أحكام محرَّفة وبِدَع مستحدثة

البريد الإلكتروني طباعة

أحكام محرَّفة وبِدَع مستحدثة

لقد روى القوم أحاديث كثيرة تدلّ على أن كثيراً من أحكام الدين قد غُيِّرت وبُدّلت ، وكثيراً من البِدع قد استُحدِثت ، وهذه الأحكام والبِدَع قد بقيت إلى يومنا هذا ، يعمل الناس بها ، ويتعبدون على طبقها.

وبما أن تلكم الأحاديث كثيرة جداً ، وسردها كلّها يستلزم الإطالة ، وضياع المهمّ الذي نريد بيانه ، فإنّا سنذكر بعض الموارد التي وقع فيها ذلك ، وسنذكر من الأحاديث ما يكون صحيحاً عندهم ، وهذه الروايات نقسمها إلى طوائف :

الطائفة الأولى : دلَّت على حلية نكاح المتعة ، وأن تحريمها وقع بعد زمان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم :

منها : ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عطاء قال : قدم جابر بن عبد الله معتمراً ، فجئناه في منزله ، فسأله القوم عن أشياء ، ثمّ ذكروا المتعة ، فقال : نعم استمتعنا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأبي بكر وعمر.

ومنها : ما أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال : كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيّام على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأبي بكر ، حتّى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث (1).

إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة في هذه المسألة (2).

وقد ذكر تحريم عمر للمتعة السيوطي في تاريخ الخلفاء (3) ، وأبو هلال العسكري في كتاب الأوائل (4) وغيرهما.

الطائفة الثانية : دلَّت على أن بعضهم حرَّم متعة الحجّ مع أنّها كانت ثابتة في زمان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم :

منها : ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عمران بن حصين قال : أُنزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ولم ينزل قرآن يحرِّمه ولم ينهَ عنها حتّى مات ، قال رجل برأيه ما شاء (5).

ومنها : ما أخرجه البخاري في صحيحه والنسائي في سننه عن مروان بن الحكم قال : شهدت عثمان وعليّاً رضي الله عنهما ، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يُجمع بينهما ، فلمّا رأى عليٌّ أهلَّ بهما لبّيك بعمرة وحجّة ، قال : ما كنت لأدع سُنَّة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لقول أحد (6).

وفي رواية أخرى : فقال عليٌّ : ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟! (7).

ومنها : ما أخرجه النسائي في سننه عن ابن عبّاس قال : سمعت عمر يقول : والله إنّي لأنهاكم عن المتعة ، وإنّها لفي كتاب الله ، ولقد فعلها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ يعني العمرة في الحج (8).

ومنها : ما أخرجه النسائي في سننه عن طاووس أنّه قال في حديث : يقول ابن عبّاس : هذا معاوية ينهى الناس عن المتعة وقد تمتَّع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم (9).

ومنها : ما أخرجه الترمذي عن ابن عبّاس قال : تمتّع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأبو بكر وعمر وعثمان ، وأوّل من نهى عنها معاوية (10).

والأحاديث في هذه المسألة كثيرة لا تحصى.

الطائفة الثالثة : دلَّت على أن التطليقات الثلاث بصيغة واحدة كانت تُعَدّ واحدة في زمن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فجُعلت ثلاثاً :

منها : ما أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن عبّاس ، قال : كان الطلاق في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر بن الخطاب : إنّ الناس قد استعجلوا في أمرٍ قد كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم. فأمضاه عليهم (11).

ومنها : ما أخرجه مسلم في صحيحه ، والنسائي وأبو داود في سُننهما أن أبا الصهباء قال لابن عبّاس : أتعلم أنّما كانت الثلاث تُجعل واحدة على عهد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأبي بكر وثلاثاً من أمارة عمر ؟ فقال ابن عبّاس : نعم (12).

وفي رواية أخرى عند مسلم قال ابن عبّاس : قد كان ذلك ، فلمّا كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق ، فأجازه عليهم.

الطائفة الرابعة : دلَّت على أن قيام الليل في زمان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يؤدَّى فرادى ، فصار جماعة ، وهو ما يسُمّى بصلاة التراويح (13).

منها : ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : مَن صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه.

قال ابن شهاب : فتوفّي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم والأمر على ذلك ، ثمّ كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر رضي الله عنهما.

ومنها : ما أخرجه البخاري في صحيحه ، ومالك في الموطأ ، وغيرهما عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنّه قال : خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد ، فإذا الناس أوزاع متفرّقون ، يصلّي الرجل لنفسه ، ويصلّي الرجل فيصلّي بصلاته الرهط ، فقال عمر : إنّي أرى لو جمعتُ هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثمّ عزم فجمعهم على أُبيّ بن كعب ، ثم خرجتُ معه ليلة أخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم ، قال عمر : نِعْمَ البدعة هذه ، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون ، يريد آخر الليل ، وكان الناس يقومون أوّله (14).

هذا وقد اعترف جمع من العلماء بأنّ عمر بن الخطاب هو أوّل من سنَّ صلاة التراويح جماعة.

قال ابن سعد في الطبقات : وهو ـ يعني عمر ـ أوّل من سنَّ قيام شهر رمضان ، وجمع الناس على ذلك ، وكتب به إلى البلدان ، وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة ، وجعل للناس قارئين : قارئاً يصلّي بالرجال ، وقارئاً يصلي بالنساء (15).

وذكر ذلك في أوليات عمر : أبو هلال العسكري في كتابه الأوائل (16) ، والسيوطي في تاريخ الخلفاء (17) ، وكتاب الوسائل (18).

والغريب في هذه المسألة أن أهل السنّة يلتزمون بصلاة التراويح في شهر رمضان في المساجد ، ويحرصون عليها ، مع أن أحاديثهم نطقت بأن صلاة النافلة في البيت أفضل.

ومن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما والترمذي وأبو داود والنسائي والدارمي في سُننهم ، ومالك في الموطأ ، وأحمد في المسند وغيرهم ، عن زيد بن ثابت : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم اتَّخذ حجرة ـ قال : حسِبْتُ أنّه قال : من حصير ـ في رمضان ، فصلّى فيها ليالي ، فصلّى بصلاته ناس من أصحابه ، فلمّا علم بهم جعل يقعد ، فخرج إليهم فقال : قد عرفتُ الذي رأيتُ من صنيعكم ، فصَلّوا أيّها الناس في بيوتكم ، فإن أفضل الصلاة صلاةُ المرء في بيته إلّا المكتوبة (19).

وقوله : « يُصلّون بصلاته » لا يدلّ على أنّهم كانوا يصلّون معه جماعة ، بل كانوا يصلّون مع صلاته ، فهم يصلّون فرادى ، فالباء في « بصلاته » بمعنى مع ، مثل قولهم : بعتك الدار بأثاثها. أيّ مع أثاثها. لأن صلاة الجماعة لا تتمّ والإمام داخل الحجرة ، والمأمومون خارجها.

قال ابن حجر : مقتضاه أنّهم كانوا يصلّون بصلاته وهو داخل الحجرة ، وهم خارجها (20).

الطائفة الخامسة : دلَّت على أن جلد شارب الخمر ثمانين جلدة استُحدث بعد زمان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم.

منها : ما أخرجه البخاري في صحيحه عن السائب بن يزيد قال : كنّا نُؤتى بالشارب على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وإمرة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر ، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا ، حتّى كان آخر إمرة عمر ، فجَلد أربعين ، حتّى عَتَوا وفسَقوا جَلد ثمانين (21).

وأخرج مسلم في الصحيح ، وأبو داود في سُننه عن أنس بن مالك ، أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أُتي برجل قد شرب الخمر ، فجلده بجريدتين نحو أربعين.

قال : وفعله أبو بكر ، فلمّا كان عمر استشار الناس ، فقال عبد الرحمن : أخف الحدود ثمانين. فأمر به عمر (22).

وأخرج أبو داود والترمذي والدارمي في سُننهم عن أنس بن مالك : أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم جلد في الخمر بالجريد والنعال ، وجلد أبو بكر رضي الله عنه أربعين ، فلمّا ولي عمر دعا الناس فقال لهم : إنّ الناس قد دنوا من الريف ، فما ترون في حدّ الخمر ؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف : نرى أن تجعله كأخفّ الحدود. فجلد فيه ثمانين (23).

وقد اعترف بأن عمر هو أوّل من ضرب في الخمر ثمانين ابن سعد في الطبقات (24) ، والسيوطي في تاريخ الخلفاء (25) ، وكتاب الوسائل (26) ، وأبو هلال العسكري في كتاب الأوائل (27) وغيرهم.

الطائفة السادسة : دلَّت على أن صلاة ركعتين بعد العصر كانت جائزة في زمان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فنُهي عنها بعد ذلك.

ومنها : ما أخرجه مسلم في صحيحه عن مختار بن فلفل قال : سألت أنس بن مالك عن التطوع بعد العصر ، فقال : كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر .. (28)

ومنها : ما أخرجه أحمد في المسند والطبراني في المعجم الكبير عن زيدبن خالد الجهني أنّه رآه عمر بن الخطاب وهو خليفة ركع بعد العصر ركعتين ، فمشى إليه فضربه بالدرّة وهو يصلّي كما هو ، فلمّا انصرف قال زيد : يا أمير المؤمنين فوالله لا أدَعها أبداً بعد أن رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يصلّيهما. قال : فجلس إليه عمر وقال : يا زيد بن خالد لولا أنّي أخشى أن يتّخذها الناس سلماً إلى الصلاة حتّى الليل لم أضرب عليها (29).

ومنها : ما أخرجه الهيثمي عن عروة بن الزبير قال : خرج عمر على الناس فضربهم على السجدتين بعد العصر ، حتّى مرَّ بتميم الداري فقال : لا أدَعهما ، صلّيتهما مع من هو خير منك : رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. فقال عمر : إنّ الناس لو كانوا كهيئتك لم أُبالِ (30).

والأحاديث التي دلَّت على أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يصلّيهما ، بل كان مداوماً عليهما كثيرة :

منها : ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة قالت : ركعتان لم يكن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يَدَعُهما سرّاً ولا علانية : ركعتان قبل صلاة الصبح ، وركعتان بعد العصر (31).

ومنها : ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما ـ واللفظ لمسلم ـ والنسائي وأبو داود والدارمي في سننهم وغيرهم عن عائشة قالت : ما ترك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ركعتين بعد العصر عندي قطّ.

وقالت : ما كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يأتيني في يوم بعد العصر ، إلّا صلّى ركعتين (32).

الطائفة السابعة : دلَّت على أن بعضهم أعال الفرائض ، ولم يكن هذا العول ثابتاً في زمان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ومن ذلك ما أخرجه الحاكم في المستدرك وصحَّحه ، والبيهقي في السنن وغيرهما عن ابن عبّاس رضي الله عنه عنهما أنّه قال : أوّل من أعال الفرائض عمر رضي الله عنه ، وأيم الله لو قُدَّم من قدَّم الله ، وأُخَّر من أخّر الله ما عالت فريضة (33).

وقد نصّ غير واحد من علماء أهل السنّة على أن أوّل من قال بالعول هو عمر :

قال السيوطي : أوّل من قال بالعول في الفرائض عمر بن الخطاب (34).

وقال أبو هلال العسكري : أوّل من أعال الفرائض عمر رضي الله عنه (35).

والعول في الفرائض : هو زيادة فروض الورثة بحيث لا يتّسع لها المال. مثل : امرأة ماتت ولها زوج وأختان لأبوين : فالزوج له النصف ، والأختان لهما الثلثان ، ولو جعلنا التركة ستّة أسهم ، فالزوج له ثلاثة ، والأختان لهما أربعة ، وهي تساوي سبعة ، فتكون قد عالت على أصل المال.

وذهب الجمهور تبعاً لعمر بن الخطاب إلى أن النقص يرد على الجميع ، فتُجعل التركة سبعة أسهم ، ويكون للزوج ثلاثة من سبعة « ثلاثة أسباع » التركة ، وللأختين أربعة من سبعة « أربعة أسباع ».

وذهب الشيعة الإماميّة تبعاً لأئمّة أهل البيت عليهم السلام إلى تقديم أصحاب السهام المؤكَّدة الذين لا ينتقلون من فرض إلى فرض ، كالزوجين والأبوين على البنات والأخوات ، فيُجعل الباقي لهن. ففي فرض المسألة يأخذ الزوج ثلاثة من ستّة ، والباقي للأختين.

وهذا هو رأي ابن عبّاس رضي الله عنه ، وقد أوضحه في الحديث المذكور آنفاً.

قال الزهري : وأيم الله ، لولا أنّه تَقَدَّمَ ابنَ عبّاس إمامُ عدل ، فأمضى أمراً فمضى ، وكان أمراً ورعاً ، ما اختلف على ابن عبّاس اثنان من أهل العلم (36).

الطائفة الثامنة : دلَّت على أن التثويب بدعة.

منها : ما أخرجه الترمذي عن مجاهد قال : دخلت مع عبد الله بن عمر مسجداً ، وقد أَذَّن فيه ، ونحن نريد أن نصلّي فيه ، فَثَوَّبَ المؤذّن ، فخرج عبد الله بن عمر من المسجد ، وقال : اخرُجْ بنا من عند هذا المبتدع. ولم يصَلِّ (37).

ومنها : ما أخرجه أبو داود في سننه عن مجاهد ، قال : كنت مع ابن عمر ، فثوَّب رجل في الظهر أو العصر ، قال : اخرج بنا ، فإن هذه بدعة (38).

والتثويب : هو قول : « الصلاة خير من النوم » أو غيره في أذان صلاة الفجر أو غيرها.

وقسَّم بعضهم التثويب إلى قسمين : تثويبٌ سُنّة ، وتثويبٌ بدعة ، واختلفوا في البدعة من التثويب ، فقال أحمد بن حنبل وابن المبارك : هو قول « الصلاة خير من النوم » في أذان الفجر.

وقال إسحاق بن راهويه : هو أن المؤذّن إذا استبطأ الناس قال بين الأذان والإقامة : قد قامت الصلاة ، حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح. قال : وهو التثويب الذي كرهه أهل العلم ، والذي أحدثوه بعد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم (39).

قال الترمذي : والذي فسَّر ابنُ المبارك وأحمد : أن التثويب أن يقول المؤذّن في أذان الفجر : « الصلاة خير من النوم » ، وهو قول صحيح .. وهو الذي اختاره أهل العلم ورأوه.

وقال الصنعاني في سبل السلام : شرعية التثويب إنّما هي في الأذان الأوّل للفجر ، لأنّه لإيقاظ النائم ، وأمّا الأذان الثاني فإنّه إعلام بدخول الوقت ودعاء إلى الصلاة (40).

وقال الزيلعي في نصب الراية : أحاديث التثويب : وهو مخصوص عندنا بالفجر .. وفيه حديثان ضعيفان : أحدهما للترمذي وابن ماجة .. عن بلال قال : أمرني رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن لا أثوِّب في شيء من الصلاة إلّا في صلاة الفجر .. والحديث الثاني أخرجه البيهقي .. ولكن اختلفوا في التثويب ، فقال أصحابنا ـ يعني الحنفيّة ـ هو أن يقول بين الأذان والإقامة : « حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح » مرّتين. وقال الباقون : هو قوله في الأذان : الصلاة خير من النوم (41).

وحاصل كلامهم أنّ التثويب البدعة هو زيادة قول : « الصلاة خير من النوم » في أذان الفجر وفي غيرها من الصلوات ، أو زيادة غيرها بين الأذان والإقامة في عامة الصلوات ، وأمّا زيادة « الصلاة خير من النوم » في الأذان الأوّل في الفجر فهو سنّة عندهم.

ومنه يتّضح أن ما يفعله أهل السنّة في هذه الأعصار من قول « الصلاة خير من النوم » في أذان الفجر فهو بدعة.

هذا إذا صحّت الروايات الدالّة على أن « الصلاة خير من النوم » جزء من الأذان الأوّل لصلاة الصبح ، والذي يظهر من بعض الروايات أن عمر بن الخطاب هو أوّل من وضعها في أذان صلاة الفجر ، فقد أخرج مالك في الموطأ أنّه بلغه أن المؤذّن جاء إلى عمر يُؤْذِنه لصلاة الصبح ، فوجده نائماً ، فقال : الصلاة خير من النوم. فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح (42).

وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف بلفظ متقارب (43).

وأخرج الدارقطني في سُننه عن ابن عمر ، عن عمر أنّه قال لمؤذِّنه : إذا بلغت « حيّ على الفلاح » في الفجر ، فقل : الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم (44).

وقال الشوكاني في نيل الأوطار : قال في البحر : أحدثه عمر فقال ابنه : هذه بدعة. وعن علي عليه السلام حين سمعه : لا تزيدوا في الأذان ما ليس منه (45).

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنّف عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : ما ابتدعوا بدعة أحبّ إليّ من التثويب في الصلاة. يعني العشاء والفجر (46).

فعلى ذلك تكون هذه الجملة بدعة في أيّ أذان قيلت.

ولا يُعتدّ بكلام السرخسي في المبسوط : أمّا المتأخّرون فاستحسنوا التثويب في جميع الصلوات ، لأنّ الناس قد ازداد بهم الغفلة ، وقلّما يقومون عند سماع الأذان ، فيستحسن التثويب للمبالغة في الإعلام (47).

وذلك لأنّه إذا كان بدعة كما نصّ عليه أعلام أهل السنّة فلا يختلف الحال فيها في جميع الأزمان والأحوال ، فلا يصحّ أن يُزاد في الأذان أو في غيره من العبادات أيّة زيادة بأيّ اعتبار من الاعتبارات.

* * * * *

هذا قليل من كثير ، وأمثاله لا يكاد يحصى ، وهو مبثوث في كتبهم ، ولو أردنا أن نستقصي أشباه هذه الطوائف لطال بنا المقام ، وفيما ذكرناه كفاية.

الهوامش

1. صحيح مسلم ٢ / ١٠٢٣ كتاب النكاح ، باب ١٣.

2. راجع مسند أحمد ٣ / ٣٨٠ ، ٤ / ٤٢٩ ، ٤٣٨ ، ٤٣٩.

3. تاريخ الخلفاء ، ص ١٠٨.

4. الأوائل ١ / ٢٤٠ ، ص ١١٢ ط الباز.

5. صحيح البخاري ٦ / ٣٣ التفسير ، سورة البقرة.

6. صحيح البخاري ٢ / ١٧٥ الحج ، باب التمتع والإقران .. سنن النسائي بشرح السيوطي ٥ / ١٤٨.

7. المصدر السابق ٢ / ١٧٦.

8. سنن النسائي بشرح السيوطي ٥ / ١٥٣ ، وصحّحه الألباني في صحيح سنن النسائي ٢ / ٥٧٨.

9. سنن النسائي بشرح السيوطي ٥ / ١٥٤ ، وصحّحه الألباني في صحيح سنن النسائي ٢ / ٥٧٨.

10. سنن الترمذي ٣ / ١٨٥ قال الترمذي : حديث ابن عبّاس حديث حسن. وفيه ما دلّ على أن عمر كان ينهى عن متعة الحجّ.

11. صحيح مسلم ٢ / ١٠٩٩ الطلاق ، باب طلاق الثلاث.

12. صحيح مسلم ٢ / ١٠٩٩ الطلاق ، باب طلاق الثلاث. سنن أبي داود ٢ / ٢٦١. وصحّحه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢ / ٤١٥. سنن النسائي بشرح السيوطي ٦ / ١٤٥ ، وصحّحه الألباني في صحيح سنن النسائي ٢ / ٧١٨ ، وإرواء الغليل ٧ / ١٢٢.

13. صلاة التراويح : هي صلاة النافلة جماعة في ليالي شهر رمضان ، وسمّيت بالتراويح لأنّهم كانوا يستريحون بين كلّ تسليمتين. ولم تكن في زمن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم تصلى جماعة ، وأوّل من جمع الناس فيها على إمام هو عمر بن الخطاب.

14. صحيح البخاري ٢ / ٥٩٥ صلاة التراويح ، ب ١ « ط مرقمة ». الموطأ ، ص ٥٩ ح ٢٤٧. الجمع بين الصحيحين ١ / ١٣١.

15. الطبقات الكبرى ٣ / ٢٨١.

16. الأوائل ١ / ٢٢٩.

17. تاريخ الخلفاء ، ص ١٠٨.

18. الوسائل في مسامرة الأوائل ، ص ٣٣.

19. صحيح البخاري ١ / ٢٢٨ الأذان ، ب ٨١ ح ٧٣١. صحيح مسلم ١ / ٥٣٩ صلاة المسافرين ، ب ٢٩ ح ٧٨١. سنن الترمذي ٢ / ٣١٢ ح ٤٥٠. سنن أبي داود ١ / ٢٧٤ ح ١٠٤٤ ، ٢ / ٦٩ ح ١٤٤٧. الموطأ ، ص ٦٦ ح ٢٨٨. سنن الدارمي ١ / ٣١٧. مسند أحمد بن حنبل ٣١ / ٢٦٢ ، ٢٧٤ ، ٢٨٢ ح ٢١٦٦٥ ، ٢١٦٨٦ ، ٢١٧٠٩ « تتمّة ط شاكر ».

20. فتح الباري ٢ / ١٧٠.

21. صحيح البخاري ٤ / ٢١١٦ الحدود ، ب ٤ « ط مرقمة ».

22. صحيح مسلم ٣ / ١٣٣٠ ، الحدود ، ب ٨. سنن أبي داود ٤ / ١٦٣.

23. سنن أبي داود ٤ / ١٦٣ ، وصحّحه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣ / ٨٤٧. سنن الترمذي ٤ / ٤٨ قال الترمذي : حديث أنس حديث حسن صحيح ، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وغيرهم أن حدّ السكران ثمانون. سنن الدارمي ٢ / ١٧٥.

24. الطبقات الكبرى ٣ / ٢٨١ ـ ٢٨٢.

25. تاريخ الخلفاء ، ص ١٠٨.

26. الوسائل في مسامرة الأوائل ، ص ٥٥.

27. الأوائل ١ / ٢٣٨.

28. صحيح مسلم ١ / ٥٧٣ صلاة المسافرين ، ب ٥٥.

29. مسند أحمد بن حنبل ٤ / ١١٥ ، المعجم الكبير ٥ / ٢٢٨ ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢ / ٢٢٣ : رواه أحمد والطبراني في الكبير ، وإسناده حسن.

30. مجمع الزوائد ٢ / ٢٢٢ ، قال الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح في الكبير والأوسط ..

31. صحيح البخاري ١ / ١٩٣ مواقيت الصلاة ، ب ٣٣ « ط مرقمة ». صحيح مسلم ١ / ٥٧٢ صلاة المسافرين ، ب ٥٤. سنن النسائي ١ / ٣٠٤ ـ ٣٠٥ « ط محقّقة ».

32. صحيح البخاري ١ / ١٩٣ مواقيت الصلاة ، ب ٣٣ « ط مرقمة ». صحيح مسلم ١ / ٥٧٢ صلاة المسافرين ، ب ٥٤. سنن النسائي ١ / ٣٠٤ ـ ٣٠٥ « ط محقّقة ». وعند أبي داود ٢ / ٢٥ : ما من يوم يأتي على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إلا صلّى بعد العصر ركعتين. « صحّحه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١ / ٢٣٨ ». سنن الدارمي ١ / ٣٣٤.

33. السمتدرك ٤ / ٣٤٠ قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. السنن الكبرى ٦ / ٢٥٣. أحكام القران ٢ / ٩٠. المغني ٧ / ٢٧. المحلى ٨ / ٢٧٩.

34. الوسائل في مسامرة الأوائل ، ص ٤٨. وذكر ذلك في اوليات عمر في تاريخ الخلفاء ، ص ١٠٨.

35. الأوائل ١ / ٢٥٦.

36. أحكام القرآن ٢ / ٩٠. السنن الكبرى ٦ / ٢٥٣. المحلى ٨ / ٢٨١.

37. سنن الترمذي ١ / ٣٨١.

38. سنن أبي داود ١ / ١٤٨ ح ٥٣٨. أورده الألباني في صحيح سنن أبي داود ١ / ١٠٨ ح ٥٠٤ وقال : حسن. وكذلك في إرواء الغليل ١ / ٢٥٤. السنن الكبرى ١ / ٤٢٤.

39. نقلنا كلا القولين عن سنن الترمذي ١ / ٣٨٠.

40. سبل السلام ١ / ٢٥٠.

41. نصب الراية ١ / ٢٧٩.

42. الموطأ ، ص ٤٢ ، ح ١٥١.

43. المصنّف ١ / ١٨٩ ح ٢١٥٩.

44. سنن الدارقطني ١ / ٢٤٣.

45. نيل الأوطار ٢ / ٣٨.

46. المصنّف ١ / ١٩٠ ح ٢١٧٠. وهو حديث صحيح عندهم ، رواه ابن أبي شيبة عن وكيع ، عن سفيان ، عن ابن الاصبهاني ، وهو عبد الرحمن بن عبدالله ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وكلهم ثقات عندهم.

47. المبسوط ١ / ١٣١.

مقتبس من كتاب : [ مسائل خلافيّة حار فيها أهل السنّة ] / الصفحة : 161 ـ 173

 

أضف تعليق


البدعة

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية