أدلة التقيّة وأصولها التشريعيّة ـ أدلّة التقيّة من السُنّة المطهّرة

البريد الإلكتروني طباعة

أدلة التقيّة وأصولها التشريعيّة

أدلّة التقيّة من السُنّة المطهّرة

القسم الأول : الأحاديث النبويّة الدالّة على التقيّة

توطئة في أنّه هل تجوز التقيّة على الأنبياء عليهم السلام ؟

إنَّ نظرة سريعة في كتب الصحاح والسنن والمسانيد تكفي للخروج بالقناعة الكاملة على ورود التقيّة في أحاديث غير قليلة في تلك المصادر المعتبرة عند العامّة التي نسبت التقيّة إلى النبي صلّى الله عليه وآله في القول والفعل معاً.

وهنا ، قد يتوهّم البعض فيزعم أن التقيّة غير جائزة على الأنبياء مطلقاً ! وهذا غير صحيح قطعاً ، لأنَّ غير الجائز عليهم صلوات الله عليهم هو ما بلغ من التقيّة درجة الكفر بالله عزَّ وجلَّ ، أو كتمان شيء من التبليغ المعهود إليهم ونحو هذا من الاُمور التي لا تنسجم وعصمتهم عليهم السلام بحال من الأحوال ؛ لأنّها من نقض الغرض والإغراء بالقبيح وهم عليهم السلام منزهون عن كلّ قبيح عقلاً وشرعاً ، إذ لا يؤتمن على الوحي إلّا المصطفون الذين لا يخشون في الله لومة لائم.

نفي السرخسي وقوع التقيّة من النبي صلى الله عليه وآله في التبليغ :

قال السرخسي الحنفي في معرض حديثه عن تقيّة عمّار بن ياسر بإظهار كلمة الكفر بعد الإكراه عليها مع إطمئنان قلبه بالايمان : « إلّا أن هذا النوع من التقيّة يجوز لغير الأنبياء والرسل عليهم السلام ، فأمّا في حقّ المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين فما كان يجوز ذلك فيما يرجع إلى أصل الدعوة إلى الدين الحقّ » (١).

ويفهم من كلامه جواز التقيّة على الأنبياء والمرسلين فيما لا يمسّ أصل دعوتهم ، أمّا إنكارها ، أو كتمانها عن الخلق ، أو تكذيب أنفسهم ونحو هذا فهو ممّا لا يجوز عليهم.

بيان ما يصحّ من التقيّة على المعصوم عليه السلام :

إنّ كلّ شيء لا يعلمه البشر على واقعه إلّا من جهة المعصوم عليه السلام نبيّاً كان أو إماماً لا تجوز التقيّة فيه على المعصوم ، وأمّا ما يجوز له فيه التقيّة فهو كلّ ما لا يتنافى ومقام التبليغ والتعليم والهداية إلى الحقّ حتّى ولو انحصر وصول الحقّ إلى طائفة دون اُخرى ، كما لو اتّقى المعصوم عليه السلام في ظرف خاصّ من شرار الناس تأليفاً لقلوبهم كما سيأتيك مثاله في صحيح البخاري ونحو هذا من المصالح العائدة إلى نفس المعصوم أو دعوته ، وبشرط أن يبيّن وجه الحقّ لأهل بيته ، أو لمن يثق به من أصحابه ، أو على أقلّ تقدير لمن لا يخشى من مغبة مفاتحته بالحقيقة ؛ لكي لا يكون ما خالفها هو السُنّة المتبعة.

تصريح ابن قتيبة بتقيّة النبي صلّى الله عليه وآله في تأخير تبليغ آية الولاية :

ذهب ابن قتيبة الدينوري ـ ت / ٢٧٦ هـ ـ إلى أبعد ممّا أشرنا إلى وجوده في صحيح البخاري ، حيث جوّز التقيّة على نبيّنا صلّى الله عليه وآله في مقام التبليغ أيضاً ، فقال عن آية تبليغ الولاية من قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (٢) ما هذا نصّه :

« والذي عندي في هذا أنّ فيه مضمراً يبيّنه ما بعده ، وهو إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان يتوقّى بعض التوقّي ، ويستخفي ببعض ما يُؤمر به على نحو ما كان عليه قبل الهجرة ، فلمّا فتح الله عليه مكّة وأفشى الإسلام ، أمرَهُ أنْ يُبلِّغ ما أُرسِل إليه مجاهراً به غير متوقٍّ ولا هائبٍ ولا متألّف.

وقيل له : إن أنت لم تفعل ذلك على هذا الوجه لم تكن مبلّغاً لرسالات ربِّك.

ويشهد لهذا قوله بَعدُ : ( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) أيّ : يمنعك منهم.

ومثل هذه الآية قوله : ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) (٣) (٤).

بيان خلط ابن قتيبة بين التقيّة في التبليغ والتقيّة لأجله :

والذي نراه : أنّ ابن قتيبة خلط في هذا بين التقيّة في التبليغ ، وبين التقيّة لأجله ، والأوّل من كتمان الحقّ المنزّه عنه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، والثاني لا ريب فيه ، وهو الذي نعتقده في خصوص آية التبليغ ، وبيان ذلك إنّ الوعيد والانذار الموجه إلى النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم بقوله تعالى : ( وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) ظاهره الوعيد والانذار وحقيقته معاتبة الحبيب لحبيبه على تريثه بخصوص الولاية ، وليس المقصود من الآية تهاون النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في أمر الدين أو عدم الإكتراث بشأن الوحي وكتمانه ، فحاشا لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من ذلك ولا يقول هذا إلّا زنديق أو جاهل.

نعم ، آية التبليغ تدلّ على تريث النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم بعض التريث لجسامة التبليغ الذي جعله الله تعالى موازياً لثقل الرسالة كلّها ، ريثما يتمّ له صلّى الله عليه وآله وسلّم تدبير الأمر بتهيئة مستلزماته ، كجمع حشود الصحابة الذين رجعوا من حجّة الوداع وكانوا يزيدون على مائة ألف صحابي ، مع تمهيد السبيل أمام هذه الحشود الكثيرة لكي تقبل مثل هذا التبليغ الخطير ، خصوصاً وإنّ فيهم الموتورين بسيف صاحب الولاية أمير المؤمنين عليه السلام ، فضلاً عن المنافقين ، والذين في نفوسهم مرض والأعراب الذين أسلموا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم ، ولا شكّ أن وجود تلك الأصناف في مكان واحد مدعاة للخشية على حاضر ذلك التبليغ ومستقبله.

فالتريث أو سمِّه التقيّة إن شئت لم يكن خوفاً على النفس من القتل ، بل كان تقيّة لأجل التبليغ نفسه والحرص على كيفيّة أدائه بالوجه الأتمّ ، إذ تفرّس النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في وجوه تلك الأصناف من الصحابة مخالفته ، فأخّر التبليغ إلى حين ، ليجد له ظرفاً صالحاً وجواً آمناً تنجح فيه دعوته ولا يخيب مسعاه ، فأخذ صلّى الله عليه وآله وسلّم يعدّ للأمر أُهبته ، ومنها طلب الرعاية الإلهيّة لنصرة هذا التبليغ نفسه من تلك الجراثيم المحدقة ، كما يدلّ عليه قوله تعالى : ( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ).

وممّا يدل على وجود تلك الخشية جملة من الأخبار المرويّة في كتب العامّة أنفسهم.

ما رواه العامّة من تقيّة النبي صلّى الله عليه وآله لأجل التبليغ خشية من الصحابة :

أخرج الحاكم الحسكاني الحنفي في شواهد التنزيل ، بسنده عن ابن عبّاس وجابر بن عبد الله الأنصاري ، أنّهما قالا : « أمر الله محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يُنَصِّب عليّاً للناس ليخبرهم بولايته ، فتخوّف رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يقولوا : حابا ابن عمّه ، وأن يطعنوا في ذلك عليه ، فأوحى الله إليه : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ) الآية ، فقام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بولايته يوم غدير خم » (٥).

وأخرج بسنده عن أبي هريرة : « إنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أسرَّ أمر الولاية ، فأنزل الله تعالى : ( يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغ ) (٦) ».

وأخرج بسنده عن ابن عبّاس هذا المعنى قائلاً : « فكره أن يحدّث الناس بشيء منها ـ أيّ : الولاية ـ إذ كانوا حديثي عهد بالجاهليّة ...

حتّى كان يوم الثامن عشر أنزل الله عليه : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ) إلى أن قال فخرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من الغد فقال : « يا أيُّها الناس إنّ الله أرسلني إليكم برسالة وإنّي ضقت بها ذرعاً مخافة أن تتّهموني وتكذّبوني حتّى عاتبني ربّي فيها بوعيد أنزله عليَّ بعد وعيد ، ثمّ أخذ بيد عليٍّ فرفعها حتّى رأى الناس بياض إبطيهما ثمّ قال : أيُّها الناس ، الله مولاي وأنا مولاكم ، فمن كنت مولاه فعليٌّ مولاه ، اللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، وانصر من نصره ، وأخذل من خذله ، وأنزل الله : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) (٧) » (٨).

وأخرج بسنده عن أبي جعفر محمّد بن علي « الإمام الباقر عليه السلام » أنّه قال : « إنّ جبريل هبط على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فقال له : إنّ الله يأمرك أن تدلّ أُمّتك على صلاتهم .. إلى أن قال : إنّ الله يأمرك أن تدلّ أُمّتك على وليّهم على مثل ما دللتهم عليه من صلاتهم وزكاتهم وصيامهم وحجهم ليلزمهم الحجّة من جميع ذلك. فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : يا ربّ إنّ قومي قريبو عهد بالجاهليّة ، وفيهم تنافس وفخر » ... الخبر (٩).

وقال السيوطي في تفسير آية التبليغ في الدرّ المنثور : « أخرج أبو الشيخ ، عن الحسن أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : « إنّ الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً وعرفت أن الناس مكذّبي ، فوعدني لأبلغن أو ليعذّبني » ، فأنزل : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ) ثمّ قال : وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ؛ عن مجاهد ، قال : لما نزلت ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) قال : « يا ربّ ! إنّما أنا واحد ، كيف أصنع ليجتمع عليَّ الناس » فنزلت : ( وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) (١٠).

ما ورد موافقاً لأخبار العامّة من طرق الشيعة :

ورد في بعض كتب الشيعة الإماميّة ، ما يؤيّد صحّة الأخبار المتقدّم ذكرها عن العامّة ، فقد ذكر الطبرسي وجود هذه الأخبار ونظائرها في كتب الفريقين مصرحاً بأن هذا هو المشهور عند أكثر المفسّرين ثمّ قال : « وقد اشتهرت الروايات عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام إنّ الله أوحى إلى نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يستخلف عليّاً عليه السلام ، فكان يخاف أن يشقّ ذلك على جماعة من أصحابه » (١١).

وفي كشف الغمة ، أورد سبب نزول الآية ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ) عن زيد ابن علي ، أنّه قال : « لما جاء جبريل عليه السلام بأمر الولاية ضاق النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، بذلك ذرعاً ، وقال : قومي حديثو عهد بالجاهليّة ، فنزلت » (١٢).

وسوف يأتي قريباً ما يؤيّد قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بأن القوم حديثو عهد بالجاهليّة كما في صحاح القوم وسننهم ومسانيدهم.

خلاصة رأينا في تبليغ آية الولاية :

من كلّ ما تقدّم يعلم أن الله تعالى أمر نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد تريثه لتدبير أمر تبليغ الولاية العامّة بتبليغ عاجل ، مبيناً له أهميّة هذا التبليغ ، ووعده العصمة من الناس ولا يهديهم في كيدهم ، ولا يدعهم يقلبوا له أمر الدعوة بالتكذيب بعد أن يعي الولاية من يعيها ويعقلها من المؤمنين ، ولن يضرّ الحقيقة الإلتفاف حولها بعد وفاته صلّى الله عليه وآله وسلّم كما حصل في السقيفة المشؤومة ( لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ) (١٣).

وهكذا تمّ التبليغ بخطبة وداع بعيدة عن أجواء التقيّة التي استخدمها من حضر الغدير لكتمان ما سمعه يوم ذاك بأذنيه وشاهده بعينيه وأدركه بلبه ووعاه بأُذنه كما سيوافيك.

فالتقيّة هنا وإن اتّصلت بالتبليغ إلّا أنّها لأجله ، ولم تكن لأجل الخوف على النفس الذي هو من أشدّ ما يخاف عليه الإنسان عند الإكراه ، ومن يزعم بخلاف هذا فانّ القرآن الكريم يكذبه ، إذ امتدح رسل الله وأنبياءه ونبيّنا العظيم أشرفهم وأكرمهم وأحبّهم وأقربهم درجة عند الله عزَّ وجل بقوله تعالى : ( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا ) (١٤).

نعم هي تقيّة لأجل التبليغ ، تقيّة مؤقّتة ممّن كان المترقب من حالهم أنّهم سيخالفونه مخالفة شديدة قد تصل إلى تكذيبه صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ونظير هذا هو ما حصل في بدايات أمر الدعوة إلى الدين الجديد في مكّة ، فقد اتّفق الكلّ على بدء الدعوة إلى الإسلام سرّاً ، وصرّح أرباب السِّير وغيرهم بأن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يجهر بالدعوة إلى الإسلام إلّا بعد ثلاث سنوات على نزول الوحي ، لان الخوف من قائد المشركين أبي سفيان وأعوانه من الشياطين كأبي جهل ونظرائه كان قائماً على أصل الدعوة وأنصارها في ذلك الحين ، فكان من الحكمة أن تمرّ الدعوة إلى الإسلام بهذا الدور الخطير (١٥) وفي الحديث : « إنّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء » (١٦).

وهكذا كلّ دعوة إلى الحقّ في مجتمع متعسف ظالم ؛ لابدّ وأن تكون في بداياتها غريبة ، تلازمها التقيّة حتّى لا يذاع سرّها وتخنق في مهدها.

وعلى أيّة حال فان التقيّة الواردة في أفعال وأقوال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الأعظم بالنحو الذي ذكرناه أوّلاً مما لا مجال لإنكاره ، وإليك جملاً منه :

الحديث الأول : تقيّة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من قريش :

أخرج البخاري في صحيحه بسنده ، عن الأسود بن يزيد ، عن عائشة ، قالت : « سألت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، عن الجَدْرِ (١٧) أمِن البيت هو ؟

قال : « نعم ».

فقلت : فما لهم لم يدخلوه في البيت ؟

قال : « إنّ قومك قصرت بهم النفقة ».

قلت : فما شأن بابه مرتفعاً ؟

قال : « فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ، ولولا أنّ قومك حديث عهد بالجاهليّة فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أُدخِلَ الجَدْرَ في البيت وأن الصق بابه في الأرض رحمهما الله » (١٨).

وهذه المحاورة بين النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم وزوجه ، قد أخرجها غير البخاري كلٌّ بطريقه إلى الأسود بن يزيد ، عن عائشة ، وهم :

مسلم في صحيحه من طريقين (١٩) وابن ماجة بلفظ : « ولولا أنّ قومك حديث عهد بكفر مخافة ان تنفر قلوبهم » (٢٠) والترمذي ثمّ قال : « هذا حديث حسن صحيح » (٢١) والنسائي (٢٢) وأحمد (٢٣).

وأخرج البخاري أيضاً من طريق عبدالله بن مسيلمة ، أنّ عبدالله بن محمّد بن أبي بكر أخْبَرَ عبدالله بن عمر أن عائشة قالت : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال لها : « ألم تَرَيْ أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم ؟ فقلت : يا رسول الله ! ألا تردها على قواعد إبراهيم ؟

قال : لولا حِدْثان قومِكِ بالكفر لفعلت » (٢٤).

وقد أخرجه مالك عن ابن شهاب ، عن سالم بسنده ومتنه (٢٥) وعنه النسائي في سننه (٢٦) وأخرجه أحمد في مسنده مرّتين (٢٧) وأخرجه ثالثة وفيه أن الذي أخبرَ ابنَ عمر هو عبدالرحمن بن محمّد بن أبي بكر (٢٨).

وأخرج البخاري أيضاً بسنده عن هشام المعني ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : « قال لي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « لولا حداثة قومِكِ بالكفر لنقضت البيت ثمّ لبنيته على أساس إبراهيم عليه الصلاة والسلام فإن قريشاً استقصرتْ بناءه وجعلتُ له خَلْفاً أي : باباً من الخلف » » (٢٩).

وقد رواه أحمد (٣٠) والنسائي (٣١) وقريب من لفظه ما أخرجه البخاري في بابه المذكور بسنده عن عروة بن الزبير ، عن عائشة (٣٢) ومثله النسائي (٣٣) هذا وقد أخرج أحمد في مسنده حديث عائشة بألفاظ متقاربة عن غير من ذكرناه.

فقد أورده من رواية عبدالله بن الزبير بطريقين ، وعبدالله بن أبي ربيعة ، والحرث بن عبدالله ، كلّهم ، عن عائشة (٣٤).

وقد أخرج الحاكم حديث ابن الزبير ، عن عائشة بلفظ آخر مستدركاً به على البخاري ومسلم ، ثمّ قال : « هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه هكذا » (٣٥).

كما أخرج أبو داود بسنده عن علقمة ، عن أمّه ، عن عائشة ، ما يؤكّد ان قريشاً أخرجوا الحجر من البيت حين بنوا الكعبة (٣٦).

ومن كلّ ما تقدّم يعلم أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يتّقي قومه في عدم رد الحِجْر إلى قواعد إبراهيم عليه السلام مخافة أن تنفر قلوبهم ، لحداثة عهدهم بالكفر وقربهم من شرك الجاهليّة ، وعلى حد تعبير العلّامة السندي في حاشيته على سنن النسائي : « إنّ الإسلام لم يتمكّن في قلوبهم ، فلو هُدّمت لربّما نفروا منه !! » (٣٧).

ولهذا نجد محاولة ابن الزبير في تهديم الكعبة وإعادة بنائها وإدخال الحجر في البيت ، قد باءت بالفشل ، إذ هدم عبدالملك بن مروان ما بناه ابن الزبير وأخرج الحجر من البيت ليعيده إلى ما كان عليه في عهد من لم يتمكن الإسلام يوماً في قلوب أكثرهم (٣٨).

هل الحديث من صغريات قانون التزاحم ؟

قد يقال : إنّ هذا الحديث ونظائره الاُخرى لا علاقة لها بالتقيّة ، وإنّما هي من صغريات قانون التزاحم وتقديم الأهمّ على المهمّ ، أو دفع الأفسد بالفاسد !

والجواب : إنّها كذلك ولكن لا يمنع من أن تصبّ بعض موارد التزاحم في التقيّة ومنها هذا المورد ، إذ كما يحصل التزاحم بين أمرين بلا إكراه كمن دخل في صلاته وشاهد غريقاً في أنفاسه الأخيرة ، فالواجب حينئذ هو قطع الصلاة وإنقاذ الغريق أخذاً بقانون تقديم الأهمّ على المهمّ ، فقد يحصل بالإكراه أيضاً كما لو أُكرِه شخص على قتل آخر أو سلب أمواله وإلّا قتل ، فالواجب هنا أن يتّقي بسلب الأموال أخذاً بقانون دفع الأفسد بالفاسد ، وحينئذ يتحقّق التزاحم والتقيّة في آن واحد.

ومن مراجعة أمثلة التزاحم في كتب الاُصول (٣٩) يعلم إمكان دخول الكثير منها في دائرة التقيّة ، على انّ السيّد السبزواري قال عن التقيّة : « إنّها ترجع إلى القاعدة العقليّة التي قررتها الشرائع السماويّة ، وهي تقديم الأهمّ على المهمّ ، فتكون التقيّة من القواعد العقليّة الشرعيّة » (٤٠).

الحديث الثاني : تقية النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من فاحش :

أخرج البخاري من طريق قتيبة بن سعيد ، عن عروة بن الزبير ، أن عائشة أخبرته أن رجلاً استأذن في الدخول إلى منزل النبي فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : « إئذنوا له فبئس ابن العشيرة ، أو بئس أخو العشيرة ، فلمّا دخل ألان له الكلام ، فقلت له : يا رسول الله ! قلت ما قلت ثمّ ألِنتَ له في القول ؟ فقال : أي عائشة ، إنّ شرَّ الناس منزلة عند الله من تركه أو وَدَعَهُ الناس اتقاء فحشه » (٤١).

ونظير هذا الحديث ما أخرجه الطبراني من حديث ابن بريدة ، عن أبيه ، قال : « كنّا عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فأقبل رجل من قريش ، فأدناه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وقرّبه ، فلمّا قام ، قال : « يا بريدة أتعرف هذا » ؟

قلتُ : نعم ، هذا أوسط قريش حسباً ، وأكثرهم مالاً ؛ ثلاثاً ، فقلت : يا رسول الله أنبأتك بعلمي فيه ، فأنت أعلم.

فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : « هذا ممّن لايقيم الله له يوم القيامة وزناً » (٤٢).

وهذان الحديثان يكشفان عن صحّة ما سيأتي في تقسيم التقيّة ، وأنّها غير منحصرة بكتمان الحقّ وإظهار خلافه خوفاً على النفس من اللائمة والعقوبة بسبب الإكراه ، وإنّما تتسع التقيّة إلى أبعد من هذا ، فيدخل فيها ما ذكره المحدّثون في باب المداراة ، سيّما إذا كان في خُلُقِ الشخص المدارى نوع من الفحش كما في هذا الحديث ، أو فيه نوع من الشكاسة كما كان في خُلُق مخرمة.

فقد أخرج البخاري نفسه من طريق عبدالوهّاب ، عن أبي مليكة ، قال : « إنّ النبي صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم أُهدِيَت له أقبية من ديباج مزررة بالذهب ، فقسّمها في ناس من أصحابه ، وعزل منها واحداً لمخرمة ، فلمّا جاء ، قال : « خبأت هذا لك » (٤٣).

قال الكرماني في شرح الحديث المذكور : « قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خبأت هذا لك. وكان ملتصقاً بالثوب وأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يري مخرمة أزاره ليطيب قلبه به ، لأنّه كان في خلق مخرمة نوع من الشكاسة » (٤٤).

وقد استخدم هذا الاُسلوب من التقيّة بعض الصحابة أيضاً.

قال السرخسي الحنفي في المبسوط : « وقد كان حذيفة ممّن يستعمل التقيّة على ما روي أنّه يداري رجلاً ، فقيل له : إنّك منافق !!

فقال : لا ، ولكني اشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كلّه » (٤٥).

وواضح من كلام هذا الصحابي الجليل ، أنّ ترك التقيّة ليس مطلقاً في كلّ حال وان عدم مداراة الناس تؤدي إلى نفرتهم ، وعزلته عنهم ، وربّما ينتج عنها من الاضرار ما يذهب بالدين كلّه.

ومن هنا روي عن ابن عمر ، عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال : « المؤمن الذي يخالط الناس ، ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم » (٤٦).

ولا يخفى على عاقل ما في مخالطة الناس من أمور توجب مداراتهم سيّما إذا كانت المخالطة مع قوم مرجت عهودهم وأماناتهم وصاروا حثالة.

فقد أخرج الهيثمي ، من طريق إبراهيم بن سعيد ، عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال : « كيف أنتم في قوم مرجت عهودهم وأماناتهم وصاروا حثالة ؟ وشبّك بين أصابعه ، قالوا : كيف نصنع ؟ قال : اصبروا وخالقوا الناس بأخلاقهم ، وخالفوهم بأعمالهم » (٤٧).

وهذا الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط بسنده عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « يا أبا ذر كيف أنت إذا كنت في حثالة من الناس ـ وشبّك بين أصابعه ـ قلتُ : يا رسول الله ، ما تأمرني ؟ قال : صبراً ، صبراً ، خالقوا الناس بأخلاقهم ، وخالفوهم في أعمالهم » (٤٨).

وأخرجه الهيثمي عن أبي ذر أيضاً (٤٩).

أقول : إنّ أبا ذر سُيّر إلى الشام ، وبعد أن أفسد الشام على معاوية بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أُعيد إلى المدينة ، ثمّ نُفي بعد ذلك إلى الربذة ومات فيها غريباً وحيداً بلا خلاف بين سائر المؤرّخين ، ومنه يعلم من هم الناس الذين وصفوا بالحثالة !

هذا ، وقد روى الشيخ المفيد في أماليه بسنده عن أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام أنّه قال : « خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم ، وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم » (٥٠).

ولست أدري كيف تكون مخالقة حثالة الناس بأخلاقهم ومخالطتهم باللسان والمخالفة في الأعمال والمزايلة بالقلوب من غير تقيّة ؟!

الحديث الثالث : أمرُ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عمّار بن ياسر بالتقيّة :

وهو ما أشرنا إليه في قصّة عمّار وأصحابه الذين أظهروا كلمة الكفر بلسانهم وقلوبهم مطمئنّة بالإيمان.

فقد روى الطبري بسنده عن أبي عبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر ، أنّه قال : « أخذ المشركون عمّار بن ياسر فعذبوه حتّى باراهم في بعض ما أرادوا ، فشكا ذلك إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : « كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئناً بالإيمان ، قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : فان عادوا فعد » (٥١).

وفي تفسير الرازي أنّه قيل بشأن عمّار : « يا رسول الله ! إنّ عماراً كفر ! فقال : «كلّا ، إنّ عماراً مليء إيماناً من فرقه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه ، فأتى عمّار رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو يبكي ، فجعل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يمسح عينيه ويقول : ما لكَ ؟ إن عادوا لك فعد لهم بما قلت » (٥٢).

الحديث الرابع : النهي عن التعرّض لما لا يطاق :

ويدلّ عليه ما أخرجه الترمذي وحسّنه بسنده عن حذيفة قال : « قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه ، قالوا : وكيف يذلّ نفسه ؟ قال : يتعرّض من البلاء لما لا يطيق » » (٥٣).

وفي مسند أحمد بلفظ : « لا ينبغي لمسلم ... » (٥٤).

وأخرجه في كشف الاستار عن ابن عمر (٥٥).

وجه الإستدلال بهذا الحديث على مشروعيّة التقيّة :

ووجه الإستدلال بهذا الحديث على مشروعيّة التقيّة أوضح من أن يحتاج إلى بيان ؛ لأنّ ما يخافه المؤمن من تهديد ووعيد الكافر أو المسلم الظالم ؛ لا شكّ أنه يخلق شعوراً لديه بامتهان كرامته لو امتنع عن تنفيذ ما أُريد منه ، لأنّه معرّض في هذه الحال إلى بلاء ، فان عزم على اقتحامه وهو لا يطيقه فقد أذلّ نفسه ، هذا مع أن بامكانه أن يخرج من هذا البلاء بالتقيّة شريطة أن لا تبلغ الدم ، لأنّها شُرِّعت لحقنه.

قال الإمام الباقر عليه السلام : « إنّما جُعِلَت التقيّة لِيُحقَن بها الدمُ ، فإذا بلغ الدم فليس تقيّة » (٥٦).

الحديث الخامس : في تقيّة المؤمن الذي كان يخفي إيمانه وقتله المقداد :

وهو ما رواه الطبراني ، بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال : « بعث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم سرية فيها المقداد بن الأسود ، فلمّا أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا ، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح ، فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله ، فأهوى إليه المقداد فقتله ، فقال له رجل من أصحابه : قتلت رجلاً قال : لا إله إلّا الله ، والله ليذكرن ذلك للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم.

فلمّا قدموا على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، قالوا : يا رسول الله ! إنَّ رجلاً شهد أن لا إله إلّا الله فقتله المقداد ؟ فقال : « ادعوا لي المقداد ، فقال : يا مقداد قتلت رجلاً قال : لا إله إلّا الله ، فكيف لك بـ « لا إله إلّا الله » ؟ قال : فأنزل الله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ) (٥٧).

فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « كان رجلاً مؤمناً يخفي إيمانه مع قوم من الكفّار فقتلته ، وكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكّة » (٥٨).

وقصّة نزول هذه الآية أوردها البخاري مختصرة في صحيحه بسنده عن عطاء ، عن ابن عبّاس أيضاً ، ولم يذكر فيها المقداد بل جعل القاتل هو جماعة المسلمين (٥٩).

وأخرجها بلفظ الطبراني الحارث بن أبي اُسامة في مسنده كما في المطالب العالية (٦٠) ، كما أخرجها الطبري في تفسيره من طريق وكيع (٦١).

وقد عرفت أن في هذا الحديث تصريحين من النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أحدهما : انّ المقتول كان مؤمناً يكتم إيمانه خوفاً من الكفّار ، وهذا هو عين التقيّة.

والآخر : إنّ القاتل وهو المقداد كان حاله بمكّة كحال المقتول.

الحديث السادس : إذن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لمحمّد بن مسلمة وابن علاط السلمي بالتقيّة :

وهو حديث البخاري الذي أخرجه بسنده عن جابر بن عبدالله الأنصاري رحمه الله قال : « قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « مَنْ لكعب بن الأشرف فإنّه قد آذى اللهَ ورسولَهُ ؟ فقام محمّد بن مَسْلَمَةَ ، فقال : يا رسول الله ! أتُحبُّ أنْ أقتُلَهُ ؟ قال : نعم. قال فأذنْ لي أنْ أقول شيئاً. قال : قل.

فأتاه محمّد بن مسلمة ، فقال : إنّ هذا الرجلَ قد سألنا صدقةً وإنّه قد عنانا ، وإنّي قد أتيتك استسلفك .. الخبر » (٦٢).

ثمّ ذكر البخاري تمام القصّة التي انتهت بقتل ابن الأشرف على يد محمّد بن مسلمة وجماعته من الصحابة الذين أرسلوا معه.

وفي أحكام القرآن لابن العربي ، أنّ الصحابة الذين كلّفوا بقتل ذلك الخبيث ، وكان محمّد بن مسلمة من جملتهم ، أنّهم قالوا : « يا رسول الله أتأذن لنا أن ننال منك ؟ » فأذن لهم (٦٣).

ولا يخفى أن ما طُلب من الإذن ، إنّما هو لأجل الحصول على ترخيص نبوي بالقول المخالف للحقّ بغية الوصول إلى مصلحة إسلاميّة لا تتحقّق إلّا من هذا الطريق ، فجاء الإذن الشريف بأن يقولوا ما يشاؤون بهدف الوصول إلى تلك المصلحة.

ومنه يعلم صحّة ما مرّ سابقاً بأن التقيّة كما قد تكون بدافع الإكراه ، قد تكون أيضاً بغيره ، كما لو كان الدافع إليها غاية نبيلة ومصلحة عالية.

ونظير هذا الحديث بالضبط ما رواه أحمد في مسنده ، والطبري ، وعبدالرزاق ، وأبو يعلى ، والطبراني وغيرهم من حديث الصحابي الحجاج ابن علاط السلمي وقصّته بعد فتح خيبر ، إذ استأذن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، أن يذهب إلى مكّة لجمع أمواله من مشركي قريش على أن يسمح له النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بأن يقول شيئاً يسرّ المشركين ، فأذن له النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وفعلاً قد ذهب إلى مكّة ولما قَرُبَ منها رأى رجالاً من المشركين يتسمعون الأخبار ليعرفوا ما انتهى إليه مصير المسلمين في غزوتهم الجديدة « خيبر ». فسألوا ابن علاط عن ذلك ولم يعلموا بإسلامه فقال لهم : « وعندي من الخبر ما يسركم » !

قال : « فالتاطوا بِجَنْبَيْ ناقتي يقولون : إيه يا حجّاج !

قال : قلت : هُزموا هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط » !!

ثمّ أخذ يعدد لهم كيف أنّ اليهود تمكّنوا من قتل المسلمين ، وتتبع فلولهم ، وأن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وقع أسيراً بأيديهم ، وأنّهم أجمعوا على أن يبعثوه مقيّداً بالحديد إلى قريش ليقتلوه بأيديهم وبين أظهرهم !!!

هذا مع علمه علم اليقين كيف قلع أمير المؤمنين عليه السلام باب خيبر ، وكيف دُكّت حصون اليهود وولّوا الدُبر ، لكنّه أراد بهذا أن يجمع أمواله من المشركين على أحسن ما يرام ، وقد تمّ له ذلك بفضل التقيّة التي شهد فصولها حينذاك العبّاس عم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي اغتمّ أوّلاً ثمّ استرّ بعد أن سرّه ابن علاط بحقيقة الخبر (٦٤).

الحديث السابع : حديث الرفع المشهور :

صلة الحديث بالتقيّة :

يتّصل حديث الرفع بالتقيّة من جهتين ، وقد تضمنهما الحديث نفسه ، الجهة الأولى : اشتماله على عبارة « وما أكرهوا عليه » ، والتقيّة غالباً ما تكون بإكراه ، وقد بيّنا سابقاً صلة الإكراه بالتقيّة ، ونتيجة لتلك الصلة فقد علم جميع المفسّرين بلا إستثناء دلالة قوله تعالى : ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) على جواز التقيّة في الإسلام ولم يناقش أحد منهم في ذلك. الجهة الثانية : اشتمال الحديث في بعض مصادره على عبارة « وما اضطرّوا إليه » ، وقد تبيّن سابقاً ان من الإضطرار ما يكون بغير سوء الإختيار ، وان من أسبابه هو فعل الغير كما في الإكراه. كما تبيّن في أركان الإكراه ما يدلُّ على ان الإكراه الذي لا يضطرّ معه المكرَه إلى ارتكاب المحظور لا تجوز معه التقيّة إذ لم يعد الإكراه اكراهاً في الواقع لفقدانه أحد أركانه ، فيكون إكراهاً ناقصاً بخلاف التامّ الذي يولد إضطراراً أكيداً للمكره ، وإذا اتّضح هذا اتّضحت صلة العبارة بالتقيّة. وممّا يقطع النزاع بتلك الصلة حديث الإمام الصادق عليه السلام : « إذا حلف الرجل تقيّة لم يضرّه إذا هو أُكرِه واضطرَّ إليه » (٦٥) على أن لهاتين العبارتين آثارهما الواضحة في إدخال التقيّة في موارد كثيرة في فروع الفقه مع عدم ترتب آثارها الواقعيّة بفضل هاتين العبارتين من قبيل صحّة التقيّة في طلاق المكره مع الحكم بعدم وقوع الطلاق ، وصحّتها في بيع المكره ولكن مع فساد البيع وهكذا الحال في العتق والمباراة والخلع وغيرها كثير.

وزيادة على ذلك نورد ما قاله الشيخ الأنصاري في بحث التقيّة ، قال : « ثمّ الواجب منها يبيح كلّ محظور من فعل الواجب وترك المحرم.

والأصل في ذلك أدلّة نفي الضرر ، وحديث : « رفع عن أمّتي تسعة أشياء » ، ومنها : وما اضطروا إليه .. » (٦٦) وواضح من هذا الكلام صلة القواعد الفقهيّة الخاصّة بإزالة الضرر بالتقيّة كما أشرنا إليه سابقاً ، كقاعدة لا ضرر وغيرها.

أصل الحديث ومصادره :

وأمّا عن أصل الحديث ومصادره فهو معروف لدى الفريقين ، فقد أخرجه العامّة بلفظ : « رفع الله من أمّتي الخطأ ، والنسيان ، وما اسْتُكِرهوا عليه » (٦٧) وعدّه السيوطي من الأحاديث المشهورة (٦٨). وصرح ابن العربي المالكي باتّفاق العلماء على صحّة معناه فقال عند قوله تعالى : ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) : « لما سمح الله تعالى في الكفر به ..

عند الإكراه ولم يؤاخِذ به ، حمل العلماء عليه فروع الشريعة ، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به ، ولا يترتب حكم عليه ، وعليه جاء الأثر المشهور عند الفقهاء : « رفع عن أمّتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه » ، ـ إلى أن قال عن حديث الرفع ـ : « فإنّ معناه صحيح باتّفاق من العلماء » (٦٩).

والحديث المذكور رواه الصدوق في كتاب التوحيد بسنده عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بلفظ : « رفع عن أُمتي تسعة : الخطأ ، والنسيان ، وما أكرهوا عليه ، وما لا يطيقون ، وما لا يعلمون ، وما اضطرّوا إليه ، والحسد ، والطيرة ، والتفكّر في الوسوسة في الخَلْق ما لم ينطق بشفة » (٧٠).

وأورده مسنداً في « الخصال » ، مع تقديم كلمة « وما لا يعلمون » على « وما لا يطيقون » (٧١).

وأرسله في « الفقيه » بهذه الصورة : « وضع عن أُمّتي تسعة أشياء : السهو ، والخطأ ، والنسيان ، وما أكرهوا عليه ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، الطيرة ، والحسد ، والتفكر في الوسوسة في الخَلْق ما لم ينطق الإنسان بشفة » (٧٢).

كما أورده الشيخ الحرّ في « الوسائل » ، تارة عن الصدوق (٧٣) ، وأُخرى عن نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى (٧٤).

وهذا الحديث الذي تحدث عنه علماء الأصول من الشيعة الإماميّة في صفحات عديدة في باب البراءة من الاُصول العمليّة ، صريح برفع المؤاخذة عن المكره.

وقد نصّ القرآن الكريم في أكثر من آية على ذلك وهذا يدلّ على صحّة ما تضمنه الحديث حتّى مع فرض عدم صحّته في نفسه ، ومن بين تلك الآيات زيادة على ما مرّ ، قوله تعالى : ( وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (٧٥).

ومن هنا درأ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الحدَّ عن امرأة زنت كرهاً في عهده الشريف ، وأمر بإقامة الحدّ على من استكرهها (٧٦).

وقد مرّ فيما سبق وحدة الملاك بين الإكراه والتقيّة في بعض صورها ، ممّا يعني أن دلالة حديث الرفع على مشروعيّة التقيّة لا لبس فيه ولا خفاء.

ونكتفي بهذا القدر من الأحاديث المرويّة عن النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم ، في أصحّ كتب الحديث عند العامّة ؛ لننتقل بعد ذلك إلى تراث النبي الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي حفظه أهل بيته عليهم السلام وأهل البيت أدرى بالذي فيه لنقتطف منه جزءاً يسيراً من أحاديث التقيّة المرويّة في كتب الحديث عند شيعتهم ، سيّما وقد علم الكل كيف أينعت مفاهيم الشريعة على أيديهم عليهم السلام ، وكيف أغدقت علومهم بفاكهة القرآن؛ لأنّهم صنوه الذي لن يفارقه حتى يردا على النبي الحوض (٧٧) وكيف فاح عطر الإيمان وأريج الحقّ من بيوتهم التي أذن الله لها أن ترفع ويذكر فيها اسمه. فنقول :

القسم الثاني : أحاديث أهل البيت عليهم السلام في التقيّة :

إنّ الأحاديث المرويّة عن أهل البيت عليهم السلام في التقيّة كثيرة وقد بلغ رواتها الثقات عدداً يزيد على الحد المطلوب في التواتر ، وفي تلك الأحاديث تفصيلات كثيرة تضمنت فوائد التقيّة ، وأهميّتها ، وكيفيّاتها ، وموارد حرمتها ، مع الكثير من أحكامها فيما يزيد على أكثر من ثلاثمائة حديث تجدها مجموعة في كتب الحديث المتأخّرة كوسائل الشيعة ومستدركه ، وجامع أحاديث الشيعة وذلك في أبواب كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ومن هنا أصبحت دراستها في بحث مختصر كهذا متعذرة ، بل حتّى الإكتفاء بعرض نصوصها كذلك أيضاً ، ولما لم نجد بداً من التعرض السريع إليها ارتأينا جمع ما اشترك منها في معنىً واحدٍ تحت عنوان واحد ، ومن ثم الإستدلال على ذلك العنوان ببعض أحاديثه لا كلّها سيما وان القدر المشترك في أحاديث كلّ عنوان يبلغ حد التواتر المعنوي ، وقد اكتفينا ببعض العناوين المهمّة وتركنا الكثير منها ، إذ لم يكن الهدف سوى وضع صورة مصغرة عن التقيّة في الأحاديث المرويّة عن أهل البيت عليهم السلام ، وبالنحو الآتي :

أوّلاً ـ الأحاديث المستنبطة جواز التقيّة من القرآن الكريم :

هناك جملة وافرة من الأحاديث التي فسّرت بعض الآيات القرآنيّة بالتقيّة ، نذكر منها :

١ ـ عن هشام بن سالم ، عن الإمام الصادق عليه السلام ، في قول الله تعالى : ( أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا ) قال : « بما صبروا على التقيّة ( وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) (٧٨) قال : الحسنة : التقيّة ، والسيّئة : الإذاعة » (٧٩).

٢ ـ وعنه عليه السلام في قوله تعالى : ( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ) قال : « الحسنة : التقيّة ، والسيّئة : الإذاعة ». وقوله عزَّ وجلّ : ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (٨٠) ... قال : « التي هي أحسن : التقيّة ثمّ قرأ عليه السلام : ( فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) » (٨١).

ولا يخفى : أن تفسير الحسنة بالتقيّة ، والسيّئة بالإذاعة ، هو من باب تفسير الشيء ببعض مصاديقه ، وهذا ممّا لا ينكر ، فلو توقّف مثلاً صون دم مسلم على التقيّة فلا شكّ في كونها حسنة ، بل من أعظم القربات ، وأمّا لو ترتب على الإذاعة سفك دم حرام ، فلا ريب بِعدِّ الإذاعة سيّئة بل من أعظم الموبقات.

قول الإمام الصادق عليه السلام بتقيّة يوسف وإبراهيم عليهما السلام :

قد تجد في جملة من الروايات ما يدلّ على عمق تاريخ التقيّة في الحياة البشريّة ، باعتبارها المنفذ الوحيد المؤدّي إلى سلامة الإنسان أزاء ما يعرضه للفناء ، أو يقف حجراً في طريق المصالح المشروعة ، كما حصل ذلك لبعض الأنبياء عليهم السلام ، ومن تلك الروايات :

عن أبي بصير ، قال : « قال أبو عبدالله عليه السلام : التقيّة من دين الله ، قلت : من دين الله ؟ قال : إي والله من دين الله ، ولقد قال يوسف : ( أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ) (٨٢). والله ما كانوا سرقوا شيئاً. ولقد قال إبراهيم عليه السلام : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) (٨٣) والله ما كان سقيماً » (٨٤).

توضيح حول تقيّة يوسف الصدّيق عليه السلام :

وممّا يجب التنبيه عليه هنا ، هو أن تقيّة يوسف عليه السلام إنّما هي من جهة قول المؤذن الآتي ، الذي صحّت نسبته إلى يوسف عليه السلام باعتبار علمه به مع تهيئة مقدّماته.

فانظر إلى قوله تعالى : ( وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ) (٨٥).

ستعلم ان قول المؤذّن كان بتدبير يوسف عليه السلام وعلمه ، وهو لم يكذب عليه السلام ، لان أصحاب العير كانوا قد سرقوه من أبيه وألقوه في غيابات الجب حسداً منهم وبغياً.

وممّا يدلّ على صدق يوسف عليه السلام أن إخوته لما قالوا له بعد ذلك ( يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ) (٨٦).

لم يقل عليه السلام لهم بأنا لا نأخذ إلّا من سرق متاعنا ، بل قال لهم : ( مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ ) (٨٧).

وبالجملة فان تقيّة النبي يوسف عليه السلام إنّما هي من جهة ظهوره بمظهر من لا يعرف حال اخوته مع إخفاء الحقيقة عنهم مستخدماً التورية في حبس أخيه. وعليه تكون تقيّته هنا ليست من باب الأحكام وتبليغ الرسالة حتّى يُزعم عدم جوازها عليه ، بل كانت لأجل تحقيق بعض المصالح العاجلة كاحتفاظه بأخيه بنيامين ، والآجلة كما يكشف عنها قوله لهم بعد إن جاءوا من البدو : ( ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ) (٨٨).

ما زعمه أبو هريرة في صحيح البخاري من أنّ نبيّنا صلّى الله عليه وآله وسلّم لو كان مكان يوسف لارتكب الفاحشة !! :

أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من طريقين أنّه قال : « .. ولو لبثت في السجن ما لبث يُوسُفَ لأجِبتَ الدَّاعي » (٨٩) !!

ولا أعلم فريّة تجوّز على أشرف الأنبياء والرسل صلّى الله عليه وآله وسلّم التقيّة في ارتكاب ما أبى عنه يوسف عليه السلام واستعصم فيما لو جُعل صلّى الله عليه وآله وسلّم مكانه عليه السلام من هذه الفرية التي ليس بها مرية.

توضيح حول تقيّة الخليل إبراهيم عليه السلام :

هذا ، وأمّا عن تقيّة إبراهيم عليه السلام ، فهي نظير تقيّة يوسف عليه السلام ، وذلك باعتبار أنّه أخفى حاله واظهر غيره بهدف تحقيق بعض المصالح العالية التي تصب في خدمة دعوة أبي الأنبياء عليه السلام إلى التوحيد ونبذ الشرك ، مثل تكسير الأصنام وتحطيمها ، وليس في قوله : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) أدنى كذبٍ ، لأنّه ورّى عمّا سيؤوّل إليه حاله مستقبلاً ، بمعنى أنه سيسقم بالموت ، فتكون تقيّته عليه السلام في موضوع لا في حكم حتى يُتأمَّل فيها.

ومن هنا كانت كلمة أهل البيت عليهم السلام قاطعة في صدق إبراهيم عليه السلام في تقيّته.

أبو هريرة يكذِّب إبراهيم الخليل عليه السلام في صحيح البخاري :

أبى البخاري في صحيحه إلّا أن يروي مفتريات أبي هريرة في تكذيب إبراهيم عليه السلام ، فقد أخرج في صحيحه من طريقين عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال بزعم أبي هريرة : « لم يكذب إبراهيم إلّا ثلاثاً » وفي لفظ آخر : « لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلّا ثلاث كذبات » (٩٠).

ولم يكتف البخاري بهذا ، بل أخرج بسنده عن أبي هريرة نفسه عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال : « .. إنّ الله يجمع يوم القيامة الأوّلين والآخرين في صعيد واحد ... فيأتون إبراهيم فيقولون : أنتَ نبيُ الله وخليله من الأرض اشفع لنا إلى ربّك فيقول فذكر كذباته : نفسي ، نفسي ، اذهبوا إلى موسى ».

ثمّ قال البخاري : « تابعه أنسٌ عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم » (٩١) !!

أقول : معاذ الله أن نصدّق بهذه الأكاذيب وان قالوا بوثاقة رواتها ! ، وكيف لا نكذّبهم وقد رموا من قد رفع الله محلّه ، وارسله من خلقه رحمة للعالمين وحجّة للمجتهدين ؟

تكذيب الرازي لأبي هريرة والبخاري ؛ لتكذيبهما إبراهيم عليه السلام :

قال الفخر الرازي في تفسيره عن خبر أبي هريرة في صحيح البخاري : « ماكذب إبراهيم إلّا ثلاث كذبات » قال : « قلت لبعضهم : هذا الحديث لا ينبغي أن يقبل ؛ لأنّ نسبة الكذب إلى إبراهيم عليه السلام لا تجوز ، وقال ذلك الرجل : فكيف يحكم بكذب الرواة العدول ؟ فقلت : لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبته إلى الخليل عليه السلام ، كان من المعلوم بالضرورة أن نسبته إلى الراوي أولى » (٩٢).

ثانياً ـ الأحاديث الدالّة على أن التقيّة من الدين :

دلّت جملة من الأحاديث المرويّة عن أهل البيت عليهم السلام بأن التقيّة من دين الله عزَّ وجلّ ومن الإيمان وان من يتركها في موارد وجوبها فهو غير مكتمل التفقّه في الدين ، من ذلك :

الحديث الأوّل ـ تسعة أعشار الدين في التقيّة :

عن أبي عمر الأعجمي ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : « يا أبا عمر ، ان تسعة أعشار الدين في التقيّة ، ولا دين لمن لا تقيّة له » (٩٣).

وهذا الحديث لا شكَّ فيه ، فهو ناظر من جهة إلى كثرة ما يبتلى به المؤمن في دينه ولا يخرج من ذلك إلّا بالتقيّة خصوصاً إذا كان في مجتمع يسود أهله الباطل.

ومن جهة اُخرى إلى قلّة أنصار الحقّ وكثرة أدعياء الباطل حتّى لكأن الحقّ عشر ، والباطل تسعة أعشار ، وعليه فلا بدَّ لأهل الحقّ من مماشاة أهل الباطل في حال ظهور دولتهم ليسلموا من بطشهم.

على أن وصف الحقّ بالقلّة والباطل بالكثرة وكذلك أهلهما صرّح به القرآن الكريم في أكثر من آية ، كقوله تعالى : ( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) (٩٤) وقوله تعالى : ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ) (٩٥).

كما أنّ الحديث لا يدلّ على نفي الدين عمّن لا يتقي بل يدلّ بقرينة أحاديث أُخر أنه غير مكتمل التفقّه ، بل ليس فقيهاً في دينه ، وهكذا في فهم نظائره الاُخر.

وممّا يدلّ عليه ما رواه عبدالله بن عطاء قال : قلتُ لأبي جعفر الباقر عليه السلام : رجلان من أهل الكوفة أُخذا ، فقيل لأحدهما : ابرأ من أمير المؤمنين ، فبرئ واحد منهما وأبى الآخر ، فَخُلِّيَ سبيل الذي برئ وقُتل الآخر ؟ فقال عليه السلام : « أمّا الذي برئ فرجل فقيه في دينه ، وأمّا الذي لم يبرأ فرجل تعجَّل إلى الجنّة » (٩٦).

هذا ، ولا يمنع أن يكون الحديث دالاً أيضاً على سلب الإيمان والدين حقيقة ممّن لا يتّقي في موارد وجوب التقيّة عليه ، كما لو أُكره مثلاً على أن يعطي مبلغاً زهيداً ، وإلّا عرّض نفسه إلى القتل ، فامتنع حتّى قتل ، فهذا لا شكّ أنّه من إلقاء النفس بالتهلكة ، وقد مرّ تصريح علماء العامّة بأن مصير مثل هذا يكون في جهنّم ، ومن غير المعقول ان تكون جهنّم مأوى المؤمن المتديّن ، بل هي مأوى الكافرين والمنافقين وأمثالهم. ونظير هذا الحديث :

الحديث الثاني ـ التقيّة من دين أهل البيت عليهم السلام :

عن معمر بن خلاد ، عن أبي الحسن عليه السلام قال : قال أبو جعفر عليه السلام : « التقيّة من ديني ودين آبائي ، ولا إيمان لمن لا تقيّة له » (٩٧).

الحديث الثالث ـ لا دين لمن لا تقيّة له :

عن أبان بن عثمان عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « لا دين لمن لا تقيّة له ، ولا إيمان لمن لا ورع له » (٩٨).

الحديث الرابع ـ لا إيمان لمن لا تقيّة له :

عن عبدالله بن أبي يعفور ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « اتّقوا على دينكم فاحجبوه بالتقيّة ، فإنّه لا إيمان لمن لا تقيّة له » (٩٩).

وقد مرّ في شرح الحديث الأوّل ما له صلة بالحديثين الثالث والرابع في دلالتهما على عدم اكتمال تفقّه من لم يتّق في مواضع التقيّة ، لا نفي الدين والإيمان عنه.

ثالثاً ـ الأحاديث الواردة في بيان أهميّة التقيّة :

وصِفت التقيّة في جملة من الأحاديث بأنّها ترس المؤمن ، وحرزه ، وجنته ، وإنّها حصنه الحصين ونحو هذه العبارات الكاشفة عن أهميّة التقيّة.

وربّما قد يستفاد من ذلك الوصف والتشبيه وجوبها في موارد الخوف أحياناً ، فكما أن استتار المؤمن في سوح الوغى بالترس من ضرب السيوف وطعن الرماح قد يكون واجباً أحياناً ، فكذلك استتاره بالتقيّة في موارد الخوف لحفظ النفس من التلف ، ومن هذه الأحاديث :

الحديث الأوّل ـ التقيّة ترس المؤمن وحرزه :

عن عبدالله بن أبي يعفور ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : « التقيّة ترس المؤمن ، والتقيّة حرز المؤمن » (١٠٠).

الحديث الثاني ـ التقيّة جنّة المؤمن :

عن محمّد بن مروان ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : « كان أبي عليه السلام يقول : وأيّ شيء أقر لعيني من التقيّة ؟ إن التقيّة جُنّة المؤمن » (١٠١).

الحديث الثالث ـ التقيّة حصن المؤمن :

وعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال للمفضل : « إذا عملت بالتقيّة لم يقدروا في ذلك على حيلة ، وهو الحصن الحصين وصار بينك وبين أعداء الله سداً لا يستطيعون له نقباً » (١٠٢).

رابعاً ـ الأحاديث الدالّة على عدم جواز ترك التقيّة عند وجوبها :

الحديث الأوّل ـ تارك التقيّة كتارك الصلاة :

من مسائل داود الصرمي للإمام الجواد عليه السلام قال : قال لي : « يا داود ، لو قلت إن تارك التقيّة كتارك الصلاة لكنت صادقاً » (١٠٣).

الحديث الثاني ـ ليس منّا من لم يعمل بالتقيّة :

أورد الشيخ الطوسي في أماليه بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « ليس منّا من لم يلزم التقيّة ويصوننا عن سفلة الرعية » (١٠٤).

الحديث الثالث ـ التقيّة من أفضل أعمال المؤمن :

وعن أمير المؤمنين عليه السلام : « التقيّة من أفضل أعمال المؤمن يصون بها نفسه واخوانه عن الفاجرين » (١٠٥).

خامساً ـ الأحاديث الدالّة على أن التقيّة في كلِّ ضرورة ، وأنّها تقدّر بقدرها وتحرم مع عدمها ، مع بعض مستثنياتها :

الحديث الأوّل ـ التقيّة في كلّ ضرورة وصاحبها أعلم بها :

ما رواه زرارة عن الإمام الباقر عليه السلام قال : « التقيّة في كلّ ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به » (١٠٦).

الحديث الثاني ـ التقية في كلّ شيء يُضطرّ إليه :

وعن إسماعيل الجعفي ، ومعمر بن يحيى بن سام ، ومحمّد بن مسلم ، وزرارة كلّهم قالوا : سمعنا أبا جعفر عليه السلام يقول : « التقيّة في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه الله له » (١٠٧).

الحديث الثالث ـ المنع من التقيّة في النبيذ والمسح على الخفين :

وعن أبي عمر الأعجمي ، عن الصادق عليه السلام أنّه قال : « ... والتقيّة في كلّ شيء إلّا في النبيذ والمسح على الخفّين » (١٠٨).

الحديث الرابع ـ المنع من التقيّة في شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج :

وفي مضمر زرارة ، قال : قلتُ له : في مسح الخفين تقيّة ؟ فقال : « ثلاثة لا أتّقي فيهنّ أحداً : شرب المسكر ، ومسح الخفين ، ومتعة الحجّ » (١٠٩).

وأورده الصدوق بلفظ : وقال العالم عليه السلام (١١٠) ولا أثر لهذا الاضمار والوصف في تحديد اسم القائل على حجيّة الخبر ؛ لأنّ قرينة « عليه السلام » كافية في تعيين كونه من الأئمّة الإثني عشر عليهم السلام ، وهو في المورد المذكور مردّد بين الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام.

حمل زرارة بن أعين المنع المذكور على شخص الإمام عليه السلام :

لقد حمل زرارة المنع عن إستخدام التقيّة في المسكر ، ومسح الخفين ، ومتعة الحجّ الواردة في مضمره المتقدّم على شخص الإمام عليه السلام ، كما يُعلم هذا من قوله في ذيل الحديث برواية الكافي : « ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتّقوا فيهنّ أحداً ».

وسيأتي في الأحاديث المبيّنة لحكم التقيّة في بعض الموارد عدم صحّة الحمل المذكور.

وقد يكون السبب أن هذه الاُمور الثلاثة ممّا هي معلومة جدّاً من مذهبه عليه السلام ، وإن التقيّة فيها لا تجدي نفعاً لأن كلّ من عاصر الإمام الصادق عليه السلام يعلم رأيه في هذه الثلاثة ، فلا حاجة لان يتّقي فيهنّ أحداً.

الحديث الخامس ـ التقيّة في كلّ شيء لا يؤدّي إلى الفساد في الدين :

وفي حديث آخر بالغ الأهميّة مع علوّ اسناده وصحته ، عن مسعدة ابن صدقة قال : سمعتُ أبا عبدالله عليه السلام يقول وسئل عن إيمان من يلزمنا حقّه واخوَّته كيف هو وبما يثبت وبما يبطل ؟ فقال عليه السلام : « إنّ الإيمان قد يتخّذ على وجهين : أمّا أحدهما : فهو الذي يظهر لك من صاحبك فإذا ظهر لك منه مثل الذي تقول به أنت ، حقت ولايته وأخوّته إلّا ان يجيء منه نقض للذي وصف من نفسه وأظهره لك فإنّ جاء منه ما تستدلّ به على نقض الذي أظهر لك خرج عندك ممّا وصف لك وأظهر ، وكان لما أظهر لك ناقضاً إلّا أن يدّعي أنّه إنما عمل ذلك تقيّة ، ومع ذلك ينظر فيه :

فإن كان ليس ممّا يمكن أن تكون التقيّة في مثله ، لم يقبل منه ذلك ؛ لأن للتقيّة مواضع ، من أزالها عن مواضعها لم تستقم له. وتفسير ما يتّقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحقّ وفعله ، فكلّ شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقيّة ممّا لا يؤدّي إلى الفساد في الدين فإنّه جائز » (١١١).

سادساً ـ الأحاديث الدالّة على حرمة استخدام التقيّة في الدماء :

الحديث الأوّل ـ التقيّة لحفظ الدماء لا لإراقتها :

عن محمّد بن مسلم ، عن الإمام الباقر عليه السلام قال : « إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم ، فإذا بلغ الدم فليس تقيّة » (١١٢).

الحديث الثاني ـ كسابقه في حرمة التقيّة في الدماء

وعن أبي حمزة الثمالي ، عن الإمام الصادق عليه السلام : « ... إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم ، فإذا بلغت التقيّة الدم فلا تقيّة » (١١٣).

وجدير بالذكر ، إنّ بعض فقهاء العامّة جوّز التقيّة في الدماء وهتك الأعراض كما سيوافيك مفصلاً في محلّه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

سابعاً ـ الأحاديث المبيّنة لحكم التقيّة في بعض الموارد :

ونذكر من هذه الموارد ما يأتي :

١ ـ ما دلَّ على مخالطة أهل الباطل ومداراتهم بالتقيّة :

أ ـ عن إسماعيل بن جابر ، وإسماعيل بن مخلد السراج ، كلاهما عن الإمام الصادق عليه السلام ، في رسالته إلى أصحابه : « وعليكم بمجاملة أهل الباطل ، تحملوا الضيم منهم ، وإيّاكم ومماظتهم ، دينوا فيما بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام ، فإنّه لا بدَّ لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم الكلام بالتقيّة التي أمركم الله أن تأخذوا بها فيما بينكم وبينهم .. » (١١٤).

ب ـ وعن هشام الكندي ، عن الإمام الصادق عليه السلام ، قال : « إيّاكم ان تعملوا عملاً يعيّرونا به ، فإن ولد السوء يُعيّر والده بعمله ، كونوا لمن انقطعتم إليه زيناً ولا تكونوا عليه شيناً ، صلوا في عشائرهم ، وعودوا مرضاهم ، واشهدوا جنائزهم ، ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير فأنتم أولى به منهم ، والله ما عُبد الله بشيء أحبّ إليه من الخبء.

قلتُ : وما الخبء ؟ قال : التقيّة » (١١٥).

جـ ـ وعن أبي بصير قال : قال أبو جعفر عليه السلام : « خالطوهم بالبرانية ، وخالفوهم بالجوانية إذا كانت الإمرة صبيانيّة » (١١٦).

وقد مرّ هذا المعنى أيضاً في رواية الشيخ المفيد في أماليه بسنده عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال : « خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم ، وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم ».

كما مرّ أيضاً ما رُوي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في كتب العامّة ، أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : « كيف أنتم في قوم مرجت عهودهم وأماناتهم وصاروا حثالة ؟ وشبك بين أصابعه ، قالوا : كيف نصنع ؟ قال : اصبروا وخالطوا الناس بأخلاقهم ، وخالفوهم في أعمالهم » (١١٧).

وقد مرّ في حديث مسعدة بن صدقة عن الإمام الصادق عليه السلام ما يدلّ عليه.

وبالجملة ، فان مخالطة أهل الباطل عند غلبتهم ضرورة لا بدّ منها وقد نهجها من قبل مؤمن آل فرعون وأصحاب الكهف كما مرّ في الأدلّة القرآنيّة ، فراجع.

٢ ـ ما دلَّ على عدم الحنث والكفّارة على من حلف تقيّة :

ويدلّ عليه ما رواه الأعمش ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « ... واستعمال التقيّة في دار التقيّة واجب ، ولا حنث ولا كفّارة على من حلف تقيّة يدفع بذلك ظلماً عن نفسه » (١١٨).

أقول : سيأتي إن شاء الله تعالى جواز الحلف تقيّة عند العامّة ولا أثر يترتّب عليه عندهم.

٣ ـ ما دلَّ على حكم التقيّة في شرب الخمر :

عن درست بن منصور ، قال : « كنت عند أبي الحسن موسى عليه السلام ، وعنده الكميت بن زيد ، فقال للكميت : أنت الذي تقول :

فالآن صرت إلى أُميّة * والاُمور لها مصائر ؟

قال : قلت ذاك ، والله ما رجعت عن إيماني ، وإنّي لكم لموالٍ ، ولعدوّكم لقالٍ ، ولكنّي قلته على التقيّة.

قال : « أما لئن قلت ذلك إن التقيّة تجوز في شرب الخمر » (١١٩).

الإستدلال بحديث درست بن منصور على حرمة شرب الخمر تقيّة !

استدلّ بعضهم بهذا الحديث على عدم جواز التقيّة في شرب الخمر ، بتقريب : إنّ الإمام عليه السلام لم يقتنع بعذر الكميت ، وأجابه : بأن باب التقيّة لو كان واسعاً بهذه السعة لجازت التقيّة حتّى في شرب الخمر ! ومعنى هذا أنه لا تجوز التقيّة فيه (١٢٠).

نقد الإستدلال « وفيه إضاءة حول حمل زرارة المتقدّم » :

إنّ في الإستدلال المذكور تأمّل ؛ لأنّ اللام في قوله عليه السلام « لئن قلت هذا ... » هي اللام الموطئة للقسم و « إن » شرطيّة ، وجواب الشرط محذوف يمكن تقديره بالإباحة أي : والله لئن قلت ذلك فهو مباح لك أن تقول مثل هذا القول الباطل المحرّم كما أُبيح شرب الخمر تقيّة على عظمة حرمته.

وبهذا تكون جملة : « إن التقيّة تجوز في شرب الخمر » جملة ابتدائيّة لا صلة لها بجواب الشرط ، ويدلّ عليه عدم اقترانها بالرابط.

وأمّا لو وجد الرابط ، لكان جواب القسم الذي سدَّ مسد جواب الشرط هو « فأن التقيّة تجوز في شرب الخمر » وعندها سيكون المعنى على طبق التفسير المتقدّم.

والحقّ : إنّ مسألة تحريم التقيّة في شرب الخمر وإن لم تثبت بهذه الرواية ، لإمكان الخدش في دلالتها ، إلّا أنّه يمكن الإستدلال بروايات أُخر على التحريم.

كرواية الصدوق في « الخصال » في حديث الأربعمائة ، بسنده عن أمير المؤمنين عليه السلام ، قال : « ليس في شرب المسكر والمسح على الخفين تقيّة ».

ورواية « دعائم الإسلام » عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « التقيّة ديني ودين آبائي إلّا في ثلاث : في شرب المسكر ، والمسح على الخفين ، وترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ».

وفي « فقه الإمام الرضا عليه السلام » ، عن العالم عليه السلام : « ولا تقيّة في شرب الخمر ، ولا المسح على الخفّين ، ولا تمسح على جوربك إلّا من عدوّ أو ثلج تخاف على رجليك ».

وفي « الهداية » للصدوق : « ولا تقيّة في ثلاث أشياء : شرب المسكر ، والمسح على الخفّين ، ومتعة الحجّ » (١٢١) ، والمعروف أن فتاوى الصدوق في سائر كتبه منتزعة من نصوص الأخبار.

ومن كلّ ما تقدّم يُعلَم عدم صحّة تأويل زرارة المتقدّم ؛ لعدم تقييد النهي في هذه الأخبار بشخص المعصوم عليه السلام. هذا فيما إذا كان الإكراه على شرب الخمر بما دون القتل ، وأما مع القتل فلا شك في جوازه عندهم.

٤ ـ ما دلَّ على جواز إظهار كلمة الكفر تقيّةً :

وقد مرّ ما يدلّ عليها في الدليل القرآني ، وأما من الحديث فيدلّ عليه ما رواه مسعدة بن صدقة عن الإمام الصادق عليه السلام في حديث طويل ذكر فيه قصّة عمّار بن ياسر وقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لعمّار : « يا عمّار ، إن عادوا فعد » (١٢٢).

٥ ـ ما دلَّ على جواز التقيّة في الوضوء البدعي :

ويدلّ عليه ما أخرجه العيّاشي بسنده عن صفوان ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام في غسل اليدين ، قال : قلتُ له : يُردُّ الشعر ؟ فقال عليه السلام : « إن كان عنده آخر فعل وإلّا فلا » (١٢٣).

والمراد بـ « الآخر » هو من يتّقى شرّه ، وأمّا ردّ الشعر ، فهو كناية لطيفة عن الوضوء البدعي المنكوس ؛ لأنّ ردّ الشعر من لوازمه.

أقول : لا يخفى على الفطن ما في هذا الحديث من دلالة واضحة على إنشائه تقيّة فضلاً عن كونه في التقيّة ، إذ كان السائل فيه لبقاً وحذراً فجاء بالكناية المعبرة عن مراده ، كما كان الإمام عليه السلام حذراً في جوابه إذ جاء تجويز الوضوء المنكوس تقيّة بلفظ متسق مع طبيعة السؤال من غير تصريح ، وهذا يكشف عن كون السؤال والجواب كانا في محضر من يتّقى شرّه.

الهوامش

١. المبسوط / السرخسي ٢٤ : ٢٥ ، ثمّ شتم الشيعة لتجويزهم ـ فيما يزعم ـ التقيّة على الأنبياء فيما يرجع إلى أصل دعوتهم !! وقد افترى على الشيعة في هذا ؛ إذ لم يجوّز ذلك أحد منهم ، بل جوّزه ابن قتيبة الدينوري على ما سيأتي قريباً مع مناقشته.

٢. سورة المائدة : ٥ / ٦٧.

٣. سورة الحجر : ١٥ / ٩٤.

٤. المسائل والأجوبة في الحديث والتفسير / ابن قتيبة : ٢٢٢ ، ط ١ ، دار ابن كثير / ١٤١٠ هـ.

٥. شواهد التنزيل / الحسكاني الحنفي ١ : ٢٥٥ / ٢٤٩ في الشاهد رقم ٣٥ ، وأورده الآلوسي في روح المعاني عند تفسيره للآية ٦٧ من سورة المائدة ، فراجع.

٦. شواهد التنزيل ١ : ٢٤٩ / ٢٤٤.

٧. سورة المائدة : ٥ / ٣.

٨. شواهد التنزيل ١ : ٢٥٦ ـ ٢٥٨ / ٢٥٠.

٩. شواهد التنزيل ١ : ٢٥٣ ـ ٢٥٥ / ٢٤٨.

١٠. الدر المنثور ٣ : ١١٧ في تفسير الآية ٦٧ من سورة المائدة ، طبع دار الفكر ، بيروت.

١١. مجمع البيان ٣ : ٢٢٣ في تفسير الآية ٦٧ من سورة المائدة ، طبع دار إحياء التراث العربي ، بيروت.

١٢. كشف الغمة ١ : ٤٣٦ ، نشر أدب الحوزة ، ط ٢ ، قم.

١٣. سورة الأنفال : ٨ / ٤٢.

١٤. سورة الأحزاب : ٣٣ / ٣٩.

١٥. انظر : السيرة النبويّة / ابن هشام ١ : ٢٨٠. والسيرة النبويّة / ابن كثير ١ : ٤٢٧. والسيرة الحلبيّة / ابن برهان ١ : ٢٨٣. والسيرة النبويّة / دحلان ١ : ٢٨٢ مطبوع بهامش السيرة الحلبيّة. واُنظر كذلك تاريخ الطبري ١ : ٥٤١. والكامل في التاريخ / ابن الأثير ٢ : ٦٠. والبداية والنهاية / ابن كثير ٣ : ٣٧.

وإن شئت المزيد فراجع كتب التفسير في تفسير قوله تعالى : ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ). سورة الحجر : ١٥ / ٩٤ ، وقوله تعالى : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ). سورة الشعراء : ٢٦ / ٢١٤.

وفي عناوين تاريخ الخميس للدياربكري ١ : ٢٨٧ هذا العنوان : « ذكر ما وقع في السنة الثانية والثالثة من اخفاء الدعوة » وقد أخرج تحت هذا العنوان عن ابن الزبير أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان لا يظهر الدعوة إلّا للمختصّين ، وإنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم أظهرها لعامّة الناس بعد ثلاث سنين عندما نزل قوله تعالى : ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ). سورة الحجر : ١٥ / ٩٤.

١٦. ورد الحديث بألفاظ متقاربة في صحيح مسلم ١ : ١٣٠ / ٢٣٢. وسنن ابن ماجة ٢ : ١٣١٩ / ٣٩٨٦. وسنن الترمذي ٥ : ١٨ / ٧٦٢٩. ومسند أحمد ١ : ٧٤.

١٧. الجَدْرُ والحِجْرُ بمعنى واحد ، والمراد : حِجْر الكعبة المشرفة.

١٨. صحيح البخاري ٢ : ١٩٠ / ١٥٨٤ كتاب الحجّ ، باب فضل مكّة وبنيانها ، ط ١ ، دار الفكر / ١٤١١ هـ و ٢ : ١٧٩ ـ ١٨٠ ، ط دار التراث العربي ، وأعاد روايتها في الجزء التاسع ص : ١٠٦ باب ما يجوز من اللّوْ ، من كتاب الأحكام.

١٩. صحيح مسلم ٢ : ٩٧٣ / ٤٠٥ و ٤٠٦ كتاب الحجّ ، باب جدر الكعبة وبابها ، ط ٢ ، دار الفكر ، ١٣٩٨ هـ.

٢٠. سنن ابن ماجة ٢ : ٩٨٥ / ٢٩٥٥ ، كتاب المناسك باب الطواف بالحجر ، دار إحياء الكتب العربيّة بمصر.

٢١. صحيح الترمذي ٣ : ٢٢٤ / ٨٧٥ كتاب الحج ، باب ما جاء في كسر الكعبة ، تحقيق محمّد فؤاد عبدالباقي دار إحياء التراث العربي.

٢٢. سنن النسائي ٥ : ٢١٥ ، دار الجيل ، بيروت.

٢٣. مسند أحمد ٦ : ١٧٦ ، دار الفكر ، بيروت و ٧ : ٢٥٣ / ٢٤٩١٠ ، ط ٢ ، دار إحياء التراث العربي ، ١٤١٤ هـ.

٢٤. صحيح البخاري ٢ : ١٩٠ / ١٥٨٣ من الباب السابق.

٢٥. موطأ مالك : ٢٣٣ / ٨١٣ كتاب الحج ، باب ما جاء في بناء الكعبة.

٢٦. سنن النسائي ٥ : ٢١٦.

٢٧. مسند أحمد ٧ : ٢٥٣ / ٢٤٩١٢ و ٧ : ٣٥٢ / ٢٥٥٦٩ ، والطبعة الأولى 6) ١٤٧ و ١٧٧.

٢٨. مسند أحمد ٧ : ١٦٤ / ٢٤٣٠٦ ، والطبعة الاُولى ٦ : ١١٢.

٢٩. صحيح البخاري ٢ : ١٩٠ / ١٥٨٥.

٣٠. مسند أحمد ٧ : ٨٥ / ٢٣٧٧٦ ، والطبعة الاُولى ٦ : ٥٧.

٣١. سنن النسائي ٥ : ٢١٥.

٣٢. صحيح البخاري ٢ : ١٩٠ / ١٥٨٦.

٣٣. سنن النسائي ٥ : ٢١٦.

٣٤. اُنظر : رواية ابن الزبير في مسند أحمد ٧ : ٢٥٧ / ٢٤٩٣٥ و ٢٤٩٣٨ والطبعة الاُولى ٦ : ١٧٩ و ١٨٠. ورواية ابن أبي ربيعة فيه ٧ : ٣٦٠ / ٢٥٦٢٠ والطبعة الأولى ٦ : ٢٥٣. ورواية الحرث فيه أيضا ٧ : ٣٧٣ / ٢٥٧٢٤ والطبعة الأولى ٦ : ٢٦٢.

٣٥. مستدرك الحاكم ١ : ٤٧٩ ـ ٤٨٠ ، دار الفكر ، بيروت / ١٣٩٨ هـ.

٣٦. سنن أبي داود ٢ : ٢٢١ / ٢٠٢٨ ، كتاب المناسك باب في الحجر ، دار الجيل ، بيروت / ١٤١٢ هـ.

٣٧. حاشية العلّامة السندي مطبوع بهامش سنن النسائي ٥ : ٢١٤ طبع دار الجيل ، بيروت.

٣٨. راجع : مسند أحمد ٧ : ٣٦٠ / ٢٥٦٢٠ تجد التصريح بذلك في ذيل الحديث.

٣٩. راجع : مصباح الاُصول ٣ : ٣٦١ و ٢ : ٥٦٢.

٤٠. مواهب الرحمن في تفسير القرآن / السيّد السبزواري ٥ : ٢٠٢ في تفسير الآية ٢٨ من سورة آل عمران.

٤١. صحيح البخاري ٨ : ٣٨ كتاب الأدب ، باب المداراة مع الناس. وسنن أبي داود ٤ : ٢٥١ / ٤٧٩١ و ٤٧٩٢ و ٤٧٩٣. وسنن الترمذي ٤ : ٣٥٩ / ١٩٩٦ باب ٥٩ وقال « هذا حديث حسن صحيح ». ومسند أحمد ٧ : ٥٩ / ٢٣٨٥٦ ، والطبعة الاُولى ٦ : ٣٨. واُنظر : اُصول الكافي ٢ : ٢٤٥ / ١ كتاب الإيمان والكفر ، باب من يتقى شرّه.

٤٢. المعجم الأوسط / الطبراني ٢ : ١٦٥ / ١٣٠٤. ومجمع الزوائد / الهيثمي ٨ : ١٧.

٤٣. صحيح البخاري ٨ : ٣٨ ، كتاب الأدب ، باب المداراة مع الناس.

٤٤. صحيح البخاري بشرح الكرماني ٢٢ : ٧ / ٥٧٥٦ ، كتاب الأدب ، باب المداراة مع الناس.

٤٥. المبسوط / السرخسي ٢٤ : ٤٦ ، من كتاب الإكراه.

٤٦. سنن ابن ماجة ٢ : ١٣٣٨ / ٤٠٣٢. وسنن البيهقي ١٠ : ٨٩. وحلية الأولياء / أبو نعيم ٥ : ٦٢ و ٧ : ٣٦٥. والجامع لأحكام القرآن / القرطبي ١٠ : ٣٥٩.

٤٧. كشف الأستار / الهيثمي ٤ : ١١٣ / ٢٣٢٤.

٤٨. المعجم الأوسط / الطبراني ١ : ٢٩٣ / ٤٧٣.

٤٩. مجمع الزوائد / الهيثمي ٧ : ٢٨٢ ـ ٢٨٣ ، كتاب الفتن ، باب في أيّام الصبر..

٥٠. أمالي الشيخ المفيد : ١٣١ / ٧ المجلس الخامس عشر.

٥١. تفسير الطبري ١٤ : ١٢٢.

٥٢. التفسير الكبير / الرازي ٢٠ : ١٢١.

٥٣. سنن الترمذي ٤ : ٥٢٢ / ٢٢٥٤ باب رقم ٦٧ بدون عنوان.

٥٤. مسند أحمد ٦ : ٥٦٢ / ٢٢٩٣٤ والطبعة الاُولى ٥ : ٤٠٥.

٥٥. كشف الأستار / الهيثمي ٤ : ١١٣ / ٢٣٢٤ ، ط ٢ ، مؤسّسة الرسالة ، بيروت / ١٤٠٤ هـ.

٥٦. اُصول الكافي ٢ : ١٧٤ / ١٦ كتاب الإيمان والكفر ، باب التقيّة. والمحاسن / البرقي : ٢٥٩ / ٣١٠ كتاب مصابيح الظلم ، باب التقيّة. والظاهر : « إذا بلغت » وقد يكون في الكلام حذف ، والتقدير : « فإذا بلغ أمرها الدم » ، فلاحظ.

٥٧. سورة النساء : ٤ / ٩٤.

٥٨. المعجم الكبير / الطبراني ١٢ : ٢٤ ، ٢٥ / ١٢٣٧٩.

٥٩. صحيح البخاري ٦ : ٥٩ ، كتاب التفسير ، باب سورة النساء.

٦٠. المطالب العالية / ابن حجر ٣ : ٣١٧ / ٣٥٧٧ في باب تفسير سورة النساء الآية : ٩٤.

٦١. تفسير الطبري ٥ : ١٤٢ ، في تفسير الآية ٩٤ من سورة النساء.

٦٢. صحيح البخاري ٥ : ١١٥ ، باب قتل كعب بن الأشرف.

٦٣. أحكام القرآن / ابن العربي المالكي ٢ : ١٢٥٧.

٦٤. اُنظر : تقيّة الحجّاج بن علاط في مسند أحمد ٣ : ٥٩٩ ٦٠٠ / ١٢٠٠١ والطبعة الاُولى ٣ : ١٣٨ ١٣٩. ومصنف عبدالرزاق ٥ : ٤٦٦ / ٩٧٧١. والمعجم الكبير / الطبراني ٣ : ٢٢٠ / ٣١٩٦. ومسند أبي يعلى الموصلي ٣ : ٣٩٩ ٤٠٣ / ٣٤٦٦. وتاريخ الطبري ٢ : ١٣٩ في حوادث سنة ٧ هجريّة. ومثله في الكامل / ابن الأثير ٢ : ٢٢٣. والبداية والنهاية / ابن كثير ٤ : ٢١٥. والاصابة / ابن حجر ١ : ٣٢٧. وقال في مجمع الزوائد ٦ : ١٥٥ : ورجال أحمد رجال الصحيح.

٦٥. وسائل الشيعة ٢٣ : ٢٢٨ / ٢٩٤٤٢ باب ١٢ من أبواب كتاب الأيمان.

٦٦. التقيّة / الشيخ الأنصاري : ٤٠.

٦٧. مسند الربيع بن حبيب ٣ : ٩ ، نشر مكتبة الثقافة. وفتح الباري بشرح صحيح البخاري ٥ : ١٦٠ ـ ١٦١ ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت / ١٤٠٦ هـ. وكشف الخفاء / العجلوني ١ : ٥٢٢ ، ط ٥ ، مؤسسة الرسالة ، بيروت / ١٤٠٥ هـ. وكنز العمال / المتقي الهندي ٤ : ٢٣٣ / ١٠٣٠٧ ، ط ٥ ، مؤسسة الرسالة ، بيروت / ١٤٠٥ هـ.

٦٨. الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة / السيوطي : ٨٧ ، ط ١ ، مطبعة الحلبي ، مصر.

٦٩. أحكام القرآن / ابن العربي ٣ : ١١٧٧ ـ ١١٨٢ وفيه تفصيل مطول عن الأحكام المتّصلة بحديث الرفع ، فراجع.

٧٠. التوحيد / الصدوق : ٣٥٣ / ٢٤ باب الاستطاعة.

٧١. الخصال / الصدوق ٢ : ٤١٧ / ٩ باب التسعة.

٧٢. من لا يحضره الفقيه / الصدوق ١ : ٣٦ / ١٣٢ باب ١٤.

٧٣. وسائل الشيعة / الحر العاملي ١٥ : ٣٦٩ / ٢٠٧٦٩ باب ٦٥ من أبواب جهاد النفس ، تحقيق مؤسسة آل البيت : لإحياء التراث.

٧٤. وسائل الشيعة ٢٣ : ٢٣٧ / ٢٩٤٦٦ باب ١٦ من أبواب كتاب الإيمان. وانظر : نوادر أحمد ابن محمّد بن عيسىٰ : ٧٤ / ١٥٧.

٧٥. سورة النور : ٢٤ / ٣٤. واُنظر : سبب نزولها في صحيح مسلم ٨ : ٢٤٤ كتاب التفسير باب قوله تعالى : ( وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ).

٧٦. صحيح الترمذي ٤ : ١٥٥ كتاب الحدود ، باب ما جاء في المرأة إذا استكرهت على الزنا.

٧٧. كما في حديث الثقلين المتواتر عند جميع المسلمين وهو قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « إنّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض ».

٧٨. سورة القصص : ٢٨ / ٥٤.

٧٩. اُصول الكافي ٢ : ٢١٨ / ٦ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب التقيّة.

٨٠. اُصول الكافي ٢ : ٢١٧ / ١ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب التقيّة.

٨١. اُصول الكافي ٢ : ٢١٨ / ٦ باب التقيّة. ومثله في المحاسن / البرقي : ٢٥٧ / ٢٩٧. والآية من سورة فصلت : ٤١ / ٣٤.

٨٢. سورة يوسف : ١٢ / ٧٠.

٨٣. سورة الصافات : ٣٧ / ٨٩.

٨٤. اُصول الكافي ٢ : ٢١٧ / ٣ باب التقيّة. ومثله في المحاسن للبرقي ٢٥٨ / ٢٠٣. وعلل الشرائع / الصدوق : ٥١ / ١ ، ٢.

٨٥. سورة يوسف : ١٢ / ٦٩ ـ ٧٠.

٨٦. سورة يوسف : ١٢ / ٧٨.

٨٧. سورة يوسف : ١٢ / ٧٩.

٨٨. سورة يوسف : ١٢ / ٩٩.

٨٩. صحيح البخاري ٦ : ٩٧ باب سورة يوسف ، من كتاب التفسير.

٩٠. صحيح البخاري ٤ : ١٧١ باب قول الله تعالى : ( وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ) من كتاب بدء الخَلق.

٩١. صحيح البخاري ٤ : ١٧٢ باب يَزِفُّونَ النَّسَلانُ في المشي من كتاب أحاديث الأنبياء.

٩٢. التفسير الكبير / الفخر الرازي ١٦ : ١٤٨.

٩٣. اُصول الكافي ٢ : ١٧٢ / ٢. والمحاسن / البرقي : ٣٥٩ / ٣٠٩. والخصال / الصدوق : ٢٢ / ٧٩.

٩٤. سورة يوسف : ١٢ / ١٠٣.

٩٥. سورة ص : ٣٨ / ٢٤.

٩٦. اُصول الكافي ٢ : ١٧٥ / ٢١ ، باب التقيّة.

٩٧. اُصول الكافي ٢ : ٢١٩ / ١٢ ، باب التقيّة.

٩٨. صفات الشيعة / الشيخ الصدوق : ٣ / ٣.

٩٩. اُصول الكافي ٢ : ٢١٨ / ٥ ، باب التقيّة.

١٠٠. اُصول الكافي ٢ : ٢٢١ / ٢٣ ، باب التقيّة.

١٠١. اُصول الكافي ٢ : ٢٢٠ / ١٤ ، باب التقيّة.

١٠٢. تفسير العيّاشي ٢ : ٣٥١ / ٨٦. واُنظر : الوسائل ١٦ : ٢١٣ / ٢١٣٨٩ باب ٢٤ من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

١٠٣. وسائل الشيعة ١٦ : ٢١١ / ٢١٣٨٢ باب ٢٤ من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، نقله عن مستطرفات السرائر ، وأورده الصدوق في الفقيه عن الإمام الصادق عليه السلام. واُنظر : الفقيه ٢ : ٨٠ / ٦ باب صوم يوم الشك.

١٠٤. أمالي الشيخ الطوسي ١ : ٢٨٧.

١٠٥. التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام : ٣٢٠ / ١٦٣.

١٠٦. اُصول الكافي ٢ : ٢١٩ / ١٣ ، باب التقيّة.

١٠٧. اُصول الكافي ٢ : ٢٢٠ / ١٨ ، باب التقيّة. ومثله في المحاسن للبرقي : ٢٥٩ / ٣٠٨.

١٠٨. اُصول الكافي ٢ : ٢١٧ / ٢ ، باب التقيّة. ومثله في المحاسن : ٢٥٩ / ٣٠٩. والخصال / الصدوق : ٢٢ / ٧٩.

١٠٩. فروع الكافي ٣ : ٣٢ / ٢ باب مسح الخفين من كتاب الطهارة.

١١٠. من لا يحضره الفقيه ١ : ٣٠ / ٩٥ باب حد الوضوء وترتيب ثوابه.

١١١. اُصول الكافي ٢ : ١٦٨ / ١ باب فيما يوجب الحق لمن انتحل الإيمان وينقضه ، من كتاب الإيمان والكفر.

١١٢. اُصول الكافي ٢ : ٢٢٠ / ١٦. والمحاسن : ٢٥٩ / ٣١٠.

١١٣. تهذيب الأحكام / الشيخ الطوسي ٦ : ١٧٢ / ٣٣٥ باب النوادر ، من كتاب الجهاد وسيرة الإمام عليه السلام.

١١٤. روضة الكافي ٨ : ٢ / ١.

١١٥. اُصول الكافي ٢ : ٢١٩ / ١١ باب التقيّة.

١١٦. اُصول الكافي ٢ : ٢٢٠ / ٢٠ باب التقيّة.

١١٧. اُنظر ما ذكرناه حول الحديث الثاني في هذا الفصل.

١١٨. الخصال / الصدوق : ٦٠٧ / ٩.

١١٩. رجال الكشي ٢ : ٤٦٥ / ٣٦٤.

١٢٠. القواعد الفقهيّة / ناصر مكارم الشيرازي ٣ : ٤١٧.

١٢١. اُنظر هذه الموارد في جامع أحاديث الشيعة ٢ : ٣٩١ ـ ٣٩٢ / ٢٢ ـ ٢٥ باب ٢٦ من أبواب الوضوء.

١٢٢. اُصول الكافي ٢ : ٢١٩ / ١٠ باب التقيّة ، وقد تضمن هذا المعنى الحديث رقم ١٥ و ٢١ من الباب المذكور.

١٢٣. تفسير العياشي ١ : ٣٠٠ / ٥٤.

مقتبس من كتاب : [ التقيّة في الفكر الإسلامي ] / الصفحة : ٤٨ ـ ٩١

 

أضف تعليق


التقية

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية