤرّخون أنّ الإمام أبا عبدالله هو واضع نظام العزّابة، والحق أنّه يعتبر واضعاً لهذا النظام، فلولاه لما وصل إلينا على تلك الطريقة المنسّقة، وقد جاء بعد أبي عبدالله عدد من العلماء الكبار عنوا بدراسة هذا النظام عناية خاصّة، وأضافوا إليه بعض المواد، وأطلق عليه بعضهم لفظ «سيرة العزّابة» ومن العلماء الذين عنوا به، وكتبوا عنه: أبو زكريا يحيى بن بكر، وأبو عمّار عبدالكافي، وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، وقد حرص المتأخّرون منهم أن يضيفوا إليه جملا في آداب العالم والمتعلّم، وآداب حلقة العزّابة وما يجب أن تتنزّه عنه.
والذي يدرس هذا النظام كما شرحه اُولئك الأئمّة الأعلام يخرج بقانون فذّ لنظم التربية والتعليم من جهة، وللسيرة الصالحة التي يجب أن يسير عليها المسلمون، فتحفظ عليهم خلقهم ودينهم، عندما تسيطر عليهم دول البغي والعدوان.
هذا ملخّص يسير مختصر عن نظام العزّابة الذي بقى يسير به الاباضية في المغرب الإسلامي مُدّة طويلة .
وقد ارتفع حكم العزّابة من مواطن الاباضية، في ليبيا وتونس في القرن الأخير، ومنذ ارتفع نظام العزّابة في هذه المواطن تسرّب الفساد إلى المجتمع، ولن يستطيع الاباضية أن يعودوا إلى ما كانوا عليه من دين وخلق واستقامة مالم يعودوا إلى الاستمساك بدين الله واللياذ به، وانّ المسلمين جميعاً ما اُصيبوا به إلاّ لانحرافهم عن دين الله، وخروجهم عن منهاجه.
ولن يصلح آخر هذه الاُمّة إلاّ بما صلح به أوّلها.
***
 

أضف تعليق


إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية