التَوسّل ... إيمان أم شرك

البريد الإلكتروني طباعة

لازلت أذكر تلك الولائم والإحتفالات التي كانت تُقام في ضريح أحد الأولياء الصالحين بقريتنا ، وكان هذا الوليّ على ما تتناقله ذاكرة الأجيال أحد الشرفاء (١) المغاربة من بني إدريس ، كان بناءاً تقليديّا تعلوه قبّة شامخة زاد من شموخها الربوة التي كان بناء الضريح قائما عليها.

كانت زوجة عمّي تأخذني كلّما سنحت الفرصة للزيارة والتبرّك ـ وكان هذا الضريح يعتبر ضريح القرية « الرسمي » ، حيث كان لكلّ بلدة وليّها الخاص بها والذي كانت أغلب المناسبات الدينية تقام فيه كحفلات الختان ، والعودة من الحجّ ، والمَولد النبوي الشريف وغيرها ـ وكانت زوجة عمّي توصيني في كلّ زيارة بأن آخذ من تراب ذلك الضريح وأمسح به وجهي ورقبتي وصدري ، لأنه كما قالت لي فيه شفاء وفيه ما فيه من دفع للآفات والأمراض. وكان أكثر ما يشدني في تلك الفترة من عمري اللّهو والنزهة أكثر من البحث عن أحراز وعوذات ، وكان هذا رسم في موطني يشب عليه الصغير ويهرم عليه الكبير.

ثمّ تمرّ أعوام وأعوام حتّى بدأت بعض الأصوات من بعض الحركات الإسلامية الجديدة على الساحة تستكره هذه الأعمال وتعدّها نوعا من الشرك أو البدعة ، وترد عليها أصوات أخرى بأنّنا كلّنا مسلمون نعلم حدود الشرك والإيمان وأنتم لستم أوصياء على إيماننا ، بل رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم قال فيما قاله آخر عمره الشريف : « إنّي لا أخاف عليكم أن تشركوا بعدي » (2) ، وعليه هذه أعمال مباحة إن لم تكن مشروعة وقد مارسها المسلمون وغير المسلمين منذ كان الدين على الأرض.

نقلت مخزون أفكاري هذه في أوّل نقاش لاحق مع صديقي الشيعي لأرى ماذا تقول الشيعة حولها فسألته : ماذا تقول الشيعة في التوسّل والتبرّك بآثار الأنبياء والصالحين ، وهل هذه بدع كما يقول بعض الناس ، أم لها أصل في الإسلام ؟!

اعتدل صديقي في جلسته ووضع قلمه الجاف الذي كان بيده على طرف طاولته في ركن غرفته الصغيرة الخاصة ، ثم فرك أصابعه وقال : أنا أشكرك على أسئلتك وشغفك لأن تعرف كل شيء ، لكن أنا شخص عادي فتح الله بصيرتي على الحقائق وقد لا تجد عندي كل شيء بالتفصيل ، أنا أعطيك رؤوس أقلام وواصل أنت مطالعاتك في كلّ موضوع نناقشه ، فعند علمائنا الشيعة من الكتب والأشرطة والردود ما يشفي الغليل وزيادة ، بحيث لا يبقى هناك مجال للشك ولا للظن ، بل تخرج باليقين الكامل إن شاء الله.

فيما يخصّ هذا الموضوع هو في الواقع موضوعان كثر حولهما اللّغط في هذه الأزمنه الأخيرة فقط ، وإلاّ لا توجد اختلافات بين طوائف الأمة من قبل حولها ، ولست أبالغ إذا ما قلت إنّ ابن تيميّة هو أوّل من فتح باب الفتنة فيها ، ولم يسبقه في ذلك أحد فخالف بآراءه الشاذة وأفكاره المريضة إجماع جميع علماء المسلمين وطوائفهم ، بل خالف حتّى زعيم مذهبه أحمد بن حنبل في ذلك.

قلت : دعنا من ابن تيميّة ، أنا أريد الدليل من كتاب الله وسنة رسوله.

قال صديقي : لأختصر عليك الطريق ولا ندخل في متاهات كلاميّة ، أعطيك آيتين من القرآن تبرز مشروعية التوسّل ، الأولى في سورة يوسف عليه‌ السلام حيث جاء إخوته إلى أبيهم بعد ندمهم على فعالهم وقالوا : ( قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئين * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ... ) (3) ، فلماذا جاؤوا إلى أبيهم ؟! ولو كانوا يعلمون ـ وهم أبناء أنبياء ـ أنّ طلبهم ذاك كان شركا ما كانوا ليطلبوه ! ، ولو كانوا جاهلين بأنه شرك لماذا لم ينههم أبوهم يعقوب ، بل وعدهم بالاستغفار لهم ، وقد ورد في معنى ( سوف ) أنّه أخّر الاستغفار لهم إلى ليلة الجمعة.

وقد تقول لي إنّ ذلك كان جائزا في عهد يعقوب عليه‌ السلام لكن الإسلام لا يجيز ذلك.

فأقول لك : إنّ الدين عند الله الإسلام وكلّ الأنبياء نور واحد وصدروا من معين واحد ، ولا يمكن أن يكون هناك عمل أو قول قال به نبيّ ويعتبره نبيّ آخر من بعده شركا.

هذا من جانب ومن جانب آخر أقول : إنّ التوسّل ورد أيضا في الإسلام بصريح قوله تعالى في سورة النساء : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ... ) (4) ، فلماذا يستغفر لهم الرسول ؟ هل كان الله بعيدا عنهم ؟! وإذا قارنت هذه الآية مع الآية التي في سورة يوسف لوجدتهما ترميان إلى نفس المعنى تقريبا.

قلت لصديقي وقد بقي في نفسي شيء يسير من الشبهة : ربّما جاز التوسّل بالنبيّ أو الوليّ في حياته لكن هل يجوز التوسّل به بعد مماته ؟

أجاب صديقي بسرعة : المهم إنّنا أثبتنا أصل التوسّل عموما ، وأردف قائلا : فهل يجوز العمل بسنّة رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم في حياته ونرمي بها عرض الجدار بعد وفاته ؟!

فهل تستطيع الآن مثلا وأنت أمام روضة النبيّ وقبره الشريف أن ترفع صوتك والله تعالى يقول : ( لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ ) (5) ، وهل تستطيع القول إنّ ذلك كان خاصّا في حياته صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم ؟! لا أتصوّر عاقلا يقول بذلك.

ثم لو كان التوسّل به صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم حراما بعد حياته لما أجمعت الأمة بكلّ فرقها وعلمائها على هذا الفعل ولم يستشكلوا يوما أو يشكوا في هذا العمل ، وأحمد بن حنبل الذي يدعي الوهّابيون أنّهم يرجعون له في المذهب كان يتوسّل ويدعو عند قبر رسول الله. وعلى القول بالحرمة ، يكون كلّ سلف هذه الأمة وعلمائها مشركون خرجوا من ربقة الإسلام ويبقى ابن تيمية ومن والاه على الحنيفية السمحاء.

وأنا أزيدك أن التوسل بالرسول صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم كان جائزا حتّى قبل ولادته. ألا تقرأ قوله تعالى : ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) (6) ، فاليهود كانوا في حروبهم مع الأوس والخزرج ، يتوسلون بالرسول المبعوث في آخر الزمان فينتصرون (7).

جيّد ، لننتقل إلى مسألة التبرّك .. قلت ذلك معلّقاً على كلام صديقي ، بعد أن رأيت أنّه فعلا لا محذور ولا ضير في التوسّل بالصالحين فضلا عن سيّد الصالحين رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم ، فإنهم وجهاء عند الله تعالى ولكلّ درجات.

أخذ صديقي كوباً من الماء فشربه وقال : لقد جعلتني أتكلّم كثيرا اليوم. التبرّك يا صديقي قريب من التوسّل وهو أن تتبرك ـ طلبا للبركة ـ بآثار نبيّ أو صديق أو شهيد.

قاطعت صديقي قائلا : أعطني دليلا من القرآن.

« إنّ الله تعالى بارك أمكنة وأزمنة معينة ، كما بارك فعل الصالحين من عباده. فمن الأمكنة المباركة بدليل القرآن : بيت المقدس (8) أو المسجد الأقصى ، وكذلك وادي طوى (9) حين كلّم الله تعالى عبده ونبيّه موسى عليه‌ السلام ، كذلك بيت الله الحرام (10) ، كما بارك تعالى مقام إبراهيم عليه‌ السلام وأمرنا أن نتخذه مصلّى ، ومن الأزمنة المباركة : ليلة القدر (11) ، كما بارك أيّاما مثل يوم الجمعة ، وبارك فعل هاجر أُمّ إسماعيل فجعل بعضا من أفعالها التي قامت بها شعائر في الحجّ.

ولهذا تجد مثلا أنّ الصلاة في البيت الحرام تعدل كذا ألف صلاة في غيره ، لماذا ؟! لأنّ بركته أكبر وأعظم ، وهكذا ...

وقد ذكر لنا القرآن رأي المؤمنين الذين غلبوا على أمرهم في قصة أصحاب الكهف : ( قال الَّذينَ غَلبُوا عَلَى أمْرِهم لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدَا ) (12) ، بينما نجد الوهابيين اليوم يهدمون مقامات الأولياء. وهناك أحاديث (13) حول التبرّك بالرسول صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم وآثاره أذكر لك منها لاحقا إن شاء الله لأنها لا تحضرني الآن

وكالتوسّل جرت سيرة السلف على التبرك ، فقد كان أحمد بن حنبل مثلا يتبرك بشعر وقصعة رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم (14) ، والمسلمون احتراما للرسول صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم يتبركون بقبره ، ويتبركون بالقرآن فيعظمونه ويقبّلونه. فالمسلمون لا يقصدون تعظيم أحجار القبر أو رخامه ، وإلاّ فإنّ المسلم لا يمكن أن يقبّل رخام قصر الإليزيه مثلا ولا يتمسّح بأحجار الأهرام ، ولن ترى مسلما يقبّل شبّاكا عاديّا ولو وضعت عليه أنفس جواهر وزخرف الدنيا.

والعجب ! أنّ الوهابيّة تدّعي أنّها تقتدي بالسلف وهي مخالفة للسلف مائة وثمانون درجة. فإذا كان التوسّل شركا فأحمد بن حنبل مشرك ، وإذا كان التبرك بدعة فأحمد بن حنبل مبتدع.

وقد أفاض علماؤنا في هذه المواضيع لكن ماذا تفعل والقوم لا يقرؤون ، بل : ( جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ ... ) (15) ، بل أكثر من هذا ، عادوا كلّ المستحدثات العلمية « كالتلفزيون » و « الفيديو » وغيرها (16) !!

اكتفيت من صديقي بهذا البيان وكنت أريد الإطراد لولا أنّي خشيت أن أُثقل عليه ، لذا شكرته على ما أفادني به وأسرعت بالخروج.

 

الهوامش

1. جمع شريف وينسب إلى من ينحدر من سلالة رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم.

2. أنظر : صحيح البخاري ٨ / ١٥١ باب الحوض.

3. سورة يوسف : ٩٧ ـ ٩٨.

4. سورة النساء : ٦٤ ، وانظر : سنن ابن ماجة : في حادثة الضرير الذي توسّل بالرسول صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم ليعود له بصره فعاد ١ / ٤٣٦ باب صلاة الحاجة.

5. سورة الحجرات : ٢.

6. البقرة : ٨٩.

7. تفسير روح المعاني للآلوسي ١ / ٣١٩.

8. ( إِلَى الْمَسْجِدَ الأَقْصَى الذي بَارَكْنَا حَوْلَه ) [ سورة الإسراء : ١ ].

9. ( إِنَّكَ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوَى ) [ سورة طه : ١٢ ].

10. ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْت وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكَا ) [ سورة آل عمران : ٩٦ ].

11. ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة ) [ سورة الدخان : ٣ ].

12. سورة الكهف : ٢١ ، أنظر : تفسير الطبري ١٥ / ١٤٧ ، الدر المنثور ٥ / ٣٧٠.

13 أنظر مثلا : صحيح مسلم ٤ / ١٨١٦ كتاب الفضائل ، مستدرك الحاكم ٤ / ٥١٥.

14. أنظر : مقدمات الجزء ١ من المسند بتحقيق أحمد محمّد شاكر : آداب أحمد بن حنبل : ٥٧ ، وانظر تبرك معاوية بشعر رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم : تاريخ الإسلام للذهبي حوادث سنة ٤١ ـ ٦٠ ، وكذلك في الكامل في التاريخ ٤ / ٧.

15. سورة نوح : ٧.

16. كما فعل الطالبان في أفغانستان وأعطوا وجها مشوّها متخلّفاً للإسلام من حيث لا يشعرون. ولا يخفى أنهم دمى في أيدي المخابرات الغربيّة.

 

مقتبس من كتاب حوار مع صديقي الشيعي

 

أضف تعليق


التوسّل

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية