ماذا تعني كلمة « مولاه » في حديث الغدير ؟!

البريد الإلكتروني طباعة

ماذا تعني كلمة « مولاه » في حديث الغدير ؟!

قبل أن نُبينَ ماذا تعني كلمة « مولاه » لابدّ من الإشارة إن أمير المؤمنين علي عليه السلام ليس بحاجة من يدافع عن حقّه وهو من وردت فيه الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة فالله سبحانه وتعالى هو الذي ولّاه بعد نبيّه وصيّاً وخليفة للمؤمنين وقد عرف ذلك كل ذي لبٍ متقدٍ ورأي طاهر لم تلوثه أدران الجاهليّة.

فواقعة الغدير وخطبة الرسول العظيم صلى الله عليه وآله في حجّة الوداع خطبةٌ تاريخيّة أجمع عليها كلّ فقهاء المسلمين والمؤرّخين ، ورواة الحديث على اختلاف مذاهبهم فذكروها بالإجماع (1) ..

واتّفقوا على ما جاء بها من إن الإمام علي عليه السلام هو المقصود بتلك الخطبة دون غيره .. وإنّهم اتّفقوا عليها ولم يذكر أي واحد من المسلمين أن الخطبة جاءت في غير علي عليه السلام ؟

وقد اختلف البعض في تفسير الخطبة هل جاءت بالوصيّة نصّاً على خلافة علي عليه السلام لرسول الله وإدارة شؤون المسلمين من بعده أم هي وصيّة للحفاظ على موقعه السيادي في الإسلام ومنزلته العظيمة لدى رسول الله ..

ومن أجل أن نضع النقاط على الحروف ونغور بعالم الكلمة لابدّ لنا من تحليل نصّ خطبة الرسول صلّى الله عليه وآله التي ألقاها على المسلمين في « غدير خم » وهي قوله صلّى الله عليه وآله : « من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللّهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأنصر من نصره ، وأخذل من خذله ، وأدر الحق معه حيث دار » (2).

* لقد جعل الرسول صلّى الله عليه وآله للإمام علي عليه السلام المقام الذي جعله الله له.

* إنّ النبي صلّى الله عليه وآله أراد بالمولى الإمامة.

قالها رسول الله ولا من أحدٍ قد شذّ عن الاتّفاق عليها من الصحابة ورواة الحديث فقد أجمعوا بأنّها وقعت بغدير خم في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة للعام العاشر من الهجرة النبويّة 632 ميلاديّة ...

لقد قدم رسول الله لخطبته نعيه لنفسه « فما يعني بذلك » وهو رسول الله ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) فقال صلّى الله عليه وآله لعليّ : « لا ألقاكم بعد عامكم هذا .. ويوشك أن يأتي رسول ربّي وأدعى ، فأجيب .. » ثمّ رفع يد علي بن أبي طالب إلى الأعلى ... قائلاً :

وهنا لابد لنا من ذكر نصّ ما ذكر في « الصواعق المحرقة لابن حجر » ففيه الجواب لما نرغب في الذهاب إليه من حقائق النصّ الخطابي لرسول الله صلى الله عليه وآله. (3) ذكر ابن حجر في « صواعقه ».

أخرج الطبراني في « المعجم الكبير » بسندٍ صحيح عن زيد بن أرقم ... وعن حذيفه بن أسيد الغفاري .. قال :

خطب رسول الله صلّى الله عليه وآله بغدير خم ، تحت شجرات .. فقال صلّى الله عليه وآله : « أيها الناس ، يوشك أن أدعى فأجيب .. وإني مسؤول ، وإنكم مسؤولون .. فماذا أنتم قائلون ؟ ».

قالوا : نشهد أنّك قد بلّغت .. وجاهدت .. ونصحت .. فجزاك الله خيراً .. فقال صلّى الله عليه وآله : « أليس تشهدون أن لا إله إلّا الله ، وإنّ محمدٌ عبده ورسوله .. وانّ جنّته حق ، وأنّ ناره حقّ ، وأنّ الموت حقّ ، وأنّ البعث حقٌ بعد الموت ، وإنّ الساعة آتيةٌ لا ريب فيها .. وإنّ الله يبعث من في القبور ؟ ».

قالوا : بلى نشهد بذلك.

فقال صلى الله عليه وآله : « اللّهم أشهد » ثمّ قال صلّى الله عليه وآله : « يا أيّها الناس إنّ الله مولاي .. وأنا مولى المؤمنين .. وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه ، فهذا عليٌ مولاه ... اللّهم وال من والاه ، وعاد من عاداه .. ».

وهناك نصّ قصيدة حسان بن ثابت ـ شاعر الرسول ـ يؤكّد ما ذهبنا إليه من إن « من كنت مولاه » تعني : الولاية ، أي وليّه (4) ...

قال حسان بن ثابت الأنصاري : ائذن لي يا رسول الله ، أن أقول في علي أبياتاً فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله : « قل على بركة الله ».

فقام حسان منشداً :

     

يناديهم يوم الغدير نبيّهم

 

بخمٍ وأسمـع بالرسول مناديا

فقال : فمن مولاكم ونبيّكم

 

فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا

إلهك مولانا وأنت نبيّنا

 

ولم تلق منا في الولاية عاصيا

فقال لك : قم يا علي فأنّني

 

رضيتك من بعدي إماماً وهاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليّه

 

فكونوا له أتباع صدقٍ مواليا

فلمّا فرغ من هذا القول قال له النبي صلّى الله عليه وآله : « لا تزال يا حسان مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك » فلولا أنّ النبي صلّى الله عليه وآله أراد بالمولى الإمامة ، لما أثنى على حسان بأخباره بذلك ولا نكرهُ عليه وهذا صريح الإقرار بإمامة الإمام علي وولايته بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله من جهة القول لرسول الله في يوم الغدير والذي لا يمكن تأويله ، ولا يحتمل التأويل ، ولا يسوغ صرفه إلى غير حقيقته.

وفي رواية ابن عبّاس : إنّ الله أمره أن يخبر الناس بولاية علي فتخوف أن يقولوا : حابى ابن عمّه ، وان يطعنوا في ذلك عليه. فنزلت الآية في غدير خم (5) : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) فأخذ بيد علي وقال : « من كنت مولاه فعلي مولاه ... ».

* لقد تولى رسول الله صلّى الله عليه وآله بنفسه وبأمر إلهي مهمّة الإعداد الفكري والعلمي لعليّ.

* لقد كان الرسول صلّى الله عليه وآله يعد الأمّة الإسلاميّة إعداداً فكريّاً لترسيخ ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام.

لقد توّلى رسول الله صلّى الله عليه وآله بنفسه وبأمر إلهي مهمّة الإعداد الفكري والعلمي لعليّ ، وتزويده دون سواه بالمعرفة القرآنيّة الشاملة ، وبأصول العلوم وينابيعها وبالحكمة وآدابها ، وبأحكام المعرفة بالشريعة حلالها وحرامها ، وكان صلّى الله عليه وآله يعد الأمّة الإسلاميّة إعداداً فكريّاً لترسيخ ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام.

والشواهد على ذلك كثيرة منها : حديث « الدار » و « المنزلة » و « الثقلين » ورد الودائع في مكّة ، أداءه عن النبي سورة براءة ، ... ومواقف وأحاديث أخرى لا يتّسع القرطاس لتدوينها ولكن أهمّها وأوضحها نصّاً لولايته عليه السلام هو حديث الغدير.

ويحدثنا الرواة والتاريخ بانّ الرسول صلّى الله عليه وآله لما فرغ من خطبته بايع من حضر خطبة الغدير عليّاً بالخلافة بعد الرسول وبإمرة المؤمنين (6) .. وجاء الشيخان : أبو بكر وعمر إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وقالا : هذا أمرٌ منك أم من الله ؟ فقال النبي وهل يكون هذا عن غير أمر الله نعم أمرٌ من الله ورسوله فقاما وبايعا ، فقال عمر : لعلي السلام عليك يا أمير المؤمنين بخٍ بخٍ لك لقد أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة. وقبل أن ينفض الناس عن غدير خم هبط « جبرائيل » على النبي بقوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ).

وقد اتّفق على هذا ثقاة رواة الحديث (7) في نزولها بحقّ يوم الغدير.

إنّ كلمة « مولى » فسّرها اللغويّون على عدّة وجوه ولكن ما يهمّنا هو أنّها تعني المكلّف بالأمر أو المسؤول عنه ، والمولى : الموالي أو السيّد القدير ، التابع (8).

قال سيّد الكائنات محمّد صلّى الله عليه وآله « من كنت مولاه ... » وعنيّ بها من كان يدين للنبي بالولاية ، ويؤمن بولايته ويلتزم بها ، ويطيعه فيما يأمرهم بأذن الله تعالى لأنّ إطاعة النبي صلّى الله عليه وآله أوجبها على المسلمين رب العالمين سبحانه وتعالى ..

فهي فريضة من فرائض الإسلام أوجبت حبّ نبيّهم .. وحبّه من حبّ الله .. ذلك لأنّ من أحبّ النبي ، فقد أحب الله ...

إذن أوجب سبحانه وتعالى موالاة النبي صلّى الله عليه وآله وطاعته وحبّه .. وإلّا فلا يكون المسلم مسلماً بغيرها .. وقد جعل الله تعالى لنبيّه الولاية عليهم .. وفي قوله صلى الله عليه وآله : « ... فهذا عليٌ مولاه » نستنتج إنّه جعل للإمام علي عليه السلام المقام الذي جعله الله له .. حيث أعطى النبي لعلي ما أعطاه الله له صلّى الله عليه وآله وبأمر من الله سبحانه وتعالى ... فأمر بقيادته للمسلمين من بعده وولايته عليهم .. وأمر المسلمين جميعاً أن يعقدوا له الولاية والطاعة ، كما كانوا يوالونه ويطيعونه صلّى الله عليه وآله.

ودعا ربّه أن ينصر من يواليه ، ويطيعه ويعاد من يحاربه ويعاديه ويخذله.

وقد قال عنه صلّى الله عليه وآله في مواضع أخرى : « ... إنّه ليس أحد أحقّ منك بمقامي لقدمك في الإسلام ، وقربك مني » (9).

و « لكل نبيٍّ وصي ، وأنا وصيي علي بن أبي طالب .. » (10).

و « أنا خاتم الأنبياء ، وعلي خاتم الأوصياء » (11).

وعن أم المؤمنين ـ أم سلمه ـ رضي الله عنها قالت قال رسول الله : « إن الله اختار لكلّ نبي وصيّاً ، وعلي وصيّي في عترتي وأهل بيتي وأمّتي من بعدي » (12).

ولعلّ سائل يسأل إن كان حديث الغدير صحيحاً لم لم يحتج به الإمام علي عليه السلام يوم السقيفة.

نقول .. لم يحتجّ الإمام بحديث الغدير يوم السقيفة ، لسبب جلي وبسيط .. وهو انّه لم يحضر السقيفة أصلاً ولم يشارك فيها .. بل عزّ على القوم أن يكون بينهم لعلمهم بأن مقاييس أمورهم ستنقلب بوجوده ، .. فلقد كان شغله الشاغل آنذاك وهمه الكبير تحضير جنازة أعظم مخلوق ، وأجل إنسان ، وسيّد كلّ مرسل .. ألا وهو الرسول القائد العظيم وحزنه بفقدانه لا تسعه الأحزان ورزيته بموته الذي هزّ كيان الأمّة الإسلاميّة جعلته بمنأى عن مآرب الآخرين ..

لكن الإمام علي عليه السلام ذكر واقعة الغدير بعد حين في خطبته « الشقشقيّة » التي قصد فيها تثبيت حقّه للمسلمين ، وللتأريخ .. فكان له ذلك دون شكّ أو ريب ، بعد أن رأى فرصة إظهار الحقّ قد تحقّقت وآن أوانها ...

الهوامش

1. راجع كتاب الغدير للسيّد محسن الأمين.

2. أخرجه الإمام احمد بن حنبل في مسنده ج 1 ص 119.

3. الصواعق المحرقة لابن حجر العسقلاني ص 25.

4. كفاية الطالب للكنجي الشافعي.

5. مناقب الخوارزمي ص 94 .. رواه النسائي في « الخصائص » وابن الجوزي في « المناقب ».

6. الإمام علي جدل الحقيقة ، محمود محمّد العلي.

7. علي إمام المتّقين ، عبد الرحمن الشرقاوي.

8. المنجد في اللغة العربيّة المعاصرة.

9. رواه أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره.

10. رواه ابن عساكر في تأريخه والخوارزمي.

11. المصدر السابق .. ذخائر العقبى.

12. مسند احمد الثعلبي في الكشف والبيان ، فرائد السبطين للحمويني.

 

أضف تعليق


الغدير

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية