الله عادلٌ لا يجور

البريد الإلكتروني طباعة

المصدر : الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل : للشيخ جعفر السبحاني ، ج1 ، ص 287 ـ 292

 


(287)



ثمرات التَّحسين و التقبيح العقليَّيْن
(3)


الله عادلٌ لا يجور


إِنَّ مقتضى التَّحسين و التّقبيح العقليين - على ما عرفت - هو أَنَّ العقل
- بما هو هو - يدرك أَنَّ هذا الشيء - بما هو هو - حسن أو قبيح ، و أَنّ أحد
هذين الوصفين ثابت للشيء - بما هو هو - من دون دخالة ظرف من الظروف
أَو قيد من القيود ، و من دون دخالة دَرْكِ مدرك خاص.
و على ذلك فالعقل في تحسينه و تقبيحه يدرك واقعية عامة ، متساوية
بالنسبة إلى جميع المدركين و الفاعلين ، من غير فرق بين الممكن
والواجب ،  فالعدل حَسَن و يُمْدَح فاعله عند الجميع ، والظلم قبيح يُذَمّ فاعلهُ
عند الجميع ، و على هذا الأساس فالله سبحانه ، المدرك للفعل ووصفه
- أعني استحقاق الفاعل للمدح أو الذم - من غير خصوصية للفاعل ، كيف
يقوم بفعل ما يحكم بأَنَّ فاعله مستحق للذم ، أَو يقوم بفعل ما يحكم بأَنّه
يجب التنزه عنه؟
و على ذلك فالله سبحانه عادل ؛ لأَنّ الظلم قبيح و ممّا يجب التنزّه
عنه ، و لا يصدر القبيح من الحكيم ، والعدل حسن و ممّا ينبغي الإِتصاف
به ، فيكون الإِتصاف بالعدل من شؤون كونه حكيماً منزهاً عمّا لا ينبغي.
و إنْ شئت قلت: إِنَّ الإِنسان يدرك أنَّ القيام بالعدل كمال لكل احد.
________________________________________


(288)


و ارتكاب الظلم نقص لكل أحد ، و هو كذلك - حسب إِدراك العقل - عنده
سبحانه . و معه كيف يجوّز أَنْ يرتكب الواجب خلاف الكمال ، و يقوم بما
يجرّ النقص إليه (1).


دفع إِشكال
ربما يقال إنّ كون الشيء حسناً أو قبيحاً عند الإِنسان ، لا يدّل على
كونه كذلك عند الله سبحانه ، فكيف يمكن استكشاف أنّه لا يترك الواجب ،
و لا يرتكب القبيح؟.
والإِجابة عنه واضحة ، و ذلك أنَّ مَغْزى القاعدة السالفة هو أنَّ الإِنسان
يدرك حسن العدل و قبح الظلم لكلّ مُدْرِك شاعر، ولكلّ عاقل حكيم ، من
غير فرق بين الظروف و الفواعل . و هذا نظير درك الزوجية للأربعة ، فالعقل
يدرك كونها زوجاً عند الجميع ، لا عند خصوص الممكن ، فليس المقام من
باب إسراء حكم الإِنسان الممكن إلى الواجب تعالى ، بل المقام من قبيل
استكشاف قاعدة عامة ضرورية بديهية عند جميع المدركين من غير فرق بين
خالقهم و مخلوقهم . و لا يختص هذا الأمر بهذه القاعدة ، بل جميع القواعد
العامة في الحكمة النظرية كذلك.
و على هذا يثبت تنزهه سبحانه عن كل قبيح ، واتصافه بكل كمال في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) و ربما يقرر وجه عدم صدور عدم القبيح عنه تعالى بأنَّ الدَّاعي إلى صدوره إما داعي
الحاجة ، أو داعي الحكمة ، أو داعي الجهل . والكل منتف في حقه سبحانه. أمَّا الأَوّل
فلغناه المطلق ، و أَمَّا الثَّاني فلكون الحكمة في خلافه ، و أَمّا الثالث فلكونه عالماً على
الإِطلاق.
و بما أنَّ هذا الدليل مبنى على كون فاعلية الواجب بالداعى الزائد على ذاته ، و هو خلاف
التحقيق ، لكونه تاماً في الفاعلية ، فلا يحتاج فيها إلى شيء وراء الذات ، أَتينا به في
الهامش. و قد اعمد عليه العلاَّمة في شرح التجريد ص 187 - 188. و الفاضل المقداد
في شرح نهج المسترشدين ص 260 و غير ذلك من الكتب الكلامية.
________________________________________


(289)


مقام الفعل ، فيثبت كونه تعالى حكيماً لا يرتكب اللغو و ما يجب التنزه عنه ،
وبالتالي فهو عادل لا يجور و لا يظلم و لا يعتدي.


العدل في الذّكر الحكيم
تضافرت الآيات الكريمة مركزة على قيامه سبحانه بالقسط ، نورد فيما
يلي بعضاً منها:
قال سبحانه: { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ
قَائِمًا بِالْقِسْطِ }(1).
و كما شهد على ذاته بالقيام بالقسط ، عرّف الغاية من بعثة الأنبياء
بإِقامة القسط بين الناس.
قال سبحانه: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ
وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ }(2).
كما صرّح بأن القسط هو الركن الأساس في محاسبة العباد يوم
القيامة ؛ إذ يقول سبحانه: { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ
نَفْسٌ شَيْئًا }(3).
و ما في هذه الآيات و غيرها إرشادات إلى ما يدركه العقل من صميم
ذاته ، بأنَّ العدل كمالٌ لكل موجود حيّ مدرك مختار ، و أَنَّه يجب أَنْ يتصف
اللهُ تعالى به في أفعاله في الدنيا و الآخرة ، و يجب أنْ يقوم سفراؤه به.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران: الآية 18.
(2) سورة الحديد: الآية 25.
(3) سورة الأنبياء: الآية 47.
________________________________________


(290)


العدل في التشريع الإِسلامي
و هذه المكانة التي يحتلها العدل - التي عرفت أنّه لولاه لارتفع الوثوق
بوعده و وعيده ، و انخرم الكثير من العقائد الإِسلامية - هي التي جعلته سبحانه
يعرّف أحكامَه و يصف تشريعاتِهِ بالعدل ، و أنّه لا يشرّع إلاّ ما كان مطابقاً له.
يقول سبحانه: { وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ
وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون }(1).
فالجزء الأوّل من الآية ناظر إلى عدله سبحانه بين العباد في تشريع
الأحكام ، كما أنَّ الجزء الثاني ناظرٌ إلى عدله يوم الجزاء في مكافاته ،
هذا.
و إن شعار الذكر الحكيم هو: { فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ }(2). و هو يكشف عن عدالته سبحانه في التشريع و الجزاء.


العدل في روايات أئمة أَهل البيت
إشتهر عليٌّ ـ عليه السَّلام ـ وأولادُه بالعدل ، و عنه أخذت المعتزلة ،
حتى قيل: « التوحيد و العدل علويان ، و التشبيه و الجبر أمويان ». و إليك بعض
ما أثِرَ عنهم ـ عليهم السَّلام ـ .
1ـ سئل عليّ ـ عليه السَّلام ـ عن التوحيد والعدل ، فقال: « التَوْحِيدُ
أنْ لا تَتَوَهَّمَهُ ، و العَدْلُ أنْ لا تَتَّهِمَهُ» (3). و قد فُرض كونه سبحانه عادلاً فطلب
معناه.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المؤمنون: الآية 62.
(2) سورة الروم: الآية 9.
(3) نهج البلاغة :  قسم الحكم ، رقم 470.
________________________________________


(291)


قال ابن أبي الحديد : « هذان الركنان هما ركنا علم الكلام ، و هما شعار
أصحابنا المعتزلة لنفيهم المعاني القديمة التي يثبتها الأشعري و أصحابه ،
و لتنزيههم الباري سبحانه عن فعل القبيح ، و معنى قوله : « أنْ لا تتوهمه » : 
أنْ لا تتوهمه جسماً ، أو صورة أو في جهة مخصوصة ، أو مالئاً لكل الجهات ،
كما ذهب إليه قوم ، أو نوراً من الأنوار ، أو قوة سارِيّة في جميع العالم كما
قاله قوم ، أو من جنس الأَعراض التي تحل الحالّ ، أو تحل المَحَل ، و ليس
بعَرض ، كما قاله النصارى ، أو تحله المعاني والأعراض ، فمتى تُوُهّم على
شيء من هذا فقد خولف التوحيد.
و أمّا الركن الثاني فهو « أنْ لا تتهمه » : أي أَنْ لا تتهمه في أنَّه أَجبرك
على القبيح و يعاقبك عليه ، حاشاه من ذلك ، و لا تتهمه في أنَّه مكّن الكذّابين
من المعجزات فأضل بهم الناس ، و لا تتهمه في أَنَّه كلّفك ما لا تطيقه ، و غير
ذلك من مسائل العدل التي يذكرها أَصحابنا مفصلة في كتبهم ، كالعوض عن
الأَلم ، فإِنّه لا بدّ منه ، و الثواب على فعل الواجب ، فإِنّه لا بدّ منه ، و صدق
وعده و وعيده ، فإِنّه لا بدّ منه.
و جملة الأمر أَنَّ مذهب أَصحابنا في العدل و التوحيد مأخوذ عن أمير
المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ . و هذا الموضع من المواضع التي قد صرّح فيها
بمذهب أصحابنا بعينه ، و في فرض كلامه من هذا النمط ما لا يحصى » (1).
2ـ روى (الصدوق) عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ أَنَّ رجلاً قال له:
إِنَّ أساس الدين التوحيد والعدل ، و عِلْمُهُ كثيرٌ ، و لا بُدّ لعاقل منه ، فاذكر ما
يَسْهُلُ الوقوفُ عليه ، و يتهيّأ حفظُه . فقال ـ عليه السَّلام ـ : « أَمّا التّوحيدُ فَأَنْ لا
تُجَوِّزَ عَلى رَبِّك ما جازَ عليكَ ، و أمّا العَدْل فَأَنْ لا تَنْسبَ إلى خَالِقِكَ ما لاَمَكَ
عَلَيْهِ » (2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة : لابن أبي الحديد ، ج 20، ص 227.
(2) التوحيد : باب معنى التوحيد والعدل، الحديث الأول، ص 96.
________________________________________


(292)


3 ـ و قال علي ـ عليه السَّلام ـ : « وَ أشْهَدُ أنَّه عَدْلٌ عَدَل ، و حَكَمٌ
فَصَل » (1).
4 ـ و قال ـ عليه السَّلام ـ : « الذي صَدَقَ في ميعادِهِ ، و ارتَفَعَ عن
ظُلْمِ عبادِه ِ، و قَامَ بالقِسْطِ في خَلْقِهِ ، و عَدَلَ عليهم في حُكْمِهِ » (2).
5 ـ و قال صلوات الله عليه: « الذي أعْطى حِلْمُهُ فَعَفَا ، و عَدَلَ في
كل ما قَضَى » (3).
6 ـ و قال ـ عليه السَّلام ـ : « اللّهُمَّ احمِلني على عَفْوِكَ ، و لا تَحْمِلني
على عَدْلِكَ » (4).
إلى غير ذلك من المأثورات عن أَئمة أَهل البيت ، و سيوافيك قسم منها
عند البحث عن القضاء و القدر، و البحث عن الجبر و الاختيار.


* * *


ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة : الخطبة214.
(2) نهج البلاغة : الخطبة 185.
(3) نهج البلاغة : الخطبة 191.
(4) نهج البلاغة : الخطبة 227.

 

 

 

 

 

أضف تعليق


التحسين والتقبيح العقليين

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية