في شدّ الرحال إلى زيارة القبور

البريد الإلكتروني طباعة

في شدّ الرحال إلى زيارة القبور

وقد منع الوهّابية من شدّ الرحال إلى زيارة النبيّ صلّى الله عليه وآله ، فضلاً عن غيره ، وقد عرفت أنّ ابن تيميّة في مقام تشنيعه على الإماميّة قال : إنّهم يحجّون إلى المشاهد كما يحجّ الحاجّ إلى البيت العتيق ، وما هو حجّهم إلّا قصدهم زيارتها ، فسمّاه حجّاً إرادةً لزيادة التهويل والتشنيع كما هي عادته.

وفي الرسالة الثانية من رسائل « الهدية السنيّة » لعبدالله بن محمّد بن عبدالوهّاب ؛ وتسنّ زيارة النبيّ صلّى الله عليه وآله ، إلّا أنّه لا يشدّ الرحال إلّا لزيارة المسجد والصلاة فيه ، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس. انتهى.

واحتجّ الوهّابية لذلك برواية البخاري : عن أبي هريرة ، عن النبيّ صلّى الله عليه وآله : « لا تشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجد الرسول صلّى الله عليه وآله ، ومسجد الأقصى ».

ورواه مسلم في الحجّ والصلاة ، إلّا أنّه قال : « مسجدي هذا ومسجد الحرام ومسجد الأقصى ».

ورواه النسائي في سننه مثله ، إلّا أنّه قدّم مسجد الحرام.

ورواه أبو داود في الحجّ.

وفي روايةٍ لمسلم : « تشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد ». وفي روايةٍ له : « إنّما يُسافرَ إلى ثلاثة مساجد ، مسجد الكعبة ، ومسجدي ، ومسجد إيليا ».

والجواب عن هذه الأخبار : أنّ الحصر فيها إضافي لا حقيقي ، أيّ لا تُشدّ الرحال إلى مسجدٍ من المساجد إلّا إلى هذه الثلاثة ، لأنّ هذا الاستثناء مفرغ قد حذف فيه المستثنى منه ، وكما يمكن تقديره : لا تشدّ الرحال إلى مكان يمكن تقديره إلى مسجد ، لكنّ الثاني هو المتعيّن ؛ لأنّ ذلك هو المفهوم عرفاً من أمثال هذه العبارة ، وللاتّفاق على جواز السفر وشدّ الرحال إلى أيّ مكان كان للتجارة وطلب العلم والجهاد وزيارة العلماء والصلحاء والتداوي والنزهة والولاية والقضاء ، وغير ذلك ممّا لا يحصى.

ولو قيل : إنّ هذا خُصِّص بالدليل للزم تخصيص الأكثر ، وهو غير جائز ، كما تقرّر في الاُصول.

والحاصل : أنّه لا يشكّ مَن عنده أدنى معرفةٍ في أنّ المراد بقوله : « لا تشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد » ، أو « إنّما يسافر إلى ثلاثة مساجد » أنّه لا يسافر إلى غيرها من المساجد ، لا أنّه لا يسافر إلى مكان مطلقاً ، على أنّه لا يفهم من هذه الأحاديث حرمة السفر إلى باقي المساجد ، بل هي ظاهرة في أفضليّة هذه المساجد على ما عداها ، بحيث بلغ من فضلها أن تستحقّ شدّ الرحال والسفر إليها للصلاة فيها ، فإنّها لا تشدّ الرحال وتركب الأسفار وتتحمّل المشاقّ إلّا للاُمور المهمّة ، لا أنّ من سافر للصلاة في مسجدٍ طلباً لإحراز فضيلة الصلاة فيه يكون عاصياً وآثماً ، وكيف تكون آثماً من يسافر إلى ما هو طاعة وعبادة ؟ فالمسجد ببعده لم يخرج عن المسجديّة ، والصلاة فيه لم تخرج عن كونها طاعة وعبادة ؛ إذ هو مسجد لكلّ أحد فكيف يعقل أن يكون السفر للصلاة فيه إثماً ومعصية ؟! فالسفر للطاعة لا يكون إلّا طاعة ، كما أنّ السفر للمعصية لا يكون إلّا معصية ، وكيف تكون مقدّمة المستحب محرّمة ؟!

ويدلّ على ذلك : أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله والصحابة كانوا يذهبون كلّ سبتٍ إلى مسجد قبا ، وبينه وبين المدينة ثلاثة أميال أو ميلان ركباناً ومشاةً لقصد الصلاة فيه ، ولا فرق في السفر بين الطويل والقصير ؛ لعموم النهي لو كان.

روى البخاري في صحيحة (1) : أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان يأتي مسجد قبا كلّ سبتٍ ماشياً وراكباً ، وأنّ ابن عمر كان يفعل كذلك.

وفي رواية : كان رسول الله صلّى الله عليه وآله يزوره راكباً وماشياً.

وروى النسائي في سننه : أنّه كان رسول الله صلّى الله عليه وآله يأتي قبا راكباً وماشياً. وأنّه قال : « من خرج حتّى يأتي هذا المسجد ـ مسجد قبا ـ فصلّى فيه كان له عدل عمرة » (2).

وفي إرشاد الساري : عن ابن أبي شيبة في أخبار المدينة بإسناد صحيح ، عن سعد بن أبي وقاص : « لأن اُصلّي في مسجد قبا ركعتين أحبّ إليَّ من أن آتي بيت المقدس مرّتين ، لو يعلمون ما في قبا لضربوا إليه أكباد الإبل ».

وهذا نصّ من سعدٍ على استحباب ضرب أكباد الإبل إليه ، الذي لا يكون إلّا بالسفر إليه من مكان بعيد.

وروى الطبراني : « من توضّأ فأسبغ الوضوء ثمّ غدا إلى مسجد قبا لا يريد غيره ولا يحمله على الغُدوِّ إلّا الصلاة في مسجد قبا فصلّى فيه أربع ركعاتٍ كان له أجر المعتمر إلى بيت الله ». نقله في إرشاد الساري. وسيأتي في آخر هذا الفصل أحاديث أنّ فاطمة عليها السلام كانت تزور قبر عمّها حمزة بين اليومين والثلاثة وكلّ جمعة ، وفيه دلالة على جواز السفر للزيارة واستحبابه ؛ لعدم تعقّل الفرق بين السفر الطويل والقصير وبين اُحدٍ والمدينة ونحو ممّا بينها ، وبين قبا أو أزيد.

ويدلّ على شدّ الرحال : الحديث الخامس المتقدّم من حجّ البيت : « ولم يزرني فقد جفاني ... ».

والزيارة بعد الحج لا تكون إلّا بشدّ الرحال. وأظهر ممّا قلناه : الحديث الآخر لمسلم : « تشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد » بصيغة الإثبات ، أيّ أنّ هذه المساجد الثلاثة تستحقّ وتستأهل شدّ الرحال إليها ؛ لعظم فضلها ، فهي حقيقة وجديرة بذلك وشدّ الرحال إليها لا يكون عناؤه ضائعاً وتعبه خائباً ، أو فائدته قليلة ، بل يحصل من الثواب على ما يقابل تعبه وزيادة.

قال القسطلاني في « إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري » (3) في شرح قوله : « لا تُشدّ الرحال » : أيّ إلى مسجد للصلاة فيه. ثمّ قال : وقد بطل بما مرّ من التقدير المعتضد بحديث أبي سعيد ـ المرويّ في مسند أحمد بإسناد حسن مرفوعاً : لا ينبغي للمطي أن تشدّ رحاله إلى مسجد تُبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والأقصى ومسجدي هذا » ـ قول ابن تيميّة ، حيث منع من زيارة قبر النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وهو من أبشع المسائل المنقولة عنه.

ومن جملة ما استدلّ به على دفع ما ادّعاه غيره من الإجماع على مشروعيّة زيارة النبيّ صلّى الله عليه وآله : ما نقل عن مالك : أنّه كره أن يقول : زرت قبر النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وأجاب عنه المحقّقون من أصحابه : أنّه كره اللفظ أدباً ، لا أصل الزيارة ، فإنّها من أفضل الأعمال وأجلّ القُرَب الموصلة إلى ذي الجلال ، وإنّ مشروعيّتها محلّ إجماع بلا نزاع. قال : فشدّ الرحال للزيارة أو نحوها كطلب علم ليس إلى المكان ، بل إلى مَن فيه ، وقد التبس ذلك على بعضهم ، كما قاله المحقّق التقيّ السبكيّ ، فزعم أنّ شدّ الرحال إلى الزيارة في غير الثلاثة داخل في المنع ، هو خطأ ، كما مرّ ؛ لأنّ المستثنى إنّما يكون من جنس المستثنى منه ، كما إذا قلت : ما رأيت إلّا زيداً ، أيّ ما رأيت رجلاً واحداً إلّا زيداً ، لا ما رأيت شيئاً أو حيواناً إلّا زيداً. انتهى.

وقال القسطلاني في موضع آخر (4) : الاستثناء مفرغ ، والتقدير : لا تشدّ الرحال إلى موضع ، ولازمه منع السفر إلى كلّ موضع غيرها ، كزيارة صالحٍ أو قريبٍ أو صاحبٍ أو طلب علمٍ أو تجارةٍ أو نزهة ؛ لأنّ المستثنى منه في المفرغ يقدَّر بأعمّ العام ، لكنّ المراد بالعموم هنا : الموضع المخصوص ، وهو المسجد. انتهى.

وقال النووي في شرح صحيح مسلم في شرح قوله : « لا تشدّ الرحال ... » إلى آخره (5) : فيه بيان عظيمِ فضيلةِ هذه المساجد الثلاثة ومزيّتها على غيرها ؛ لكونها مساجد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، ولفضل الصلاة فيها ... إلى أن قال : واختلف العلماء في شدّ الرحال وإعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة ، كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك ، فقال الشيخ أبو محمّد الجويني من أصحابنا : هو حرام ، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره ، والصحيح عند أصحابنا وهو الذي أختاره إمام الحرمين والمحقّقون : أنّه لا يحرم ولا يكره ، قالوا : والمراد أنّ الفضيلة التامّة إنّما هي في شدّ الرحال إلى هذه الثلاثة خاصّة. وقال في موضع آخر (6) : في هذا الحديث فضيلة هذه المساجد الثلاثة ، وفضيلة شدّ الرحال إليها ؛ لأنّ معناه عند جمهور العلماء : لا فضيلة في شدّ الرحال إلى مسجدٍ غيرها. وقال الشيخ أبو محمّد الجويني من أصحابنا : يحرم شدّ الرحال إلى غيرها ، وهو غلط. انتهى.

وقال السندي في حاشية سنن النسائي : إنّ السفر للعلم وزيارة العلماء والصلحاء وللتجارة غير داخل في حيّز المنع. انتهى.

وقال السمهودي في وفاء الوفا (7) : ويستدلّ بقوله : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ ... ) (8) الآية ، على مشروعيّة السفر للزيارة بشموله المجيء من قرب ومن بعد ، وبعموم « من زار قبري » ، وقوله في الحديث الذي صحّحه ابن السكن « من جاءني زائراً ». وإذا ثبت أنّ الزيارة قربة فالسفر إليها كذلك ، وقد ثبت خروج النبيّ صلّى الله عليه وآله من المدينة لزيارة قبور الشهداء ، فإذا جاز الخروج للقريب جاز للبعيد ، وقبره صلّى الله عليه وآله أولى ، وقد انعقد الإجماع على ذلك ؛ لإطباق السلف والخلف عليه. وأمّا حديث « لا تشدّوا الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد » فمعناه : لا تشدّوا الرحال إلى مسجد إلّا إلى المساجد الثلاثة ؛ إذ شدّ الرحال إلى عرفة لقضاء النسك واجب بالإجماع ، وكذلك سفر الجهاد والهجرة من دار الكفر بشرطه ، وغير ذلك. وأجمعوا على جواز شدّ الرحال للتجارة ومصالح الدنيا.

وقد روى ابن شبّة بسندٍ حسن : أنّ أبا سعيد ـ يعني الخدري ـ ذكر عنده الصلاة في الطوز ، فقال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : « لا ينبغي للمطي أن تشدّ رحالها إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ».

فهذا الحديث صريح فيما ذكرناه على أنّ في شدّ الرحال لمِا سوى هذه المساجد الثلاثة مذاهب ، نقل إمام الحرمين عن شيخه أنّه أفتى بالمنع ، قال : وربّما كان يقول : يكره ، وربّما كان يقول : يحرم.

وقال الشيخ أبو عليّ : لا يكره ولا يحرم ... إلى أن قال : وقال المارودي من أصحابنا ـ يعني الشافعيّة ـ عند ذكر من يلي أمر الحجّ : فإذا قضى الناس حجّهم سار بهم على طريق مدينة رسول الله صلّى الله عليه وآله رعايةً لحرمته ، وقياماً بحقوق طاعته ، وذلك وإن لم يكن من فروض الحجّ فهو من مندوبات الشرع المستحبّة وعبادات الحجيج المستحسنة.

وقال القاضي الحسين : إذا فرغ من الحجّ فالسنّة أن يأتي المدينة ويزور قبر النبيّ صلّى الله عليه وآله.

وقال القاضي أبو الطيب : ويستحب أن يزور النبيّ صلّى الله عليه وآله بعد أن يحجّ ويعتمر.

وقال المحاملي في التجريد : ويستحب للحاجّ إذا فرغ من مكّة أن يزور قبر النبيّ صلّى الله عليه وآله.

وقال أبو حنيفة : إذا قضى الحاجّ نسكه مرّ بالمدينة ... إلى أن قال : وفي كتاب « تهذيب المطالب » لعبدالحق : سئل الشيخ أبو محمّد بن أبي زيد في رجل استؤجر بمالٍ ليحجّ به ، وشرطوا عليه الزيارة فلم يستطع أن يزور ، قال : يردّ من الاُجرة بقدر مسافة الزيارة. وقال في موضع آخر (9) : وممّن سافر إلى زيارة النبيّ صلّى الله عليه وآله من الشام إلى قبره صلّى الله عليه وآله بالمدينة بلال بن رباح مؤذّن رسول الله صلّى الله عليه وآله ، كما رواه ابن عساكر بسند جيّد عن أبي الدرداء ، قال : لمّا رحل عمر بن الخطاب من فتح بيت المقدس فصار إلى جابية سأله بلال أن يقرّه بالشام ، ففعل ، قال : ثمّ إنّ بلالاً رأى في منامه النبيّ صلّى الله عليه وآله وهو يقول : ما هذه الجفوة يا بلال ؟ أما آن لك أن تزورني يا بلال ! فانتبه حزيناً وجلاً خائفاً ، فركب راحلته وقصد المدينة ، فأتى قبر النبيّ صلّى الله عليه وآله فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه ، فأقبل الحسن والحسين فجعل يضمّهما ويقبّلهما ، فقالا له : يا بلال ، نشتهي أن نسمع أذانك ، فلمّا قال : « الله أكبر » ارتجّت المدينة ، فلمّا قال : « أشهد أن لا إله إلّا الله » ازدادت رجّتها ، فلمّا قال : « أشهد أنّ محمّداً رسول الله » خرجت العواتق من خدورهنّ ، وقالوا : « بعث رسول الله صلّى الله عليه وآله ! فما رُؤي بالمدينة بعده صلّى الله عليه وآله أكثر باكياً وباكيةً من ذلك اليوم.

قال : وقال الحافظ عبدالغني وغيره : لم يؤذّن بلال بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله إلّا مرّةً واحدةً في قدومه المدينة لزيارة قبر النبيّ صلّى الله عليه وآله. وقال : قال السبكي : ليس اعتمادنا على رؤيا المنام فقط ، بل على فعل بلال ، سيّما في خلافة عمر والصحابة متوافرون ، ولا تخفى عنهم هذه القصّة ، ورؤيا بلال النبيّ صلّى الله عليه وآله مؤكّدة لذلك.

قال : وقد استفاض عن عمر بن عبد العزيز أنّه كان يُبرد البريد من الشام يقول : سلِّم لي على رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وذلك في زمن صدر التابعين.

وممّن ذكر ذلك عنه : الإمام أبو بكر بن عمرو بن عاصم النبيل ـ ووفاته في المائة الثالثة ـ قال في مناسكه : وكان عمر بن عبدالعزيز يبعث بالرسول قاصداً من الشام إلى المدينة ليُقرئ النبيّ صلّى الله عليه وآله السلام ، ثمّ يرجع.

قال : وفي فتوح الشام : أنّ عمر لمّا صالح أهل بيت المقدس وقدم عليه كعب الأحبار وأسلم وفرح بإسلامه قال له : هل لك أن تسير معي إلى المدينة وتزور قبر النبيّ صلّى الله عليه وآله وتتمتّع بزيارته ؟ فقال : نعم ، ولمّا قدم عمر المدينة كان أوّل ما بدأ بالمسجد ، وسلّم على رسول الله صلّى الله عليه وآله.

وقال في موضع آخر (10) : كانت الصحابة يقصدون النبيّ صلّى الله عليه وآله قبل وفاته للزيارة ، وهو صلّى الله عليه وآله حيّ في الدارين ، بل روى أحمد بإسنادين أحدهما برجال الصحيح ، عن يعلى بن مرة من حديث قال فيه : ثمّ سرنا فنزلنا منزلاً ، فنام النبيّ صلّى الله عليه وآله ، فجاءت شجرة تشقّ الأرض حتّى غشيته ، ثمّ رجعت إلى مكانها ، فلمّا استيقظ ذكرت له ، فقال : هي شجرة استأذنت ربّها عزّ وجلّ أن تسلّم على رسول الله ، فأذن لها ، فإذا كان هذا حال شجرة فكيف بالمؤمن المأمور بتعظيم هذا النبيّ الكريم الممتلئ بالشوق إليه.

وحديث حنين الجذع ذكر في محلّه. انتهى.

ومرّ قول الغزالي : يجوز شدّ الرحال لزيارة من يُتبرَّك به بعد موته.

بقي الكلام في أنّ جواز زيارة القبور مخصوص بالرجال أو عام لهم وللنساء. قد ورد بعض الروايات في لعن زائرات القبور أو زوّارات القبور ، وهذه الأخبار بعد تسليمها فيها القدح في سندها بالضعف وفي متنها بالاضطراب وهي محمولة على الكراهة لتخصيص اللعن فيها بالزائرات أو الزوارات دون الزائرين ، فإنّ زيارة القبور جائزة عند الوهابيّة بدون شدّ الرحال ، كما عرفت ، فلم يبقَ وجه لتخصيص اللعن بالزائرات إلّا الكراهة ؛ لمنافاتها لكمال الستر المطلوب في المرأة ، سيّما على رواية زوّارات بصيغة المبالغة الدالّة على أنّ المنهيّ عنه كثرة الزيارة التي لا تناسب شدّة طلب الستر في النساء ، ولو حمل على أنّ ذلك كان قبل نسخ النهي عن زيارة القبور ـ على ما مرّ ، كما توهّم بعضهم ـ لنافاه التعبير بالزائرات أو الزوّارات ؛ لأنّ النسخ إن كان ففي الرجال والنساء ، واحتمال بقائهنّ تحت النهي كما حكاه السندي في حاشية سنن النسائي لقلّة صبرهنّ ، واستقرّ به هو بعيد جداً منافٍ للسيرة وعمل المسلمين ، وقاعدة الاشتراك بين الرجال والنساء في الاحكام.

قال العزيزي في شرح الجامع الصغير (11) عند شرح قوله صلّى الله عليه وآله : « لعن الله زوّارات القبور » قال العلقمي : قال الدميري : قال صاحب « المهذّب » و « البيان » من أصحابنا : لا يجوز للنساء زيارة القبور ؛ لظاهر هذا النهي ، قال النووي : وقوله شاذّ في المذهب ، والذي قطع به الجمهور أنّها مكروهاً كراهة تنزيه. انتهى.

ويدلّ على جواز زيارة النساء للقبور ، بل استحباب زيارتهنّ قبور الأنبياء عليهم السلام والشهداء : ما في وفاء الوفا (12) : روى ابن أبي شبة عن أبي جعفر : أنّ فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله كانت تزور قبر حمزة تَرِمُّه وتُصلحه وقد تُعلمه بحجر.

وروى رزين عنه : أنّ فاطمة كانت تزور قبور الشهداء بين اليومين والثلاثة.

ورواه يحيى بنحوه ، عن أبي جعفر ، عن أبيه عليّ بن الحسين ، وزاد : « فتصلّي هناك وتدعو وتبكي حتّى ماتت ».

وروى الحاكم ، عن علي : أنّ فاطمة كانت تزور قبر عمّها حمزة كلّ جمعة فتصلّي وتبكي عنده. انتهى وفاء الوفا.

ويظهر أنّ الوهّابية بعدما أباحوا للنساء زيارة القبور في العام الماضي منعوهنّ منها في هذا العام ، فقد أخبرنا الحُجّاج أنّ النساء مُنعت من الدخول إلى البقيع في هذا العام بدون استثناء ، وكأنّهم بنوا على هذا الاحتمال الضعيف الذي ذكره السندي ، وقال به صاحب « المهذّب » و « البيان » من بقائهنّ تحت النهي ، فظهرت لهم صحّته هذا العام ، بعدما خفيت عنهم في العام الأوّل « يمحو الوهّابية ما يشاؤون ويُثبتون وعندهم اُمّ الكتاب » ! لسنا نعارضهم في اجتهادهم ، أخطؤوا فيه أم أصابوا ، ولكنّا نسألهم : ما الذي سوّغ لهم حمل المسلمين على اتّباع اجتهادهم المحتمل الخطأ والصواب ؟ بل هو إلى الخطأ أقرب لمخالفته لما قطع به الجمهور ، ولم يقل به إلّا الشاذّ كما سمعت ، والاُمور الاجتهاديّة لا يجوز المعارضة فيها كما بيّناه في المقدمات ، وما بالهم يسلبون المسلمين حرّية مذاهبهم في الاُمور الاجتهاديّة ويحملونهم على اتّباع معتقداتهم فيها بالسوط والسيف ، كما زادوا في طنبور تعنّتهم هذه السنة نغمات ، فعاقبوا الناس على البكاء عند زيارة النبيّ صلّى الله عليه وآله أو أحد القبور ومنعوهم منه ، والبكاء أمر قهري اضطراري لا يعاقب الله عليه ، ولا يتعلّق به تكليف ؛ لاشتراط التكليف بالقدرة عقلاً ونقلاً ، ومنعوا من القراءة في كتابٍ حال الزيارة ، ومن إطالة الوقوف ، فمن رأوا في يده كتاب زيارة أخذوه منه ومزّقوه أو أحرقوه وضربوا صاحبه وأهانوه ، ومن أطال الوقوف طردوه وضربوه.

الهوامش

1 ـ صحيح البخاري : 1 / 206 ، شرح صحيح البخاري : 2 / 332.

2 ـ سنن النسائي : 2 / 37.

3. إرشاد الساري : 2 / 329.

4. المصدر السابق : 333.

5. صحيح مسلم : 6 / 37 ، بهامش ارشاد الساري.

6. وفاء الوفا : 2 / 414.

7. المصدر السابق : 6 / 111 ، بهامش ارشاد الساري.

8. النساء : 64.

9. المصدر السابق : 3 / 408.

10. المصدر السابق : 2 / 417.

11. شرح الجامع الصغير : 3 / 198.

12. وفاء الوفا : 2 / 112.

مقتبس من كتاب : [ نافذة على زيارة القبور ] / الصفحة : 77 ـ 88

 

أضف تعليق


زيارة القبور وزيارات المعصومين عليهم السلام

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية