هل القوانين المحدودة تفي بالحاجات غير المتناهية؟

البريد الإلكتروني طباعة


المصدر : الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل : للشيخ جعفر السبحاني ، ج3 ، ص 519 ـ 529


( 519 )


 
أسئلة حول الخاتمية
السؤال الخامس


هل القوانين المحدودة تفي بالحاجات غير المتناهية؟


إنّ توسع الحضارة يُلزم المجتمع بتنظيم قوانين جديدة تفوق ما كان يحتاج
إليها فيما مضى ، وبما أنّ الحضارة والحاجات في حال التزايد والتكامل ، فكيف
تعالجُ القوانينُ المحدودةُ الواردةُ في الكتاب والسنّة ، الحاجاتِ غير المحدودة.
وبما أنّ الإسلام نظام تشريعيّ كاملٌ ، تَدَخَّل في شؤون المجتمع كافّة ،
ثقافيّها ، وسياسيّها ، واجتماعيّها ، وعسكريّها ، وعائليّها ، وأغنى المجتمع عن
كل تشريع سوى تشريعه ، فعندئذٍ يطرح هذا السؤال نفسه : إنّ القوانين الواردة
في الكتاب والسنّة ، محدودة مهما توسّع نطاقها ، فكيف تُغني المجتمع عن ممارسة
التشريع في الحوادث والموضوعات الّتي لم يكن بها عهد زمن نزول القرآن وبعثة
الرسول.
نعم ، المسيحية أراحت نفسها من الإجابة عن هذا السؤال بادّعاء أنّ
نظامَها لا يخرج عن الطقوس الفردية والعبادية ، وإنّما هو الإسلام الّذي يدّعي
إغناء المجتمع عن كل تشريع في جميع حقول الحياة.
الجواب
إنّ خلود التشريع الإسلامي ، وغناه عن كل تشريع ، مبني على وجود
أمرين فيه :


________________________________________


( 520 )


1 ـ أنّه ذو مادة حيوية ، خلاّقة للتفاصيل مهما كثُرت الحاجات ،
واستجدّت الموضوعات.
2 ـ أنّه ينظر إلى الكون والمجتمع بسعة ورحابة ، مع مرونة خاصة تساير
الحضارات الإنسانية المتعاقبة . وإليك بيان كلا الأمرين :
أمّا الأمر الأوّل : فقد أحرزه بتنفيذ أُمور:
1 ـ الاعتراف بحجيّة العقل في مجالات خاصة
اعترف القرآن والسنّة بحجيّة العقل في مجالات خاصة ، ممّا يرجع إليه
القضاء فيها ، ولا يكون هو أجنبيّاً بالنسبة إليها ، وذلك كما في باب الملازمات الّتي
ستأتي الإشارة إلى عناوينها . وليس المراد من حجّيته ، أنّه يُطلق سراحه في مجال
التعبديّات الّتي لا طريق إليها إلاّ بالوحي ، فإنّه لا صلاحية له في ذاك المجال.
وأمّا الملازمات الّتي تعدّ من الأحكام العقلية القطعية ، وهي مرادهم من
قولهم بأنّ ما حكم به العقل حكم به الشرع ، فأمثلتها :
أ ـ الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته.
ب ـ الملازمة بين وجوب الشيء وحرمة ضده.
ج ـ الملازمة بين عدم جواز اجتماع الأمر والنهي ، وبطلان العبادة.
د ـ الملازمة بين النهي عن العبادة والمعاملة ، وفسادهما.
هـ ـ الملازمة بين المنطوق والمفهوم في القضايا الشرطية ، أو الوضعية ، أو
المُغَيَّاة بغاية.
ونظير ذلك ما يستقل به العقل من أحكام عقلية تلازم أحكاماً شرعية ،
كاستقلاله بقبح العقاب بلا بيان ، الملازم لعدم ثبوت الحرمة والوجوب إلاّ
بالبيان . واستقلاله بلزوم الاجتناب عن أطراف العلم الإجمالي في الشبهات
التحريمية ، ولزوم الموافقة القطعية في الشبهات الوجوبية ، واستقلاله بإجزاء


________________________________________


( 521 )


إطاعة الأوامر الاضطرارية أو الأوامر الظاهرية ، وغير ذلك. ولعلّ الكلّ يرجع
إلى مبدأ واحد ، وهو استقلاله بالتحسين والتقبيح الذاتيين ، وهذا هو المنتج لهذه
الملازمات والأحكام.
وقد فتح هذا الاعتراف ، للإسلام ، باب البقاء والخلود ، وغدا التشريع
الإسلامي في ضوئه ذا سعة وشمول لكثير من الموضوعات المستجدة أو غيرها ممّا لم
يذكر حكمه في الكتاب والسنّة.
نعم ، مَنْ أعدم العقل وعزله عن الحكم في مجالاته الخاصة به ، أعطى
للإسلام ولقوانينه سمة الجمود ، وعدم الشمول كما أنّ مَنْ فَسَح المجال للعقل
للحكم في كل مورد ليس له طريق إليه ، جعل التشريع الإسلامي لعبة تتلاعب
بها الأهواء.
وبما أنّ هذا البحث ، بحث يرجع إلى علم أُصول الفقه ، نقتصر على هذا
القدر ، ونختم الكلام بحديث عن الإمام الطاهر ، موسى بن جعفر الكاظم ،
وهو يخاطب تلميذه هشام بن الحكم ، بقوله:
 «إنّ لله على الناس حجّتين : حجّةً ظاهرة ، وحجّةً باطنة ، فأمّا الظاهرة
فالرسل والأنبياء  والأئمة ، وأمّا الباطنة فالعقول»(1).
الاعتراف بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد
الأحكام الشرعية ـ حسب ما ينصّ عليه الكتاب ـ تابعة للمصالح
والمفاسد ، فلا حرام إلاّ لمفسدة في اقترافه ، ولا فريضة إلاّ لمصلحة في الإتيان بها.
ولا يراد من المصالح والمفاسد خصوص الدنيوية ، بل الأعمّ ممّا يرجع إلى سعادة
البشر في دنياه ، وفي أُخراه.
يقول سبحانه : (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَ الْبَغْضَاءَ فِي
الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)(2).


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الكافي : ج 1، ص 16.
2- سورة المائدة : الآية 91.


________________________________________


( 522 )


فإذا كانت الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد ، وكانت الغاية المتوخاة من
تشريعها هي الوصول إلى المصالح والتحرز عن المفاسد ، وبما أنّ المصالح والمفاسد
ليست على وزان واحد ، بل لها درجات ومراتب ، عَقَدَ الفقهاءُ باباً لتزاحم
الأحكام وتصادمها ، فيقدمون الأهمّ على المهم ، والأكثر مصلحة على الأقل منه ،
والأعظم مفسدة على الأحقر منه. وقد أعان فتح هذا الباب على حلّ كثير من
المشاكل الاجتماعية ، الّتي ربما يتوهّم الجاهل أنّها تعرقل خطى المسلمين في معترك
الحياة.
ومن أمثلته : إنّ تشريح بدن الإنسان في المختبرات ، من الأُمور الضرورية
الحيوية الّتي يتوقف عليها نظام الطب اليوم . غير أنّ هذه المصلحة تصادمها حرمة
التمثيل بالميِّت ، مسلماً كان أو كافراً ، ولكن عناية الشارع بالصحّة العامة تجعل
إحراز هذه المصلحة مقدّمة على المصلحة الأُخرى ، وهي حرمة الميت ، ولكن يقدم
في هذا المجال بدن الكافر على المسلم ، والمسلم غير المعروف على المعروف ،
وهكذا . وفي ضوء هذا المثال نقدر على طرح أمثلة كثيرة.
3 ـ الكتاب والسنّة مادة للتشريع
إنّ الكتاب والسُّنّة مشتملان على أُصول وقواعد ، تفي باستنباط آلاف من
الفروع الّتي يحتاج إليها المجتمع البشري على امتداد القرون والأجيال.
وهذه الثروة العلمية الّتي اختصّت بها الأُمّة الإسلامية من بين سائر الأُمم ،
أغنت المسلمين عن التمسّك بكل تشريع سواه.
وتتجلى تلك الحقيقة إذا وقفنا على مرمى حديث الثقلين ، وأنّ العِتْرة
الطاهرة ، قرناء القرآن وأعداله ، لا يفترقان أبداً ، ففي ضوء الأحاديث الواردة
عن الأئمة الاثني عشر من أهل بيت الرسول الأعظم ، قَدِرَ التشريع الإسلامي
ـ على مذهب الإمامية ـ على استنباط أحكام الموضوعات المستجدة الكثيرة
بوضوح وانطلاق ، ولم يُرَ هناك قُصور فيه.
نعم ، إنّ من اقتصر في مجال السنّة على خصوص ما روته الصحابة عن


________________________________________


( 523 )


النبي الأكرم ، لم يَرَ بدّاً من اللجوء إلى مقاييس وقواعد ظنية ما أنزل الله بها من
سلطان ، كالقول بالقياس والاستحسان والاستقراء ، وغيرها من الظَّنِّيات الّتي
نَهَى الشارع المقدس عن التعبد بها في مجال العبودية ، بقوله: ( قُلْ اَللهُ أَذِنَ لَكُمْ
أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)؟(1).
هذا ، وإنّ الأحاديث الإسلامية في مجال الأحكام الفرعية ، الواردة عن
طريق الصحابة ، المنتهية إلى النبي الأكرم ، لا تتجاوز خمسمائة حديث ، تَمُدّها
أربعة آلاف(2).
ومن المعلوم أنّ هذا المقدار من الأحاديث لا يفي بحاجات المجتمع البشري
إلى يوم القيامة ، وهذا يعرب أنّ الرسول لم يترك الأُمّة سدى ، ولم يدفعهم إلى
العمل بمقاييس ظنية لا دليل عليها ، وإنّما عالج هذه لناحية الحيوية بالأمر
بالرجوع إلى عترته الطاهرة.
إنّ من المؤسف جداً ، رفضَ الروايات المروية عن أئمة أهل البيت
ـ عليهم السَّلام ـ ، الذين اعترف القريب والبعيد بطهارتهم ووثاقتهم وعُلُوّ شأنهم ،
والأخذ بمقاييس ظنية ، وإدارة رحى التشريع بها.
 «وَدَعْ عَنْكَ نَهَباً صيح في حجراتِهِ».
4 ـ تشريع الاجتهاد
المراد من الاجتهاد هو بذل الوسع في استنباط الأحكام الشرعية عن
مصادرها المعيّنة ، وهو رمز خلود الدين وبقاء قوانينه ؛ لأنّه به تحفظ غضاضة
الدين وطراوته ، ويصان عن الاندراس ، وبالتالي يستغني المسلمون عن موائد
الأجانب.
أمّا لزوم فتح هذا الباب ، ولا سيما في العصر الحاضر فليس شيئاً يحتاج إلى


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة يونس: الآية 59.
2- لاحظ الوحي المحمّدي : لمحمّد رشيد رضا، الطبعة السادسة ، ص 212.


________________________________________


( 524 )


البرهنة ، إذ لم تزل الأُمّة الإسلامية ، في أعصارها الغابرة والحاضرة ، أمام
موضوعات مستجدة وطارئة ، فيجب عليها عند ذلك أن تختار سلوك أحد السبل
التالية:
ـ إمّا بذل الوُسْع في استنباط أحكامها من الكتاب والسُّنّة والعقل.
ـ أو اتّباع القوانين الوضعية البشرية من غير نظر إلى مقاصد الشريعة.
ـ أو الوقوف والسكوت من غير إفتاء.
ولا شك أن المتعين هو الأوّل.
وقد كان الاجتهاد مفتوحاً بصورته البسيطة بين الصحابة فالتابعين ، كما أنّه
لم يزل مفتوحاً على مصراعيه بين أصحاب الأئمة الاثني عشر ، وهم الذين قالوا
لشيعتهم : « إنّما علينا إلقاء الأُصول وعليكم التفريع»(1).
وإنّ من مواهب الله تعالى العظيمة على الأُمّة الإسلامية تشريع
الاجتهاد ، وفسح المجال لعلماء الأُمّة لأن يناقشوا أفكارهم ، فلم تقم للإسلام
دعامة ، ولا حفظ كيانه ونظامه إلاّ على ضوء هذه البحوث والمناقشات العلمية ، وردّ
صاحب فكر على ذي فكر آخر ، وقد حكى شيخنا العلامة المتضلع ، شيخ
الشريعة الأصفهاني ـ رحمه الله ـ عن بعض الأعلام ، قوله : « إنّ عدم محاباة
العلماء ، بعضهم لبعض ، من أعظم مزايا هذه الأُمّة ، الّتي أَعْظَمَ الله بها عليهم
النعمة ، حيث حفظهم عن وصمة محاباة أهل الكتابين ، المؤدية إلى تحريف ما
فيهما ، واندراس تينك الملتين ، فلم يتركوا لقائل قولاً فيه أدنى دخل إلاّ بيّنوه ،
ولفاعل فيه اعوجاج إلاّ قوّموه ، حيث اتّضحت الآراء ، وانعدمت الأهواء ، ودامت
الشريعة البيضاء ، على مِلء الآفاق بأضوائها ، مأمونة عن التحريف ، ومصونة
عن التصحيف»(2).
وقد جَنَت بعض الحكومات الإسلامية ، حيث أقفلت باب الاجتهاد ، في


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل : ج 18، كتاب القضاء ، الباب السادس من أبواب صفات القاضي ، الحديث 52.
2- إبانة المختار : ص 1.


________________________________________


( 525 )


أواسط القرن السابع ، وحرمت الأُمّة الإسلامية من هذه الموهبة العظيمة ، يقول
المقريزي:
« استمرت ولاية القُضاة الأربعة ، من سنة 665، حتى لم يبق في مجموع
أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام ، غير هذه الأربعة ، وعودي من
تمذهب بغيرها ، وأُنكر عليه ، ولم يُوَلَّ قاضٍ ، ولا قُبلت شهادة أَحد ، ما لم يكن
مقلداً لأحد هذه المذاهب ، وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار ، في طول هذه المدة ،
بوجوب اتّباع هذه المذاهب ، وتحريم ما عداها ، والعمل على هذا إلى اليوم»(1).
ومن بوادر الخير أَنْ وَقَفَ غيرُ واحدٍ من أهل النظر من علماءِ أهل السنة ،
وقفة موضوعية ، وأحسّوا بلزوم فتح هذا الباب بعد قفله قُرُوناً(2).
5 ـ حقوقُ الحاكِم الاسلامي
من الأسباب الباعثة على كون التشريع الإسلامي ، صالحاً لحل المشاكل ،
أنّه منح للحاكم الإسلامي كافة الصلاحيات المؤدية إلى حقّ التصرّف المطلق في كل
ما يراه ذا صلاحية للأُمّة ، ويتمتع بمثل ما يتمتع به النبي والإمام من النفوذ
المطلق ، إلاّ ما يعد من خصائصهما.
مثلاً : إذا رأى الحاكم أنّ المصلحة تقتضي فتح طريق أو شارع في أملاك
الناس ، فَلَهُ أَنْ يُقَرِّرَ وينفِّذَ ما يحقّق هذه الغاية في ضوء العدل والإنصاف : فله
أن يُجْبِرَ أصحابَ الأراضي الّتي يمرّبها الطريق ، على بيع أراضيهم أو يشتريها بثمن
مناسب.
أو إذا أراد رفع المعيشة العامة إلى مستوى خاص ، فله وضع الضريبة على
صنف خاص من أبناء الشعب، أوكلّهم لتأمين هذه الغاية.


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الخطَطُ المقريزية : ج 2، ص 344.
2- لاحظ تاريخ حصر الاجتهاد : لشيخنا العلامة الطهراني ، ودائرة المعارف : لفريد وجدي ، مادة
« جهد » و« ذهب ». وغير ذلك ممّا أُلف في هذا المضمار.


________________________________________


( 526 )


كما أنّ له أن يقرر ما يراه مناسباً لتنظيم السير في الشوارع ، متوخياً في
ذلك سلامة النفوس ، وسهولة الذهاب والإياب ، كلّ ذلك في إطار العدل
والإنصاف ، والقوانين العامة الإسلامية.
قال المحقق النائيني ـ رحمه الله ـ : «فُوّضَ إلى الحاكم الإسلامي وضع ما يَراهُ
لازماً من المقررات لمصلحة الجماعة ، وسدّ حاجاتها في إطار القوانين
الإسلامية»(1).
وهذه الحقوق ثابتة للنبي الأكرم ، لقوله سبحانه: ( النَّبي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ
أَنْفُسِهِمْ)(2).
كما أنّها ثابتة لخلفائه المعصومين ، وبعدهم لعلماء الأُمّة وفقهاء الدين الذين
أُلقيت على كواهلهم أُمور تدبير حياة الأُمّة ، وصيانة الشريعة.
وهناك كلمة قيمة للإمام الخميني ـ قدس سره ـ نأتي بنصّها :
 «إنّ الحاكم الإسلامي إذا نجح في تأسيس حكومة اسلامية في قطر من
أقطار الإسلام ، أو في مناطقه كلّها ، وتوفرت فيه الشرائط والصلاحيات
اللازمة ، وأخُصُّ بالذكر: العلم الوسيع ، والعدل ، يجب على المسلمين
إطاعته ، وله من الحقوق والمناصب والولاية ما للنبيّ الأكرم من إعداد القوات
العسكرية ، ودعمها بالتجنيد ، وتعيين الوُلاة ، وأخذ الضرائب ، وصرفها في
محالها ، إلى غير ذلك...
وليس معنى ذلك أنّ الفقهاء والحُكّام الإسلاميين ، مثل النبي والأئمة في
جميع الشؤون والمقامات ، حتى الفضائل النفسانية ، والدرجات المعنوية ، فإنّ
ذلك رأي تافِهٌ لا يُركنُ إليه ، إذ إنّ البحث إنّما هو في الوظائف المحولة إلى الحاكم
الإسلامي ، والموضوعة على عاتقه ، لا في المقامات المعنوية والفضائل النفسانية ،


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- تنبيه الأُمّة وتنزيه المِلّة  : ص 97.
2- سورة الأحزاب : الآية 6.


________________________________________


( 527 )


فإنّهم صولات الله عليهم ، في هذا المضمار ، في درجة لا يدرك شأوهم ، ولا يشق
لهم غُبار ، حسب روائع نصوصهم وكلماتهم.
وليست السلطة مفخرة للحاكم يعلو بها على سائر المحكومين ، بل هي من
وجهة النظر الإسلامية مسؤولية اجتماعية كبرى أمام الله سبحانه أوّلاً ، وأمام
المسلمين ثانياً . والجهة الجامعة ما بين الحاكم والإمام في إدارة دفة الحكم ، وسياسة
العباد ، ليس لها أي ارتباط بالمُثُل الخلقية ، والصفات النفسانية»(1).
ثمّ إنّ البحث حول حقوق الحاكم الإسلامي ، الّذي يمهّد الطريق لسيادة
الأحكام الإسلامية طويل الذيل يرجع فيه إلى مفاهيم القرآن(2).
وأمّا الأمر الثاني ، وهو أنّ التشريع الإسلامي ينظر إلى الكون والمجتمع
بسعة ورحابة ، مع مرونة خاصة تساير الحضارات الإنسانية المتعاقبة ، فقد أحرز
ذلك بتحقيق أُمور ثلاثة :
1 ـ النظر إلى المعاني دون الظواهر
الإسلام يهتم بالمعنى دون الظاهر ، وهذه إحدى العِلَل لبقاء أحكامه
وخلودها ، وقد أوضحنا حال ذلك عند البحث عن إتّقان التشريع والتقنين
الإسلامي .


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- ولاية الفقيه : للإمام السيّد الخميني ، ص 63 ـ 66. وقد كان سماحته حيّاً يرزق ونحن نجري
القلم على هذه المواضع ، لكنه لبّى دعوة ربّه ، والتحق بالرفيق الأعلى ليلة الأحد التاسع والعشرين
من شهر شوال عام 1409 للهجرة . وقد كان ـ قدس سره ـ رجلاً مثالياً في التقوى ، وبطلاً في
العلم ، ومجاهداً مناظلاً في سبيل إعلاء كلمة الحق . وبالحق كان مصداقاً لقول الشاعر:
ليس من الله بِمُسْتَنْكر * أَنْ يَجْمَعَ العالَم فيِ واحد

أعلى الله مقامه ، ورفع في الجنان درجته.
2- قد أشبع شيخنا الأستاذ ـ دام ظله ـ الكلام في هذا المضمار ، فلاحظ « مفاهيم القرآن » : ج 2،
ص 265 ـ 296.


________________________________________


( 528 )


2 ـ الأحكام الّتي لها دور التحديد
من الأسباب الموجبة لمرونة هذا الدين وصلاحيته للبقاء ، وجود قوانين
حاكمة على القوانين العامة ، مثل قاعدة، « لا حرج » ، و« لا ضَرَرَ » ، وغير
ذلك ممّا أوضحنا حاله عند البحث عن إتقان التشريع والتقنين الإسلامي.
3 ـ الإسلام شريعة وُسطى ، والأُمّة الإسلامية أُمّة وَسَط
من الأسباب الدافعة إلى صلوح الإسلام للبقاء والخلود ، كونه ديناً جامعاً
بين الدعوة إلى المادة ، والدعوة إلى الروح ، وديناً وسطاً بين المادية البحتة ،
والروحيّة المحضة ، وبذلك جاء شريعة تامّة لم تعطّل الفطرة في تشريعاتها ، ولم
تلقي حبلها على عاتقها لتخرج عن حدودها ، فأخذت من الدنيا ما هو لصالح
العباد ، ومن الآخرة مثله.
فكما أنّ الإسلام ندب إلى العبادة ، ندب إلى طلب الرزق أيضاً ، بل ندب
إلى ترويح النفس ، والتخلية بينها وبين لذاتها.
قال الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «للمؤمن ثلاثُ ساعات : ساعةٌ
يُناجي فيها ربَّه ، وساعة يَرُمّ فيها معاشه ، وساعةٌ يُخلّي بين نفسه ولذّاتها»(1).
فقد قرن بين عبادة الله ، وطلب الرزق ، وترفيه النفس ، بحيث جعل
الجميع في مستوى واحد.
فكما أنّ أداء الصلاة والصوم والحج ، وظائف دينية ، فكذلك إن شقّ
الطريق لطلب الرزق والمعاش ، والقيام بنزهة بين الرياض ، أو سباحة في
الأحواض ، والأعمال الرياضية البدنية ، وظيفة دينية للمؤمن ، ولأجل هذا
ينسجم الإسلام مع الحضارات المتواصلة.


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- نهج البلاغة : باب الحِكم ، رقم 390.

________________________________________


( 529 )


هذه هي الخاتمية ، ودلائلها المشرقة ، وشبهاتها الضئيلة ، وأسئلتها المهمة ،
وأجوبتها الرصينة ، طرحناها معرض البحث والتنقيب ، ولم يكن رائدنا إلاّ تبنّي
الحقيقة ، متجرّدين عن كل رأي مسبق لا دليل عليه.
تمّ الكلام بحمده تعالى في النُّبُوّة الخاصة.


 
 
* * *

 

 

 

 

 

أضف تعليق


النبوة

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية