رواة المسح عن ابن عبّاس

البريد الإلكتروني طباعة

رواة المسح عن ابن عبّاس

الإسناد الأوّل

عبدالرزاق ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني عمرو بن دينار أنّه سمع عكرمة يقول : قال ابن عبّاس ...

ورواة هذا الإسناد أئمّة حفّاظ ، و قد احتجّ بهم الجماعة فضلاً عن أئمّة الصحاح والسنن ، فعبدالرزاق قد احتجّ له الجماعة (١) ومثله ابن جريج (٢) وعمرو بن دينار (٣) وعكرمة (٤) ، وبما أنّ الجماعة قد روت لهؤلاء وثبت لكلّ واحد منهم ملازمة طويلة لمن يروي عنه وفيهم من هو أعلم بعلم ابن عبّاس من غيره ، فلماذا لا تُروى روايتهم عن ابن عبّاس « الوضوء غسلتان و مسحتان » في صحاح الجمهور ؟

ألم يقعوا في أسانيد البخاري ومسلم في روايات أخرى ؟

وإذا حصل ذلك فلمَ لا يأتي البخاري بخبرهم في المسح عن ابن عبّاس ؟ مع أنّهم قد أتوا بأحاديث أخرى تحتاج إلى تابع كخبر سليمان بن بلال ؟

و عليه ففي السند الأوّل :

١ ـ عبدالملك بن جريج ، وهو من المدوّنين ، وقد كان أوّل من جمع الحديث بمكّة المكرمة (5) ، كما ألّف كتباً عدّة حتّى أنّه لمّا قدم على أبي جعفر ـ المنصور ـ قال له : جمعتُ حديث ابن عبّاس ما لم يجمعه أحد ، فلم يعطه شيئاً (6) ، وقد كانت كُتُبه تحتلّ مكاناً رفيعاً عند المحدّثين ، حتّى قال يحيى بن القطّان : كنّا نسمّي كتب ابن جريج كتب الأمانة (7) لصحّة ما فيها.

٢ ـ عمرو بن دينار ، وقد مرّ الكلام عنه ، وأنّه ما جلس عند ابن عبّاس وما كتب عنه إلّا واقفاً.

٣ ـ عكرمة ، مولى ابن عبّاس ، و هو من كبار تلامذة ابن عبّاس والمدوّنين عنه ، وكان ابن عبّاس يعتني به كثيراً ، حتّى قال عكرمة : كان ابن عبّاس يجعل في رجلي الكبل يعلّمني القرآن ويعلّمني السنّة (8).

« وكانت عنده كتب ، فقيل أنّه نزل على عبدالله الأسوار بصنعاء ، فعدا ابنه ـ أيّ عمرو بن أبي الأسوار ـ على كتاب لعكرمة فنسخه ، وجعل يسأل عكرمة ، ففهم أنّه كَتَبَهُ من كُتُبِهِ ... » (9) وقد روى عن ابن عبّاس في التفسير (10) ، فترى جميع هؤلاء من أصحاب المدوّنات.

الإسناد الثاني

و هو عبدالرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، عن جابر بن يزيد ـ زيد ـ أو عكرمة ، عن ابن عبّاس ...

١ ـ فيه معمر بن راشد ، وهذا قد كتب الأحاديث وصنّف الكتب ، وعُدَّ من أوائل من جمع الحديث باليمن (11) ، قال النديم : ... له من الكتب كتاب المغازي (12) ، وآخر في التفسير ، رواه عنه عبدالرزاق وابن المبارك وآخرون ، وكان له كتاب مشهور آخر باسم الجامع (13).

وعن هشام بن يوسف أنه قال : جاء مطرف بن مازن ، فقال : أعطني حديث ابن جريج ومعمر حتّى أسمعه منك ، فأعطيته ، فكتبها ، ثمّ جعل يحدّث بها عن معمر نفسه عن ابن جريج (14).

٢ ـ قتادة بن دعامة ، وهو أحد الأعلام الذين كتبوا الأحاديث ، وله من الكتب : تفسير القرآن (15) والناسخ والمنسوخ في القرآن (16) وعواشر القرآن (17).

قال أبو هلال ، قيل لقتادة : يا أبا الخطّاب أنكتب ما نسمع ؟ قال : وما يمنعك أحد أن نكتب ؟ وقد أنبأَك اللطيف الخبير أنّه قد كتب ، وقرأ ( فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى ) ، قال : كنت أنظر إلى فم قتادة ، فإذا قال : « حدّثنا » كتبت ، وإذا لم يقل لم أكتب (18).

٣ ـ جابر بن زيد ـ أو يزيد ـ والأوّل هو الصحيح ، قال الرباب : سألت ابن عبّاس عن شيء ، فقال : تسألوني وفيكم جابر بن زيد (19).

وكان الحسن البصريّ إذا غزا أفتى الناسَ جابرُ بن زيد (20).

وجاء عن تلاميذه أنّهم يكتبون عنه ؛ روى حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار ، قال : قيل لجابر بن زيد : إنّهم يكتبون عنك ، ما يسمعون ، فقال : إنّما لله‏ يكتبون (21).

وعكرمة قد مرّ الكلام عنه ، وابن عبّاس من أئمّة المدوّنين.

الإسناد الثالث

وهو ما أخرجه عبدالرزاق عن معمر ، عن عبدالله بن محمّد بن عقيل عن الربيع ، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله غسل قدميه ثلاثاً ، ثمّ قالت لنا : إنّ ابن عبّاس قد دخل ... الخبر.

فقد تكلّمنا عن معمر ، وبقي عبدالله بن محمّد بن عقيل ، وهو من المدوّنين كذلك ؛ لقوله : كنت أنطلق أنا ومحمّد بن علي ـ أبو جعفر ـ و محمّد بن الحنفية إلى جابر بن عبدالله الأنصاري لنسأله عن سنن رسول الله صلّى الله عليه وآله وعن صلاته ، فنكتب عنه ونتعلّم منه (22).

الإسناد الرابع

وهو ما أخرجه ابن أبي شيبة ، حدّثنا ابن علية ، عن روح بن القاسم ، عن عبدالله بن محمّد بن عقيل ...

فيه ابن علية ، وهو إسماعيل بن إبراهيم الأسدي ، وكان من الكَتَبة ، له من المصنّفات كتاب الطهارة ، الصلاة ، المناسك ، التفسير (23) ، وقد كتب عن أيّوب السختياني (24) ، وكتب عنه علي بن أبي هاشم بن الطبراخ (25) ، وقد مرّ الكلام عن عبدالله بن محمّد بن عقيل.

الإسناد الخامس

وهو ما رواه الحميدي ، قال : حدّثنا سفيان ، قال : حدّثنا عبدالله بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب ، قال : أرسلني علي بن الحسين إلى الربيع بنت المعوذ ... . فيه :

١ ـ سفيان بن عيينة ، الإمام الكبير ، وقد بدأ بكتابة الحديث وهو ابن خمس عشرة سنة ، قال علي بن الجعد : كتبت عن ابن عيينة سنة ستّين ومائة بالكوفة ، يملي علينا من صحيفة (26).

قال العجلي : كان حديث ابن عيينة نحواً من سبعة الآف ولم يكن له كتب (27).

وقد علّق الدكتور الأعظمي على كلام العجلي بقوله : ولا ندري كيف تُأَوّل ، علماً رأينا أنّه أملى من صحيفةٍ وكتب لأيّوب ، وكتب عن عمرو بن دينار وآخرين. وكتابته عن الزهري مشهورة معروفة (28).

قال ابن عيينة ، قال لي زهير الجعفي : أخرج كتبك ، فقلت له : أنا أحفظ من كتبي (29).

وله من المؤلّفات : التفسير (30) ، روى عنه جمعٌ أحاديثَه المكتوبة ، منهم الحميدي صاحب المسند (31).

٢ ـ علي بن الحسين ، وهو الإمام السجّاد ، وقد كان من المدوّنين (32).

أمّا الإسنادان السادس والسابع فهعما اجترار لهذا الإسناد ، لرواية سفيان بن عيينة الخبر عن عبدالله بن محمّد بن عقيل ، وأن علي بن الحسين قد أرسله إلى الربيع ...

وأنت ترى رجال هذه الأسانيد أنّهم كانوا أئمّة حفّاظاً ، وقد دوّنوا الحديث في كتبهم وفي جميع الطبقات ، ولا يهمّنا وجود بعض المدوّنين بعد عصر التدوين الحكوميّ بينهم ، فالقيمة في وجود رجال كعلي بن الحسين ، وعكرمة ، وعمرو بن دينار ، وعبدالله‏ بن محمّد بن عقيل ، وجابر بن زيد ، بين هؤلاء ، وكانوا قد دوّنوا الحديث قبل عصر التدوين الحكومي ، ولذلك تكون لمرويّاتهم قيمة أكثر من مرويات رواة الغسل ، ولو عاودنا أسماء رواة الغسل عن ابن عبّاس لعرفت المائز بين الطريقين ، وذلك لعدم وجود مدوّنين قبل عصر التدوين الحكومي بينهم ، فغالبهم ليسوا من أصحاب المدوّنات ، وأن كان أحد منهم مدوِّناً فهو غالباً من المدوّنين بعد عصر التدوين الحكومي ، فلا مزيّة لنقلهم ، لاحتمال تأثّره بمطالع الحكّام.

ورواة الغسل هم :

١ ـ محمّد بن عبدالرحيم.

٢ ـ منصور بن سلمة « أبو سلمة الخزاعي ».

٣ ـ سليمان بن بلال ـ وهو من المدوّنين بعد عصر التدوين الحكومي ـ

٤ ـ زيد بن أسلم

٥ ـ عطاء بن يسار

٦ ـ عثمان بن أبي شيبة

٧ ـ محمّد بن بشر

٨ ـ هشام بن سعد

٩ ـ الحسن بن علي الخلّال الحلواني

١٠ ـ يزيد بن هارون

١١ ـ عبّاد بن منصور

١٢ ـ عكرمة بن خالد ـ وهو غير مولى ابن عبّاس المدوّن لحديثه ـ

١٣ ـ سعيد بن جبير ـ من المدوّنين لكن لم يثبت الطريق إليه ـ

١٤ ـ مجاهد بن موسى

١٥ ـ عبدالله بن إدريس ـ من المدوّنين بعد عصر التدوين الحكومي ـ

١٦ ـ محمّد بن عجلان ـ من المدوّنين بعد عصر التدوين الحكومي ـ

١٧ ـ الهيثم بن أيّوب الطالقاني

١٨ ـ عبدالعزيز بن محمّد

وبهذا فقد اتّضح أنّ الطرق المسحيّة عن ابن عبّاس هي أقوى سنداً وأنقى دلالةً ، وقد رويت بطرق متعدّدة وفي جميع الطبقات عن المدوّنين ، بخلاف الغسليّة التي لم يروها أحد من المدوّنين قبل عصر التدوين الحكومي ، كما اتضّح لنا أنّ الحكومات كانت تجدّ ـ جاهدة ـ لطمس معالم الوضوء المسحي عن ابن عبّاس ، ولطمس فقهه التعبّدي بالكلّية ، لكنّها باءت بالفشل ، إذ دراسة الملابسات ونسبة الخبر لابن عبّاس كشفت حقيقة ما أراده الحكّام وزيف ما بنوه من مجد سياسي وفكري متزلزل ، إذ أن جهود المتعبّدين كانت وما زالت مناراً ينير درب الحقيقة ، وهذا ما يؤكّد أنّ استقرار الوضوء المسحيّ عن ابن عبّاس ثبت بجهود المدوّنين على مرّ الأجيال. وهو الآخر يؤكّد امتداد نهج التعبّد المحض في العصور اللاحقة.

الهوامش

1. انظر تهذيب الكمال ١٨ : ٥٧.

2. انظر تهذيب الكمال ١٨ : ٣٣٨.

3. انظر تهذيب الكمال ٢٠ : ٢٦٤.

4. فقد احتجّ به الجميع إلّا مسلماً فقد قرنه بغيره ثمّ رجع. انظر تهذيب الكمال ٢٠ : ٢٦٤.

5. ذكره الذهبي في تذكرة الحفاظ ١ : ١٦٠ ، وابن حجر في مقدّمة فتح الباري وابن كثير في اختصار علوم الحديث.

6. تاريخ بغداد ١٠ : ٤٠٠ ، شرح علل الترمذي : ٦٧.

7. دراسات في الحديث النبوي ١ : ٢٨٦ ، عن العلل وتاريخ بغداد ١٠ : ٤٠٤.

8. تاريخ الفسوي ٣ / ٥ ، تاريخ أبي زرعة كما في الدراسات للأعظمي ١ : ١١٨.

9. الميزان ٣ : ٢٩٥ ، الجرح والتعديل ، تهذيب التهذيب ٨.

10. الفهرست : ٣٤ كما في الدراسات.

11. انظر كتاب « أبو جعفر الطحاوي » لعبد المجيد محمود : ١٥٢.

12. الفهرست : ٩٤ ، كما في الدراسات للأعظمي ١ : ٣١٢.

13. الرسالة المستطرفة للكتاني : ٤١ كما في الدراسات.

14. المجروحين : ٣٤ ، الجرح والتعديل ٤ / ١ : ٣١٤ ، كما في الدراسات ١ : ١٩٦.

15. الطبقات الكبرى لابن سعد ٧ / ٢ / ٢٣ ، الفهرست لابن النديم : ٣٤ ، كما في الدراسات ١ : ١٩٦.

16. توجد منه نسخة بالظاهريّة ، انظر الدراسات للأعظمي ١ : ١٩٦.

17. الطبقات الكبرى لابن سعد ٧ / ٢ / ٢ كما في الدراسات.

18. مسند علي بن الجعد : ١١٨ ، الكفاية : ١٦٤ ، انظر الدراسات ١ : ١٩٦.

19. تهذيب التهذيب ٢ : ٣٨ كما في الدراسات للأعظمي ١ : ١٤٥.

20. تهذيب التهذيب ٢ : ٣٤ ، الجرح والتعديل ٢ : ٤٩٥.

21. الطبقات الكبرى ٧ : ١٨١.

22. تقييد العلم : ١٠٤ ، الكامل لابن عدي ٤ : ١٢٨ ، ميزان الاعتدال ٢ : ٤٨٤ ، تاريخ دمشق ٣٢ : ٢٥٩.

23. ذكره النديم في الفهرست : ٢٢٧ كما في الدراسات ١ : ٢٣٠.

24. تاريخ أبي زرعة : ٧٦ ، كما في الدراسات ١ : ٢٣٠.

25. تاريخ بغداد ١٢ : ١٠ ، كما في الدراسات ١ : ٢٣٠.

26. تاريخ بغداد ١١ : ٣٦٢.

27. تاريخ بغداد ٩ : ١٧٩.

28. دراسات في الحديث النبوي ١ : ٢٦٢.

29. تهذيب التهذيب ٤ : ١٢١.

30. الدراسات ، للأعظمي ١ : ٢٦٢ عن التهذيب ٤ : ١٢١ ، الأنساب للسمعاني ٥ : ٤٣٩.

31. انظر مسند الحميدي ، و عنه في الدراسات للأعظمي ١ : ٢٦٢.

32. انظر منع تدوين الحديث ، لنا ٤٠٩ ـ ٤١١.

مقتبس من كتاب : [ وضوء عبد الله بن عبّاس ] / الصفحة : 132 ـ 140

 

أضف تعليق


الوضوء

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية