قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في صدر الحديث الغدير « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم » ؟

البريد الإلكتروني طباعة

قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في صدر الحديث ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟

لقد صدر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حديث الغدير جملة هي قوله : « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم » ، وهذا دليل واضح وبرهان قاطع على أن « المولى » في حديث الغدير معناه « الأولى بالتصرف ».

وهذا الدليل يتمّ بإثبات أمور :

١ ـ ثبوت جملة « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ».

٢ ـ دلالة هذه الجملة على أولويّة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بالتصرف.

٣ ـ دلالة مجيء هذه الجملة قبل حديث الغدير على كون المراد من « المولى » في الحديث نفس المراد من « الأولى » في تلك الجملة.

ولنشرع في إثبات هذه الأمور حتّى يتمّ الدليل :

١ ـ ذكر من روى جملة « ألست أولى ... » في حديث الغدير

أمّا الجملة المذكورة فلا ريب في ثبوتها ، وممّن رواها مع حديث الغدير :

١ ـ معمر بن راشد أبو عروة الأزدي.

٢ ـ عبد الله بن نمير الخارفي الكوفي.

٣ ـ أبو نعيم فضل بن دكين شيخ البخاري.

ـ عفان بن مسلم.

٥ ـ علي بن حكيم الأودي.

٦ ـ عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة.

٧ ـ عبيد الله بن عمر القواريري.

٨ ـ قتيبة بن سعيد الثقفي البلخي البغلاني.

٩ ـ أحمد بن حنبل الشيباني.

١٠ ـ أبو عبد الله محمّد بن يزيد بن ماجة القزويني.

١١ ـ عبد الله بن أحمد بن حنبل.

١٢ ـ أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار.

١٣ ـ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي.

١٤ ـ أبو العباس حسن بن سفيان بن عامر.

١٥ ـ أبو يعلى أحمد بن علي الموصلي.

١٦ ـ محمّد بن جرير الطبري الشافعي.

١٧ ـ محمّد بن علي بن الحسين المعروف بالحكيم الترمذي.

١٨ ـ أبو زكريّا يحيى بن عبد الله الغبري.

١٩ ـ دعلج بن أحمد السجزي.

٢٠ ـ أبو حاتم محمّد بن حبان البستي.

٢١ ـ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني.

٢٢ ـ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني.

٢٣ ـ أحمد بن محمّد الثعلبي.

٢٤ ـ إسماعيل بن علي بن حسين بن زنجويه المعروف بابن السمان.

٢٥ ـ أبو سعيد مسعود بن ناصر السجستاني.

٢٦ ـ علي بن حسن بن حسين الخلعي.

٢٧ ـ أحمد بن محمّد العاصمي.

٢٨ ـ عبد الكريم بن محمّد المروزي السمعاني.

٢٩ ـ الموفق بن أحمد المكّي الخوارزمي.

٣٠ ـ عمر بن محمّد بن خضر الأردبيلي المعروف بالملّا.

٣١ ـ أبو موسى محمّد بن أبي بكر المديني.

٣٢ ـ أبو الفتوح أسعد بن محمود العجلي الاصفهاني.

٣٣ ـ محبّ الدين أحمد بن عبد الله الطبري.

٣٤ ـ إبراهيم بن عبد الله الوصابي.

٣٥ ـ إبراهيم بن محمّد الحموئي الجويني.

٣٦ ـ جمال الدين الزرندي.

٣٧ ـ إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي.

٣٨ ـ علي بن شهاب الدين الهمداني.

٣٩ ـ أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي.

٤٠ ـ نور الدين علي بن محمّد المعروف بابن الصباغ.

٤١ ـ حسين بن معين الدين الميبدي.

٤٢ ـ عبد الله بن عبد الرحمن المشهور بأصيل الدين المحدّث.

٤٣ ـ عطاء الله بن فضل الله المحدّث الشيرازي.

٤٤ ـ محمود بن محمّد بن علي الشيخاني.

٤٥ ـ نور الدين علي الحلبي.

٤٦ ـ حسام الدين بن محمّد بايزيد السهارنبوري.

٤٧ ـ ميرزا محمّد بن معتمد خان البدخشاني.

٤٨ ـ محمّد صدر العالم.

٤٩ ـ أحمد بن عبد القادر.

٥٠ ـ المولوي محمّد مبين.

ومن هنا يظهر سقوط مكابرة فخر الدين الرازي في قوله : « ثمّ إن سلّمنا صحّة أصل الحديث ، ولكن لا نسلم صحّة تلك المقدّمة وهي قوله عليه السلام : ألست أولى بكم من أنفسكم. بيانه : إن الطرق التي ذكرتموها في تصحيح أصل الحديث لم يوجد في شيء منها هذه المقدّمة ، فإن أكثر من روى أصل الحديث لم يرو تلك المقدّمة ، فلا يمكن دعوى إطباق الأمّة على قبولها ، لأن من خالف الشيعة إنّما يروون أصل الحديث للاحتجاج به على فضيلة علي رضي الله عنه ، ولا يروون هذه المقدّمة. وأيضاً فلم يقل أحد أن عليّاً رضي الله عنه ذكرها يوم الشورى ، فثبت أنه لم يحصل في هذه المقدّمة شيء من الطرق التي يثبتون أصل الحديث بها ، فلا يمكن إثبات هذه المقدّمة » (1).

ولا يخفى عليك التهافت بين قوله : « فإن أكثر من روى هذا الحديث ... ».

وقوله : « لأن من خالف الشيعة إنما يروون ... ».

كما يسقط إنكار إسحاق الهروي القائل : « ومن رواه لم يرو أول الحديث أيّ قوله : ألست أولى بكم من أنفسكم. وهو القرينة على كون المولى بمعنى الأولى ... ».

بل يكفي في إبطال دعوى الرازي والهروي اعتراف « الدهلوي » حيث ذكر : « إن قول النبي : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم مأخوذ من الآية القرآنيّة ، ومن هنا جعل ذلك من المسلّمات لدى أهل الإسلام ، ثمّ فرّع عليه الحكم التالي له ».

٢ ـ دلالة الجملة على أولويّة النبي بالتصرف

وأيضاً ، فلا ريب في دلالة مقدّمة الحديث وهي قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ على أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم أولى من المؤمنين بالتصرف مطلقاً ، فإنّ هذه الجملة متّخذة ـ كما اعترف « الدهلوي » ـ من الآية الكريمة في القرآن العظيم ... وهي تدلّ على الأولويّة بالتصرّف ، وقد اعترف بذلك كبار علماء أهل السنّة ومشاهير أساطينهم في مختلف العلوم والفنون :

قال الواحدي : « قوله : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ). أيّ إذا حكم عليهم بشيء نفذ حكمه ووجب طاعته عليهم. قال ابن عبّاس : إذا دعاهم النبي إلى شيء ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي أولى بهم من طاعة أنفسهم » (2).

وقال البغوي : « ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ). أيّ من بعضهم ببعض في نفوذ حكمه عليهم ووجوب طاعته عليهم. وقال ابن عباس وعطا : يعني إذا دعاهم النبي صلّى الله عليه وسلّم ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي صلّى الله عليه وسلّم أولى بهم من طاعة أنفسهم. وقال ابن زيد : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) فيما قضى فيهم كما أنت أولى بعبدك فيما قضيت عليه. وقيل : أولى بهم في الحمل على الجهاد وبذل النفس دونه. وقيل : كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يخرج إلى الجهاد فيقول قوم نذهب ونستأذن من أبنائنا وأمّهاتنا ، فنزلت الآية.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمّد بن يوسف أنا محمّد بن إسماعيل أنا عبد الله بن محمّد أنا أبو عامر أنا فليح عن هلال بن علي عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة : إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال : ما من مؤمن إلّا أنا أولى به في الدنيا والآخرة ، اقرءوا إن شئتم ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) فأيّما مؤمن مات وترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا ، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه » (3).

وقال القاضي البيضاوي : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) في الأمور كلّها ، فإنّه لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلّا بما فيه صلاحهم ، بخلاف النفس ، فلذلك أطلق ، فيجب عليهم أن يكون أحبّ إليهم من أنفسهم ، وأمره أنفذ فيهم من أمرها ، وشفقتهم عليه أتمّ من شفقتهم عليها.

روى أنه صلّى الله عليه وسلّم أراد غزوة تبوك فأمر الناس بالخروج ، فقال ناس : نستأذن آبائنا وأمهاتنا. فنزلت » (4).

وقال جار الله الزمخشري : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ ) في كلّ شيء من أمور الدنيا والدين من أنفسهم ، ولهذا أطلق ولم يقيّد ، فيجب عليهم أن يكون أحبّ إليهم من أنفسهم ، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها ، وحقّه آثر لديهم من حقوقها ، وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها ، وأن يبذلوها دونه ويجعلوها فداءه إذا أعضل خطب ووقاءه إذا ألقحت حرب ، وأن لا يتبعوا ما تدعوهم إليه نفوسهم ولا ما تصرفهم عنه ويتبعوا كلما دعاهم إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصرفهم عنه ... » (5).

وقال قاضي القضاة أبو العباس أحمد بن الخليل الخويي * توجد ترجمته في كتب الطبقات ، قال ابن قاضي شهبة : أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى المهلبي ، قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس الخويى. ولد بخوي في شوال سنة ٥٨٣ ... قال السبكي في الطبقات الكبرى : وقرأ الفقه على الرافعي ، وقرأ علم الجدل على علاء الدين الطوسي وسمع الحديث من جماعة ... قال الذهبي : كان فقيهاً إماماً مناظراً خبيراً بعلم الكلام أستاذاً في الطب والحكمة ديّنا كثير الصلاة والصيام. توفي في شعبان سنة ٧٣٧ * قال بتفسير الآية المباركة :

« تقرير لصحّة ما صدر منه صلّى الله عليه وسلّم من التزوّج بزينب ، وكأن هذا جواب عن سؤال وهو : إن قائلاً لو قال : هب أنّ الأدعياء ليسوا بأبناء كما قلت لكن من سمّاه غيره ابنا إذا كان لدعيّه شيء حسن لا يليق بمروته أن يأخذه منه ويطعن فيه عرفا.

فقال الله تعالى : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ ) جواباً عن ذلك السؤال وتقريره هو : إن دفع الحاجات على مراتب : دفع حاجة الأجانب ، ثمّ دفع حاجة الأقارب الذين على حواشي النساء ، ثمّ دفع حاجة الأصول والفصول ، ثمّ دفع حاجة النفس. والأوّل عرفاً دون الثاني وكذلك شرعاً ، فإن العاقلة تتحمّل الدية منهم ولا تتحمّلها عن الأجانب ، والثاني دون الثالث وهو ظاهر بدليل النفقة ، والثالث دون الرابع فإن النفس مقدم على الغير وإليه أشار النبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله : ابدأ بنفسك ثمّ بمن تعول.

إذا علمت هذا فالإنسان إذا كان معه ما يغطي به أحد الرجلين ويدفع به حاجة من شقي بدنه فأخذ العطاء من أحدهما وغطى به الأخرى لا يكون لأحد أن يقول : لم فعلت ؟ فضلاً من أن يقول بئس ما فعلت. اللهم إلّا أن يكون أحد العضوين أشرف من الآخر ، مثل ما إذا وقى الإنسان عينه بيده ويدفع البرد عن رأسه الذي هو معدن حواسه ويترك رجله تبرد ، فإنّه الواجب عقلاً. فمن يعكس الأمر يقال له : لم فعلت ؟

وإذا تبيّن هذا فالنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فلو دفع المؤمن حاجة نفسه دون حاجة نبيّه يكون مثله من يدهن شعره ، ويكشف رأسه في برد مفرط قاصداً به تربية شعره ولا يعلم أنّه يؤذي به رأسه الذي لا نبات لشعره إلّا منه.

فكذلك دفع حاجة النفس لفراغها إلى عبادة الله ولا علم بكيفيّة العبادة إلّا من الرسول ، لو دفع الإنسان حاجة لا للعبادة فهو ليس دفعاً للحاجة ، إذ هو فوق تحصيل المصلحة ، وهذا ليس فيه مصلحة فضلاً من أن يكون حاجة ، وإن كان للعبادة فترك النبي الذي منه يتعلّم كيفيّة العبادة في الحاجة ودفع الحاجة ، مثل تربية الشعر مع إهمال أمر الرأس. فبين أن النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا أراد شيئاً حرم على الأمّة التعرّض إليه في الحكمة الواضحة » (6).

وقال النسفي : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) أيّ أحقّ بهم في كل شيء من أمور الدين والدنيا ، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها ، فعليهم أن يبذلوا نفسه دونه ويجعلوها فداءه ، أو هو أولى بهم أيّ أرأف بهم وأعطف عليهم وأنفع لهم (7).

وقال النيسابوري : « ثمّ إنّه كان لقائل أن يقول : هب أن الدّعي لا يسمّى ابنا ، أمّا إذا كان لدعيّه شيء أحسن فكيف يليق بالمروة أن يطمع عينه إليه وخاصّة إذا كان زوجته ، فلذلك قال في جوابه : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) والمعقول فيه : إنّه رأس الناس ورئيسهم فدفع حاجته والاعتناء بشأنه أهمّ ، كما أن رعاية العضو الرئيس وحفظ صحّته وإزالة مرضه أولى ، وإلى هذا أشار النبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله : ابدأ بنفسك ثمّ بمن تعول.

ويعلم من إطلاق الآية أنّه أولى بهم من أنفسهم في كلّ شيء من أمور الدنيا والدين. وقيل : إن أولى بمعنى أرأف وأعطف ، كقوله : ما من مؤمن إلّا أنا أولى به في الدنيا والآخرة ، اقرءوا إن شئتم : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) فأيّما مؤمن هلك وترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا ، وان ترك دينا أو ضياعاً أيّ عيالاً فإليّ » (8).

وقال المحلّي : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) فيما دعاهم إليه ودعتهم أنفسهم إلى خلافه » (9).

وقال الشربيني : « ولمّا نهى تعالى عن التبني وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم قد تبنى زيد بن الحارثة مولاه لما اختاره على أبيه وعمّه كما مرّ ، علّل تعالى النهي فيه بالخصوص بقوله تعالى دالّاً على أنّ الأمر أعظم من ذلك. « النبي » أيّ الذي ينبئه الله تعالى بدقائق الأحوال في بدائع الأحوال ، ويرفعه دائماً في مراقي الكمال ، ولا يريد أن يشغله بولد ولا مال ( أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ ) أيّ الراسخين في الايمان فغيرهم أولى ، في كلّ شيء من أمور الدين والدنيا ، لما حازه من الحضرة الربانيّة من أنفسهم فضلاً عن آبائهم في نفوذ حكمه فيهم ووجوب طاعته عليهم.

روى أبو هريرة رضي الله عنه : أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال : ما من مؤمن إلّا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة ، اقرءوا إن شئتم : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) فأيّ مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا ، فإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه.

وعن جابر : إنّه صلّى الله عليه وسلّم كان يقول : أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه ، فأيّما رجل مات وترك ديناً فإليّ ، ومن ترك مالاً فهو لورثته.

وعن أبي هريرة قال : كان المؤمن إذا توفي في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يسأل : هل عليه دين ؟ فإن قالوا : نعم. قال : هل ترك وفاء لدينه ؟ فإن قالوا : نعم ، صلّى عليه ، وان قالوا : لا قال : صلّوا على صاحبكم ، وإنّما لم يصلّ عليه صلّى الله عليه وسلّم أولا فيما إذا لم يترك وفاء لأن شفاعته صلّى الله عليه وسلّم لا ترد.

وقد ورد : إنّ نفس المؤمن محبوسة عن مقامها الكريم ما لم يوف دينه. وهو محمول على من قصّر في وفائه في حال حياته ، أمّا من لم يقصّر لفقره مثلاً فلا ، كما أوضحت ذلك في شرح المنهاج في باب الرهن.

وإنما كان صلّى الله عليه وسلّم أولى بهم من أنفسهم لأنّه لا يدعوهم إلّا إلى العقل والحكمة ، ولا يأمرهم إلّا بما ينجيهم ، وأنفسهم ربّما تدعوهم إلى الهوى والفتنة فتأمرهم بما يرديهم ، فهو يتصرّف فيهم تصرّف الآباء ، بل أعظم بهذا السبب الرباني ، فأيّ حاجة إلى السبب الجسماني ؟ » (10).

وقال ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي بشرح الحديث الأوّل من كتاب الفرائض ـ وهو : عن همام عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : أنا أولى الناس بالمؤمنين في كتاب الله عزّ وجلّ ، فأيّكم ما ترك ديناً أو ضيعة فادعوني فأنا وليّه ، وأيّكم ما ترك مالاً فليورّث عصبته من كان ـ قال :

« فيه فوائد : « الأولى » ـ أخرجه مسلم من هذا الوجه عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق. وأخرجه الأئمّة الستة خلا أبا داود من طريق الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ...

« الثانية » ـ قوله : أنا أولى الناس بالمؤمنين. إنما قيّد ذلك بالناس لأنّ الله تعالى أولى بهم منه ، وقوله في كتاب الله عز وجل ، إشارة إلى قوله تعالى : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) وقد صرح بذلك في رواية البخاري من طريق عبد الرحمن بن أبي عمرة ...

« الثالثة » : يترتب على كونه عليه الصلاة والسلام أولى بهم من أنفسهم أنّه يجب عليه إيثار طاعته على شهوات أنفسهم وإن شقّ ذلك عليهم ، وأن يحبّوه أكثر من محبّتهم لأنفسهم ، ومن هنا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم : لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين. وفي رواية أخرى : من أهله وماله والناس أجمعين ، وهو في الصحيحين من حديث أنس. ولما قال له عمر رضي الله عنه : لأنت أحبّ إليّ من كلّ شيء إلّا نفسي ، قال له : لا والذي نفسي بيده حتّى أكون أحبّ إليك من نفسك. فقال له عمر : فإنّه الآن والله لأنت أحبّ إليّ من نفسي. فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم : الآن يا عمر. رواه البخاري في صحيحه : قال الخطابي : لم يرد به حب الطبع ، بل أراد حبّ الاختيار ، لأن حبّ الإنسان نفسه طبع ولا سبيل إلى قلبه. قال : فمعناه لا تصدق في حبّي حتّى تفني في طاعتي نفسك وتؤثر رضاي على هواك وان كان فيه هلاكك.

« الرابعة » : استنبط أصحابنا الشافعيّة من هذه الآية الكريمة أن له عليه الصلاة والسلام أن يأخذ الطعام والشراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج عليه الصلاة والسلام إليهما ، وعلى صاحبهما البذل ، ويفدي بمهجته مهجة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وأنّه لو قصده عليه الصلاة والسلام ظالم لزم من حضره أن يبذل نفسه دونه.

وهو استنباط واضح ، ولم يذكر النبي عند نزول هذه الآية ماله في ذلك من الحظّ ، وإنما ذكر ما هو عليه فقال : وأيّكم ما ترك ديناً أو ضياعاً فادعوني فأنا وليّه وترك حظّه فقال : وأيّكم ما ترك مالاً فليورّث عصبته من كان » (11).

وقال البدر العيني بشرح قوله صلّى الله عليه وسلّم : وأنا أولى به في الدنيا والآخرة :

« يعني أحقّ وأولى بالمؤمنين في كلّ شيء من أمور الدنيا والآخرة من أنفسهم ولهذا أطلق ولم يعين ، فيجب عليهم امتثال أوامره واجتناب نواهيه » (12).

وقال الشهاب القسطلاني في كتاب التفسير : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ ) في الأمور كلّها من أنفسهم ، من بعضهم ببعض ، في نفوذ حكمه ووجوب طاعته عليهم. وقال ابن عبّاس وعطا : يعني إذا دعاهم النبي صلّى الله عليه وسلّم ودعتهم نفوسهم إلى شيء ، كانت طاعة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أولى بهم من طاعة أنفسهم انتهى. وإنّما كان ذلك لأنّه لا يأمرهم ولا يرضى إلّا بما فيه صلاحهم ونجاحهم بخلاف النفس. وقوله : النبي ... إلى آخره ثابت في رواية أبي ذر فقط.

... عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال : ما من مؤمن إلّا وأنا أولى الناس به. أي أحقّهم به في كلّ شيء من أمور الدنيا والآخرة ، وسقط لأبي ذر لفظ الناس. اقرءوا إن شئتم قوله عزّ وجلّ : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ )استنبط من الآية أنّه لو قصده عليه السلام ظالم وجب على الحاضر من المؤمنين أن يبذل نفسه دونه » (13).

وقال المنّاوي : « أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم في كلّ شيء ، لأني الخليفة الأكبر الممد لكلّ موجود. فحكمي عليهم أنفذ من حكمهم على أنفسهم وذا قاله لمّا نزلت الآية ... » (14).

وقال العزيزي : « أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه كما قال الله تعالى : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) قال البيضاوي : أيّ في الأمور كلّها ، فإنّه لا يأمرهم ولا يرضى عنهم إلّا بما فيه صلاحهم بخلاف النفس ، فيجب أن يكون أحب إليهم من أنفسهم. إلى آخره. فمن خصائصه صلّى الله عليه وسلّم : إنّه كان إذا احتاج إلى طعام أو غيره وجب على صاحبه المحتاج إليه بذله له صلّى الله عليه وسلّم ، وجاز له أخذه ، وهذا وان كان جائزاً لم يقع ... وأنا ولي المؤمنين. أي متولّي أمورهم ، فكان صلّى الله عليه وسلّم يباح له أن يزوّج ما شاء من النساء ممّن يشاء من غيره ومن نفسه ، وإن لم يأذن كلّ من الولي والمرأة ، وأن يتولّى الطرفين بلا إذن. حم م ن ة » (15).

هذا ، ولقد ذكر السيوطي الأحاديث الدالّة على أولوية النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من المؤمنين في الأمور كلّها بتفسير قوله تعالى : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) حيث قال :

« قوله تعالى : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) أخرج البخاري وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال : ما من مؤمن إلّا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة. اقرءوا إن شئتم : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) فأيّما مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا ، فإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه.

وأخرج الطيالسي وابن مردويه عن أبي هريرة قال : كان المؤمن إذا توفي في عهد رسول الله فأتى به النبي سأل : هل عليه دين ؟ فإن قالوا : نعم قال : هل ترك وفاء لدينه ؟ فإن قالوا : نعم ، صلّى عليه. وإن قالوا : لا قال : صلّوا على صاحبكم ، فلمّا فتح الله علينا الفتوح قال : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن ترك دينا فإليّ ومن ترك مالاً فللوارث.

وأخرج أحمد وأبو داود وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنّه كان يقول : أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه فأيّما رجل مات وترك دينا فإليّ ومن ترك مالاً فهو لوارثه.

وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي عن بريدة رضي الله عنه قال : غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة ، فلمّا قدمت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذكرت عليّاً فتنقّصته ، فرأيت وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تغيّر وقال : يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قلت : بلى يا رسول الله. قال : من كنت مولاه فعلي مولاه » (16).

ومن حديثه الأخير أيضاً ـ بالخصوص ـ يظهر أنّ المعنى المقصود من « ألست أولى ... » هو نفس معنى الآية الكريمة : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ ... ) وإلّا لما ذكر السيوطي هذا الحديث في ذيل الآية المذكورة.

فظهر بطلان منع « الدهلوي » كون معنى « ألست أولى بالمؤمنين ... » الأولويّة بالتصرف في كلّ شيء من كلمات : الواحدي ، والبغوي ، والزمخشري ، والبيضاوي ، والخوئي ، والنسفي ، والنيسابوري ، والعراقي ، والعيني ، والقسطلاني ، والمناوي ، والعزيزي ، والشربيني.

بل إنّ الكابلي أيضاً لم يمنع ذلك ، وإنّما قال : « إن المراد بالمولى المحبّ والصديق. أمّا فاتحته فلا تدلّ على أن المراد به الإمام ، لأنّه إنما صدّره بها ليكون ما يلقي إلى السامعين أثبت في قلوبهم ».

بل تتضح غرابة إنكار « الدهلوي » من كلام ابن تيميّة الشهير بالتعصّب الشديد وعناده للحقّ وأهله ، فقد قال ابن تيميّة : « والنبي صلّى الله عليه وسلّم لم يقل : من كنت واليه فعلي واليه ، وإنما اللفظ : من كنت مولاه فعلي مولاه. وأمّا كون المولى بمعنى الوالي فهذا باطل. فإن الولاية تثبت من الطرفين فإنّ المؤمنين أولياء الله وهو مولاهم. وأمّا كونه أولى بهم من أنفسهم فلا يثبت إلّا من طرفه صلّى الله عليه وسلّم ، وكونه أولى بكلّ مؤمن من نفسه من خصائص نبوّته ، ولو قدّر أنّه نصّ ، على خليفة بعده لم يكن ذلك موجباً أن يكون أولى بكل مؤمن من نفسه ، كما أنّه لا يكون أزواجه أمّهاتهم ، ولو أريد هذا المعنى لقال : من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه. وهذا لم يقله ولم ينقله أحد ، ومعناه باطل قطعاً » (17).

لأنّ ابن تيميّة قد صرّح بأنّ « كونه أولى بكل مؤمن من نفسه من خصائص نبوّته » ولو كان المراد من « الأولويّة » هو « الأحبيّة » لم يكن هذا المعنى من خصائص نبوّته ، لأنّ الأحبيّة يثبتها أهل السنّة للخلفاء وغيرهم ولو بالترتيب ، فعلم أن المعنى أمر عظيم ومقام جسيم يكون من خصائص مقام النبوّة ، ولا يناله صاحب مقام الخلافة ، ووجه ذلك : إنّ هذا المعنى ـ أيّ الأولويّة بكلّ مؤمن من نفسه ـ يقتضي العصمة ، والخلفاء ليسوا معصومين. لكن الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام عصمتهم ثابتة فهذا المقام ثابت لهم ، بل إن كلام ابن تيميّة هنا يثبت العصمة لأمير المؤمنين عليه السلام لثبوت هذه الأولويّة له بالأدلّة السابقة واللاحقة.

٣ ـ المراد من « المولى » في الحديث هو المراد من « الأولى » في الصّدر

وأمّا بيان أن المراد من « المولى » في قوله صلّى الله عليه وسلّم : « من كنت مولاه فعلي مولاه » هو المراد من « الأولى » في قوله في مقدّم الحديث : « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ ... » فيتمّ بوجوه :

« الأوّل » قال كمال الدين محمّد بن عبد الواحد المعروف بابن الهمام في « فتح القدير » : « قوله : وطلاق الأمّة ثنتان حرّاً كان زوجها أو عبداً ، وطلاق الحرّة ثلاثة حرّاً كان زوجها أو عبداً. وقال الشافعي رحمة الله عليه : عدد الطلاق معتبر بالرجال ، فإذا كان الزوج عبداً وهي حرّة حرمت عليه بتطليقتين ، وإن كان هو حرّاً وهي أمة لا تحرم عليه إلّا بثلاث ... وبقول الشافعي قال مالك وأحمد وهو قول عمر وعثمان وزيد بن ثابت رضي الله عنهم ، وبقولنا قال الثوري وهو مذهب علي وابن مسعود.

له ما روي عنه عليه الصلاة والسلام : الطلاق بالرجال والعدّة بالنساء ، قابل بينهما واعتبار العدة بالنساء من حيث العدد ، فكذا ما قوبل به تحقيقاً للمقابلة ، فإنه حينئذ أنسب من أن يراد به الإيقاع بالرجال ، ولأنّه معلوم من قوله تعالى : ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) وفي موطأ مالك رحمه الله ان نفيعاً كان مكاتباً لأمّ سلمة ...

ولنا قوله عليه الصلاة والسلام : طلاق الأمة ثنتان وعدّتها حيضتان ، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والدارقطني عن عائشة ترفعه. وهو الراجح الثابت ، بخلاف ما رواه وما مهّد من معنى المقابلة ، فإنّه فرع صحّة الحديث أو حسنه ، ولا وجود له حديثاً عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بطريق يعرف.

وقال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي : موقوف على ابن عبّاس. وقيل من كلام زيد بن ثابت ، وحديث الموطأ موقوف عليه وعلى عثمان وهو لا يرى تقليد الصحابي ، والإلزام إنما يكون بعد الإستدلال ، لأن حقيقته نقض مذهب الخصم بما لا يعتقده الملزم صحيحاً ، وإلّا يكون نقض مذهب خصمه فقط ، فلا يوجب صحّة مذهب نفسه إلّا بطريق عدم القائل بالفصل ، وهذا لا يكون إلّا إذا كان ما نقض به ممّا يعتقده صحيحاً ، وهو منتف عنده في مذهب الصحابي ، فهو في معتقده غير منقوض فلم يثبت لمذهبه دليل يقاوم ما روينا » (18).

فكما استدلّ الشافعي في تلك المسألة بالمقابلة المذكورة على ما ذهب إليه ، نستدلّ نحن بالمقابلة الموجودة في حديث الغدير بين « من كنت مولاه فعلي مولاه » و « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم » فيلزم الاتّحاد بين الجملتين في المعنى ويتمّ الإستدلال.

وقد ذكر المولوي نظام الدين في « شرح المنار » استدلال الشافعي المذكور عن فتح القدير حيث قال : « ثمّ الحديث الأوّل يعني الطلاق بالرجال آخره : والعدّة بالنساء. أيّ العدد المتعلّق بالعدّة يزداد وينقص بشرف النساء وحسنها ، فعلى الأمة نصف ما على الحرّة ، فيكون معنى الطلاق بالرجال كذلك ليتلاءم السياق من السياق ... ».

« الثاني » إنّ وجود « الفاء » في جملة « من كنت مولاه فعلي مولاه » في طائفة من روايات حديث الغدير دليل صريح على كون هذه الجملة متفرّعة على الجملة السابقة لها :

ففي رواية أحمد بن حنبل من طريق ابن نمير : « فقال أيها الناس ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : بلى. قال : فمن كنت مولاه فعلي مولاه » (19).

وفي روايته من طريق عفّان بن مسلم : « فقال : ألستم تعلمون أو لستم تشهدون أني أولى بكلّ مؤمن من نفسه ؟ قالوا : بلى. قال : فمن كنت مولاه فعلي مولاه » (20).

وفي رواية النسائي من طريق قتيبة بن سعيد : « ثمّ قال : ألستم تعلمون أنّي أولى بكلّ مؤمن ومؤمنة من نفسه ؟ قالوا : بلى نشهد لأنت أولى بكلّ مؤمن من نفسه. قال صلّى الله عليه وسلّم : فإنّي من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، وأخذ بيد علي » (21).

وفي رواية ابن كثير عن أبي يعلى والحسن بن سفيان : « فقال : ألست أولى بكلّ امرئ من نفسه ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا مولى من أنا مولاه ، أللهم وال من والاه وعاد من عاداه (22).

وفيه عن عبيد الله بن عمر القواريري : « قالوا نشهد أنّا سمعنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول يوم غدير خم : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجي أمّهاتهم ؟ قلنا : بلى يا رسول الله. قال : فمن كنت مولاه فعليّ مولاه » (23).

وفي رواية السمهودي عن الطبراني في الكبير والضياء في المختارة من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري : « يا أيها الناس إنّ الله مولاي وأنا مولى المسلمين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فهذا مولاه ـ يعني عليّاً ـ اللهم وال من والاه وعاد من عاداه » (24).

وفي « كنز العمال » عن ابن جرير : « عن ميمون أبي عبد الله قال : كنت عند زيد بن أرقم ، فجاء رجل فسأل عن علي فقال : كنّا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سفر بين مكّة والمدينة ، فنزلنا مكاناً يقال له غدير خم. فأذّن الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : يا أيّها الناس ألست أولى بكلّ مؤمن ومؤمنة من نفسه ؟ قلنا : بلى يا رسول الله نحن نشهد أنّك أولى بكلّ مؤمن من نفسه. قال : فإنّي من كنت مولاه فهذا مولاه. فأخذ بيد علي ولا أعلمه إلّا قال : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه » (25).

وفيه عن المحاملي وغيره : « فقال : أيّها الناس ألستم تشهدون أن الله ورسوله أولى بكم من أنفسكم ، وأنّ الله ورسوله مولاكم ؟ قالوا : بلى قال : فمن كان الله ورسوله مولاه فإنّ هذا مولاه » (26).

وفيه عن الطبراني : « عن زيد بن أرقم قال : نشد علي الناس من سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول يوم غدير خم : ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : بلى. قال : فمن كنت مولاه فعلي مولاه » (27).

وفي رواية السمعاني : « فقال : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ ثمّ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : فإنّ هذا مولى من أنا مولاه » (28).

وقال الملّا عمر الأردبيلي : « ثمّ قال : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : بلى. قال : ألست أولى بكلّ مؤمن من نفسه ؟ قالوا : بلى. قال : أليس أزواجي أمّهاتكم ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا مولا من أنا مولاه » (29).

وفي رواية البدخشاني عن الطبراني والحكيم الترمذي من حديث أبي الطفيل : « ثمّ قال : يا أيّها الناس إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه » (30).

ولقد اعترف « الدهلوي » بتفرع حديث الغدير على الجملة السابقة لها حيث قال : « وهذا الكلام من النبي : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، مأخوذ من الآية القرآنيّة ، ومن هنا جعل هذا الأمر من المسلّمات لدى أهل الإسلام ، ثمّ فرع عليه الحكم التالي له ».

وعلى أساس تفرع ما بعد « الفاء » على ما قبلها وتبعيّته له في الحكم ردّ على الشيعة الإماميّة في ما ذهبوا إليه ـ حسب الأحاديث الواردة ـ من نزول قوله تعالى : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) في مورد نكاح المتعة (31).

فإذن ، يجب أن يكون حديث الغدير متفرعاً على قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم » لمكان « الفاء » ، كما رأيت في كثير من أخبار هذا الحديث الشريف ، فثبت بطلان انكار « الدهلوي » من كلامه نفسه. والحمد لله رب العالمين.

« الثالث » لقد استدلّ سبط ابن الجوزي ـ الذي احتجّ « الدهلوي » بكلامه في الجواب عن المطعن السادس من مطاعن عمر ، وكذا الكابلي في الصواقع ، وقد عدّه محمّد رشيد الدين الدهلوي من أئمّة الدين وقدماء العلماء المعتمدين لدى أهل السنّة والجماعة ـ بقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم » على أن المراد من « المولى » هو « الأولى » في حديث الغدير. وسيأتي نصّ كلامه فيما بعد إن شاء الله تعالى.

« الرابع » لقد قال السيّد شهاب الدين أحمد ما نصّه : « وسمعت بعض أهل العلم يقول : معناه من كنت سيّده فعلي سيّده مضي قوله. وتصدير القول بقوله صلّى الله عليه وبارك وسلّم : ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين ، يؤيّد هذا القول والله سبحانه أعلم » (32).

« الخامس » لقد اعترف حسام الدين السهارنبوري بأن صدر الحديث قرينة تقتضي إرادة معنى « الأولى » من « المولى » ، ثمّ زعم أن ذيل الحديث وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم : « اللهم وال من والاه ... » قرينة تقتضي إرادة معنى « الناصر » و « المحبوب » فيتعارض القرينتان ، وإذا تعارضتا بعدم مرجح تساقطتا. وإليك كلام السهارنبوري معربا : « وأيضاً : كما أن صدر الحديث قرينة تقتضي إرادة معنى الناصر والمحبوب ، فيتعارض القرينتان ، وإذا تعارضتا بعدم مرجّح تساقطتا ، فكأن اللفظ المشترك يبقى بلا قرينة ، ويكون تعيين أحد معاني المشترك ـ خصوصا هذا المعنى في مورد النزاع ـ تحكما.

« وأيضاً » : فإن المعتبر عند التعارض هي القرينة الأقوى ، وهنا القرينة على كون المراد هو الناصر والمحبوب أقوى ، لأن الغرض من الخطبة هو الحث والترغيب على محبّة أهل البيت ، وإن سبب إيرادها ـ كما ذكرنا سابقاً ـ يرجح القرينة على هذا المعنى ».

أقول : إن كلامه صريح في دلالة صدر الحديث على مطلوبنا.

وأمّا زعمه أن ذيله يقتضى إرادة معنى « الناصر والمحب » فيندفع بأن ذيل الحديث جملة إنشائيّة ، وقوله « من كنت مولاه فعلي مولاه » جملة خبريّة.

« وأيضاً » : فإن الذيل خطاب مع الحقّ ، وفي هذه الجملة الخطاب مع الخلق ، وأمّا صدر الحديث فهو جملة خبريّة وهو خطاب مع الخلق. وعلى ما ذكرنا من الوجهين ـ بالإضافة إلى تقدّم الجملة المتصدرة للحديث ـ يتقدّم الصدر ويتأخّر الذيل ، ولا تعارض بين الصدر والذيل أبداً فلا تساقط.

« وأيضاً » : مجيء « المولى » بمعنى « المحبوب » غير ثابت من كتب اللغة ، فلو سلّمنا كون الذيل قرينة على إرادة معنى المحبوب لزم العدول عنه لعدم مساعدة اللغة.

« وأيضاً » : قد علمت سابقاً جعل التفتازاني والقوشجي ذيل الحديث قرينة على إرادة معنى « الناصر والمحبّ » ومن الواضح مغايرة « المحبّ » للمحبوب الذي ذكره صاحب المرافض ، وكيف يكون الشيء الواحد قرينة لشيئين متغايرين ؟

« وأيضاً » : قوله صلّى الله عليه وسلّم في الذيل : « وانصر من نصره » يقتضي إرادة معنى « المنصور » لا « الناصر » فيلزم أن يكون « المولى » بمعنى « المنصور » وكون أخذه بمعنى « الناصر » باطلاً ، لكنّ أحداً من اللغويين لم يذكر « المنصور » في جملة معاني « المولى ».

« وأيضاً » : لو كان المراد « المحبوب » وكان قوله « وانصر ... » يقتضي إرادة معنى « الناصر » للزم تساقط هاتين القرينتين لعدم جواز إرادة المعنيين من اللفظ الواحد في الإستعمال الواحد حسب تصريح المحقّقين من الأصوليين ، فيبقى صدر الكلام بلا معارض.

ولعلّه من هنا لم يذكر الرازي لذيل الخبر إلّا معنى « الناصر » ، وذلك حيث قال : « ثمّ إن سلّمنا أن تقديم تلك المقدّمة يقتضي أن يكون المراد بالمولى « الأولى » ، ولكن الحديث مؤخّره وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله يقتضى أن يكون المراد من المولى « الناصر ». وانّما قلنا ذلك لأن من ألزم غيره شيئا بلفظ مشترك بين ذلك الشيء وبين غيره ، ثمّ حثّ على التزام أحد معاني تلك اللفظة ، فإنّه يتبادر إلى الأفهام أنّه إنّما حثّ باللفظ المشترك على المعنى الذي صرّح به آخرا ، ألا ترى أن الإنسان إذا قال لغيره : صلّ عند الشفق اللهم من « كذا » يصل عند الشفق الأحمر. يحمل الشفق المأمور به على الشفق الأحمر. وإذا ثبت ذلك فقوله : اللهم وال من والاه حث منه على التزام ما ذكره من لفظه المولى. فعلمنا أنه أراد بها الموالاة التي هي ضد العداوة. وأيّ شيء يقولون في هذه المؤخرة نقوله في تلك المقدمة » (33).

وقد أفيد في « عماد الإسلام » في جوابه : « أقول : فيه وجوه من الكلام وضروب من الملام « الأوّل » : إن قوله عليه السلام وال من والاه لو اقتضى إرادة معنى المحبّة من « من كنت مولاه » اقتضى قوله عليه السلام : « وانصر من نصره » إرادة معنى النصرة ، وحيث ثبت أن إرادة المعنيين من المشترك في إطلاق واحد ممتنعة تعارض المعنيان ، وإذا تعارضا تساقطا ، فبقي إرادة معنى الأولى من المولى بلا معارض.

« والثاني » إن قوله عليه السلام : « اللهمّ وال من والاه » خطاب مع الحقّ بعد الفراغ عن الخطاب للخلق بقوله : « من كنت مولاه ... » فلا يعارض القرينة على إرادة معنى الأولويّة التي هي أيضاً خطاب مع الخلق.

« والثالث » : إن المولى قد جاء بمعنى أولى كما عرفت ، ولم يقل أحد إن معنى المولى ووال واحد ، فلا مساواة بين القرينتين.

« والرابع » إنه لا خلاف بين الفريقين أن قوله عليه السلام : « فمن كنت مولاه ... » أمر وتكليف بصورة الأخبار ، ولذا حمل الرازي قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « ألست أولى بالمؤمنين » على التذكير بوجوب طاعته ، تمهيداً لإظهار وجوب طاعته صلّى الله عليه وآله وسلّم في باب التكليف المؤدى بقوله : « فمن كنت مولاه ». ولا شبهة في أنّه إذا حملنا قوله : « من كنت مولاه فعلي مولاه » على الناصر والمحبّ بقرينة الدعاء لم يصلح أن يكون تكليفاً ، لأن كونهما ناصرين للخلق أو المحبّين من فعلهما وصفاتهما دون الخلق.

« والخامس » إن الملائم للدعاء وتكليفه الناس أن يقول صلّى الله‌ عليه وآله وسلّم لو أراد إيجاب المحبّة أو النصرة على الخلق بالنسبة إلى علي عليه السلام : من كان مولاي ومحبّي وناصري فليكن مولى علي وناصره ومحبّه ، اللهم وال من والاه وانصر من نصره. لينتظم عبارته صلّى الله عليه وسلّم من أوّلها إلى آخرها ، وبدون ذلك لا يحسن التكلّم بهذا الكلام كما لا يخفى. على أنّ القرائن المسطورة فيما قبل لا يساعد شيء منها إرادة غير معنى الأولويّة كما عرفت. وأمّا مثاله : صلّ عند الشفق. فلا يطابق الممثل له بوجه ما ، لأنّه لا يجري في هذا المثال شيء مما ذكرنا في المثّل له ، وإلّا كانت حاله كحاله ».

وأمّا زعم صاحب المرافض أن قرينة كون المراد معنى الناصر والمحبوب أقوى ، لأن الغرض من الخطبة الحث والترغيب على محبّة أهل البيت ... فيندفع بأن هذه الخطبة هي لأجل تشييد خلافة أمير المؤمنين وإمامته ، ويشهد بذلك وجود حديث الثقلين فيها بعد حديث الغدير كما في الصواعق وغيره ـ وقد ذكر ذلك صاحب المرافض نفسه ـ.

فثبت أن حديث الثقلين من جملة الأدلّة القويّة القويمة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بلا فصل.

الهوامش

1. نهاية العقول ـ مخطوط.

2. التفسير الوسيط ـ مخطوط.

3. معالم التنزيل للبغوي ٥ / ١٩١ بهامش الخازن.

4. أنوار التنزيل للبيضاوي : ٥٥٢.

5. الكشاف للزمخشري : ٣ / ٥٢٣.

6. التفسير الكبير لأبي العبّاس الخويي ـ مخطوط.

7. مدارك التنزيل ٣ / ٢٩٤.

8. غرائب القرآن ٢١ / ٧٧ ـ ٧٨.

9. تفسير الجلالين : ٥٥٢.

10. السراج المنير ـ بتفسير الآية.

11. شرح الأحكام ـ كتاب الفرائض.

12. عمدة القاري ١٩ / ١١٥.

13. إرشاد الساري ٧ / ٢٨٠.

14. التيسير في شرح الجامع الصغير ١ / ٢٧٧.

15. السراج المنير في شرح الجامع الصغير ١ / ٣٢٠.

16. الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٥ / ١٨٢.

17. منهاج السنة ٤ / ٨٧.

18. فتح القدير في شرح الهداية ٣ / ٤٢.

19. مسند أحمد ٤ / ٣٦٨.

20. مسند أحمد ٤ / ٢٨١.

21. الخصائص للنسائي : ٩٥.

22. تاريخ ابن كثير ٧ / ٢١٠.

23. المصدر نفسه.

24. جواهر العقدين ـ مخطوط.

25. كنز العمال ١٥ / ٩١.

26. كنز العمال ١٥ / ١٢٢ ـ ١٢٣.

27. كنز العمال ١٥ / ٩٢.

28. فضائل الصحابة ـ مخطوط.

29. وسيلة المتعبدين ٢ / ١٤٨.

30. مفتاح النجا ـ مخطوط.

31. التحفة الاثنا عشرية. باب الفقيهات.

32. توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل ـ مخطوط.

33. ـ نهاية العقول ـ مخطوط.

مقتبس من كتاب : [ نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار ] / المجلّد : 9 / الصفحة : 45 ـ 69

 

أضف تعليق


الغدير

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية