مواقف عثمان مع بني هاشم

البريد الإلكتروني طباعة

مواقف عثمان مع بني هاشم :

والآن وبعد مسيرة مع جانب من الأحداث عبر أكثر من عقد من الزمن طالت أيام حكومة عثمان ، فقد رأينا كيف استطالت فيها أعناق رجالٍ لم يكونوا لولاه إلّا في غيابات التاريخ ، ومع لعنات الذكر السيء ، وقد جعلوا من حكومة عثمان ـ الواهي المستضعف أمام نزواتهم وشهواتهم ـ حكومة تسلط وجبرية ، بينما هم من اللعناء والطلقاء والفسّاق ، فساموا المسلمين سوء العذاب قتلاً وتشريداً وتطريداً ونهباً بلا خوف من عثمان ، بل على رضى منه أحياناً ، فارتفع النكير والتشهير ، وبدت نذر الشرّ المستطير ، لأنّ عثمان أوّل من آثر القرابة والأولياء كما مرّ ذلك عن الشيباني. ورأينا أيضاً إلى جانب ما سبق كيف تنكر لعثمان بعض المنتفعين به ، ممّن كانوا ينعمون بعطائه ويحبوهم جزيل حبائه ، لكنهم أساؤا إليه إساءة لا تغتفر بمعيار الأخلاق العربية وهم جميعاً من أبنائها ، فضلاً عن الشريعة الإسلامية وكلهم يعيشون في أجوائها. فكانوا من أشدّ المحرّضين عليه كطلحة والزبير وعائشة وغيرهم ممن جازوه جزاء سنمّار.

ثمّ رأينا من خلال تلك الأحداث إطلالة لبني هاشم ، فقرأنا اسم عليّ واسم العباس واسم ابنه عبد الله في أسباب السخط وأسماء الساخطين ، وهذا يحملنا على الاعتقاد في تصنيفهم بالرأي مع الساخطين ، إذ لم يكونوا يوماً ما من النفعيين.

وهذا ما يلزمنا أيضاً بالوقوف عنده لقراءة بعض النصوص قراءة تدبّر وتمحيص لنعرف لماذا كانوا رأياً مع الساخطين ؟ فهل نالهم عثمان بأذاه كما نال أبا ذر وابن مسعود وعمّار وأضرابهم من نفي أو ضرب فأعلنوا سخطهم لما لحقهم من الأذى ؟

أم أنّهم أفقدهم عثمان منافعهم الشخصية ، فأثار ذلك حفائظهم عليه ، فأعلنوا سخطهم لفقدانهم منافعهم. أم أنّهم كانوا ضحية الاستجابة لسماع شكاوى المحرومين الذين لحقهم حيف وعسف عثمان وولاته ، فأتخذوا من بني هاشم لجأ وكهفاً لرفع الضيم عنهم ، فأعلنوا هم سخطهم تضامناً مع المحرومين ؟

ربّما كان ذلك كلّه مجتمعاً ، وإن كان تأثير آخرها أقوى من تأثير البعض الآخر ، مضافاً إلى التداعيات الّتي تجمّعت في خزين ترات التراكمات ، فصارت النفرة بين الطرفين معلنة دون حجاب ، حتى أسفرت بينهما بمواجهة الخطاب ، ومع ذلك فتبقى الفوارق بين المواقف حسب تصرفات عثمان أزاء الأقطاب الثلاثة ، فهو على ما وصفه علماء التبجيل بالحياء والدعة في السلوك والسيرة ، إلّا أنّه كانت له مواقف متشنّجة بل ومتنمّرة مع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام فمن المنتظر أن تكون مواقف الإمام مماثلة ، إلّا إنا لدى المقارنة نجد اللين وسلامة الطوية والنصح له أكثر شواهد من الشدّة من جانب الإمام.

أمّا موقف عثمان من العباس وابنه فإنه كان مع الأب أكثر أدباً وألين عريكة ربّما لأنّه من أخواله ، وليس يعني ذلك تخلصه من عقدة النقص الّتي كانت قريش تشعر بها ـ ومنهم عثمان ـ أزاء بني هاشم حيث يرون أسباب الفضل بأيديهم ، وهذا الشعور الموروث عند عامة القرشيين وعند الأمويين خاصة ، لم تمحه الأيام ، فكان يثير كامن أحقادهم فيظهرونه عند مواتاة الفرص. كما ستأتي كلمات عثمان المسعورة الّتي تنم عن حقدٍ دفين.

فلنقرأ بعض النصوص الجارحة من عثمان له وعليه أزاء بني هاشم وفي مقدمتهم الأقطاب الثلاثة خصوصاً الإمام عليّ عليه السلام لنعرف مدى المعاناة الّتي كانوا يعيشونها :

1 ـ أخرج الهيثمي في مجمع الزوائد عن سعيد بن المسيّب قال : « كان لعثمان آذن فكان يخرج بين يديه للصلاة. قال : فخرج يوماً فصلّى والآذن بين يديه ثمّ جاء ـ فجلس الآذن ناحية ـ ولفّ ـ عثمان ـ رداءه فوضعه تحت رأسه وأضطجع ووضع الدرة بين يديه ، فأقبل عليّ في إزار ورداء وبيده عصاً ، فلمّا رآه الآذن من بعيد قال : هذا عليّ قد أقبل فجلس عثمان فأخذ عليه رداءه ، فجاء عليّ حتى قام على رأسه فقال : اشتريت ضيعة آل فلان ولوقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مائها حقّ ؟ أما إنّي قد علمت أنّه لا يشتريها غيرك.

فقام عثمان وجرى بينهما كلام ، حتى ألقى الله عزوجل العباس فدخل بينهما ، ورفع عثمان على عليّ الدرة ، ورفع عليّ على عثمان العصا ، فجعل العباس يسكّتهما ويقول لعليّ : أمير المؤمنين ، ويقول لعثمان : ابن عمك. فلم يزل حتى سكّتهما ، فلمّا أن كان من الغد رأيتهما وكلّ واحد منهم آخذ بيد صاحبه وهما يتحدثان ... اهـ ».

قال الهيثمي : « رواه الطبراني في الأوسط وفيه جماعة لم أعرفهم » (1).

2 ـ أخرج الهيثمي في مجمع الزوائد عن ابن عباس قال : « كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أعطانا نصيباً من خيبر ، وأعطاناه أبو بكر ، فلمّا كان عمر وكثر عليه الناس ، أرسل إلينا ثمّ قال : إنّ الناس قد كثروا عليَّ فإن شئتم أن أعطيكم مكان نصيبكم من خيبر مالاً ؟ فنظر بعضنا إلى بعض ، فقلنا : نعم ، فطُعن عمر ولم يعطنا شيئاً ، فأخذها عثمان فأبى أن يعطينا وقال : قد كان عمر أخذها منكم ».

قال الهيثمي : « رواه البزار وفيه حكيم بن جبير وهو متروك » (2) (3).

3 ـ أخرج عبد الرزاق في المصنف عن معمّر عن أبي إسحاق قال : « جاء أبو ذر إلى عثمان فعاب عليه شيئاً ثمّ قام. فجاء عليّ معتمداً على عصاً حتى وقف على عثمان ، فقال له عثمان : ما تأمرنا في هذا الكذّاب على الله وعلى رسوله ؟ فقال عليّ : أنزله منزلة مؤمن آل فرعون ( إِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ) (4).

فقال له عثمان : أسكت في فيك التراب.

فقال عليّ : بل في فيك التراب (5) إستأمرتنا فأمرناك » (6).

أقول : لئن تستّر عبد الرزاق أو أحد رواته فلم يذكر ما عاب به أبو ذر على عثمان ، فلا نعدم من ذكره بأمانته ، ممّن لا يخشى بطش عثمان وبطانته.

فقد روى عبد الله بن أبي عمرة الأنصاري قال : « لمّا قدم أبو ذر على عثمان قال : أخبرني أيّ البلاد أحبّ إليك ؟ قال : مهاجري ، قال : لستَ بمجاوري.

قال : فألحق بحرم الله فأكون فيه ؟ قال : لا ، قال : فالكوفة أرض بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ؟ قال : لا ، قال : فلست بمختار غيرهنّ ، فأمره بالمسير إلى الربذة. فقال : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال لي أسمع وأطع وأنقد حيث قادوك ولو لعبد حبشي مجدوع ، فخرج إلى الربذة ، فأقام هناك مدة ، ثمّ دخل المدينة فدخل على عثمان والناس عنده سماطين. فقال : يا أمير المؤمنين انّك أخرجتني من أرض ليس لي بها زرع ولا ضرع إلّا شويهات ، وليس لي خادم إلّا ممررة (كذا) ولا ظل يظلني إلّا ظل شجرة ، فأعطني خادماً وغنيمات (أعِش) فيها ، فحوّل وجهه عنه ، فتحول إلى السماط الآخر فقال : مثل ذلك.

فقال حبيب بن سلمة : لك عندي يا أبا ذر ألف درهم وخمسمائة شاة ، قال أبو ذر : أعط خادمك ألفك وشويهاتك من هو أحوج إلى ذلك مني ، فإني إنما أسأل حقي في كتاب الله.

فجاء عليّ عليه السلام فقال له عثمان : ألا تغني عنا سفيهك هذا. قال : أيّ سفيه ؟ قال : أبو ذر.

قال عليّ : ليس بسفيه سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يقول : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على أصدق لهجة من أبي ذر ، أنزله بمنزلة مؤمن آل فرعون ( إِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ) (7). قال عثمان : التراب في فيك ، قال عليّ عليه السلام : بل التراب في فيك ، أنشد الله من سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يقول ذلك لأبي ذر ؟ فقام أبو هريرة وعشرة فشهدوا بذلك على قول عليّ » (8).

4 ـ روى الثقفي في تاريخه بإسناده عن ابن عباس قال : « استأذن أبو ذر على عثمان فأبى أن يأذن له ، فقال لي : استأذن لي عليه ، قال ابن عباس : فرجعت إلى عثمان فاستأذنت له ، قال : إنّه يؤذيني ، قلت : عسى أن لا يفعل ، فأذن له من أجلي ، فلمّا دخل عليه قال له : اتق الله يا عثمان ، فجعل يقول : اتق الله وعثمان يتوعده قال أبو ذر : انّه قد حدّثني نبيّ الله انّه يجاء بك وبأصحابك يوم القيامة فتبطحون على وجوهكم فتمر عليكم البهائم فتطأكم كلما مرت أخراها ردّت أولاها حتى يفصل بين الناس » (9).

5 ـ وذكر الثقفي في تاريخه عن ثعلبة بن حكيم قال : « بينا أنا جالس عند عثمان وعنده أناس من أصحاب محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم من أهل بدر وغيرهم ، فجاء أبو ذر يتوكأ على عصاه فقال : السلام عليكم فقال : اتق الله يا عثمان إنّك تسمع كذا وكذا وتصنع كذا وكذا ـ وذكر مساويه ـ فسكت عثمان حتى إذا انصرف قال : مَن يعذرني من هذا الّذي لا يدع مساءة إلّا ذكرها ؟ فسكت القوم فلم يجيبوه ، فأرسل إلى عليّ فجاء فقام مقام أبي ذر ، فقال : يا أبا الحسن ما ترى أبا ذر لا يدع لي مساءة إلّا ذكرها.

فقال : يا عثمان أنّي أنهاك عن أبي ذر ، يا عثمان أنهاك عن أبي ذر ثلاث مرات ، أتركه كما قال الله تعالى لمؤمن آل فرعون ( إِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) (10) قال له عثمان : بفيك التراب ، قال له عليّ : بل بفيك التراب ثمّ انصرف » (11).

6 ـ وذكر الثقفي في تاريخه عن عبد الملك ابن أخي أبي ذر ـ وذكر حديث أبي ذر بالشام ثمّ جلبه إلى المدينة وما لاقاه من عنف المسير ـ : « ثمّ حجبه عثمان جمعة وجمعة حتى مضت عشرون ليلة أو نحوها وأفاق أبو ذر ثمّ أرسل إليه وهو معتمد على يدي ، فدخلنا عليه وهو متكيء فاستوى قاعداً ، فلمّا دنا أبو ذر منه قال عثمان :

تحية السخط إذا ألتقينا

 

لا أنعم الله بعمرو عيناً

فقال له أبو ذر : فوالله ما سمّاني الله عمروا ، ولا سماني أبواي عمروا ، وإني على العهد الّذي فارقت عليه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ما غيّرت ولا بدّلت ، فقال له عثمان : كذبت ، لقد كذبت على نبيّنا ، وطعنت في ديننا ، وفارقت رأينا ، وضغنت قلوب المسلمين علينا ثمّ قال لبعض غلمانه : ادع لي قريشاً ، فانطلق رسوله ، فما لبثنا أن امتلأ البيت من رجال قريش فقال لهم عثمان : إنا أرسلنا اليكم في هذا الشيخ الكذاب الّذي يكذب على نبينا وطعن في ديننا وضغن قلوب المسلمين علينا. وإنّي قد رأيت أن أقتله وأصلبه أو أنفيه من الأرض. فقال بعضهم : رأينا لرأيك تبع وقال بعضهم : لا تفعل فإنّه صاحب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وله حقّ ، فما منهم أحدٌ أدّى الّذي عليه ، فبينا هم كذلك اذ جاء عليّ بن أبي طالب عليه السلام يتوكأ على عصاً سراً ، فسلّم عليه ونظر ولم يجد مقعداً ، فأعتمد على عصاه. فما أدري أتخلّف عمداً ؟ أم يظن به غير ذلك. قال عليّ : فيم أرسلتم إلينا ، فقال عثمان : أرسلنا إليكم في هذا الشيخ الّذي قد كذب على نبيّنا وطعن في ديننا وخالف رأينا ، وضغن قلوب المسلمين علينا ، وقد رأينا أن نقتله أو نصلبه أو ننفيه من الأرض.

قال عليّ : أفلا أدلكم على خير من ذلكم وأقرب رشداً ؟ تتركونه بمنزلة مؤمن آل فرعون ( إِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) (12).

قال له عثمان : بفيك التراب ، فقال له عليّ : بل بفيك التراب ، وسيكون ، فأمر بالناس فاخرجوا » (13).

7 ـ وذكر الثقفي في تاريخه عن المعرور بن سويد قال : « كان عثمان يخطب ، فأخذ أبو ذر بحلقة الباب فقال : أنا أبو ذر من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا جندب سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول : ( إنّما مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح في قومه من تخلّف عنها هلك ، ومن ركبها نجا ).

قال له عثمان : كذبت.

فقال له عليّ عليه السلام : إنما كان عليك أن تقول كما قال العبد الصالح ( إِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ) (14) فما أتمّ حتى قال عثمان : بفيك التراب.

فقال عليّ عليه السلام : بل بفيك التراب » (15).

أقول : يبدو أن شتم عثمان للإمام « بفيك التراب » وردّ الإمام عليه بمثلها ، كانت في مواطن عديدة ، فقد مرّت آنفاً في مخالفات شرعية في مسائل الحج في أكل المحرم الصيد فراجع. وجاءت أيضاً قريباً ففي المسجد وفي بيت عثمان مكرراً.

8 ـ أخرج عبد الرزاق في المصنف بسنده إلى أبي كعب الحارثي وهو ذو الأداوة ـ وقد مرّ بعض حديثه في حفصة وسعد بن أبي وقاص ـ قال : « فلقي ـ عثمان ـ عليّاً بباب المسجد فقال له عليّ أين تريد ؟

قال : أريد هذا الّذي كذا وكذا. يعني سعد بن أبي وقاص فشتمه. فقال له عليّ : أيها الرجل دع هذا عنك.

قال : فلم يزل بهما الكلام حتى غضب عثمان فقال : ألست المتخلّف عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يوم تبوك (؟!).

قال عليّ : ألستَ الفارّ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يوم أحد قال : ثمّ حجز بينهما الناس » (16).

أقول : إنّ من السخرية بمكان ، أن يقول ذلك عثمان ، وهو يعلم أن ذلك كان من قول المنافقين في يوم تبوك (17) كما يعلم هو وغيره أن ذلك كان سبب قول النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لعليّ يومئذ : ( ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي ) فعرف ذلك بحديث المنزلة ، وقد أستوفى ابن عساكر طرقه في تاريخه.

وقال : وقد رواه جمع كثير من الصحابة والأنصار والتابعين ، وذكر من رواته عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص بطرق عنه كثيرة ، ثمّ ذكر أسماء ما يزيد على عشرين صحابياً ممّن روى الحديث المذكور (18).

وقال ابن عبد البر في الاستيعاب في أوائل ترجمة الإمام بعد أن ذكر الحديث : « هو من أثبت الآثار وأصحها رواه عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم سعد بن أبي وقاص ، وطرق حديث سعد فيه كثيرة جداً ، وقد ذكرها ابن أبي خثيمة وغيره ، ورواه ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأم سلمة وأسماء بنت عميس وجابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة يطول ذكرهم » (19).

هذا الحديث أخرجه جميع أصحاب الصحاح الستة كما أخرجه الكثيرون من المحدّثين والمؤرخين وأرباب السير ، ومنهم ابن سعد في الطبقات بسنده عن البرّاء بن عازب وزيد بن أرقم قالا : « لمّا كان عند غزوة جيش العسرة وهي تبوك قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لعليّ بن أبي طالب : إنّه لا بدّ من أن أقيم أو تقيم فخلّفه ، فلمّا نَصَل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم غازياً قال ناس : ما خلّف عليّاً إلّا لشيء كرهه منه ، فبلغ ذلك عليّاً فاتّبع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى انتهى إليه فقال له : ما جاء بك يا عليّ ؟ قال : لا يا رسول الله إلّا إنّي سمعت ناساً يزعمون أنّك إنّما خلّفتني لشيء كرهته مني ! فتضاحك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال : ( يا عليّ أما ترضى أن تكون مني كهارون من موسى غير أنّك لستَ بنبيّ ؟ قال : بلى يا رسول الله قال : فإنّه كذلك ) » (20).

وذكر ابن سعد الحديث برواية سعد بن أبي وقاص وفيه : « فأدبر عليّ مسرعاً كأنّي أنظر إلى غبار قدميه يسطح » (21).

ولا يبعد من مناوئي الإمام من العثمانية أنهم أختلقوا لعثمان تجهيز جيش العسرة في مقابل حديث المنزلة يومئذ. هذا عن تعيير عثمان للإمام بتخلّفه يوم تبوك. أمّا عن جواب الإمام وتعييره لعثمان بفراره يوم أحد فهو ممّا ثبت عنه وكان يعيّر به دائماً ولم يستطع إنكاره مرة واحدة بل كان يقول لمن عيّره به كعبد الرحمن بن عوف : أتعيّرني بذنب قد عفا الله لي عنه. فهو من المنهزمين في يوم أحد ولم يعد إلّا بعد ثلاثة أيام ذكر الرازي في تفسير قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ) (22) : « إنّ من المنهزمين عمر ... ومنهم عثمان أنهزم مع رجلين من الأنصار يقال لهما سعد وعقبة ، انهزموا حتى بلغوا موضعاً بعيداً ثمّ رجعوا بعد ثلاثة أيام » (23).

 

 

9 ـ وروى البلاذري في الأنساب قال : «حدثني عباس بن هشام عن أبيه 

عمّن حدثه عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن أبيه عن عبد الله
بن عباس : ان عثمان شكا عليّاً إلى العباس فقال له : يا خال إنّ عليّاً قد قطع
رحمي وألّب الناس عليّ ، والله لئن كنتم يا بني عبد المطلب أقررتم هذا الأمر
في أيدي بني تيم وعدي فبنو عبد مناف أحق أن لا تنازعوهم فيه ولا
تحسدوهم عليه.
قال عبد الله بن العباس : فأطرق أبي طويلاً ثمّ قال : يا ابن أخت لئن كنت لا
تحمدُ عليّاً فما نحمدك له ، وإن حقّك في القرابة والإمامة لَلحقّ الّذي لا يُدفع
ولا يُجحد ، فلو رقيت فيما نطأطأ ، أو تطأطأت فيما رقى تقاربتما ، وكان ذلك
أوصل وأجمل.
قال : قد صيّرت الأمر عن ذلك إليك فقرّب الأمر بيننا.
____________________
(1) آل عمران / 155.
(2) راجع أيضاً الإصابة لابن حجر في ترجمة رافع بن المعلّى الأنصاري وسعيد بن عثمان
الأنصاري فقد ذكر نزول الآية في الرجلين ومعهما عثمان بن عفان.
 
قال : فلمّا خرجنا من عنده دخل عليه مروان فأزاله عن رأيه ، فما لبثنا أن
جاء أبي رسول عثمان بالرجوع إليه فلمّا رجع قال : يا خال أحبّ أن تؤخر النظر
في الأمر الّذي ألقيت إليك حتى أرى من رأيي.
فخرج أبي من عنده ثمّ التفت إليّ فقال : يا بُني ليس إلى هذا الرجل من
أمره شيء. ثمّ قال : اللّهمّ أسبق بي الفتن ولا تبقني إلى ما لا خير لي في البقاء
إليه. فما كانت جمعة حتى هلك»(1).
10 ـ وروى الزبير بن بكار في كتابه الموفقيات عن عبد الله بن عباس قال :
«ما سمعت من أبي شيئاً قط في أمر عثمان يلومه فيه ولا يعذره ، ولا سألته عن
شيء من ذلك مخافة أن أهجم منه على ما لا يوافقه ، فأنا عنده ليلة ونحن نتعشى
إذ قيل هذا أمير المؤمنين عثمان بالباب ، فقال أئذنوا له ، فدخل فأوسع له على
فراشه وأصاب من العشاء معه ، فلمّا رفع قام من كان هناك وثبتّ أنا ، فحمد الله
عثمان وأثنى عليه ثمّ قال :
أمّا بعد يا خال فإني قد جئتك أستعذرك من ابن أخيك عليّ سبّني وشهر
أمري وقطع رحمي وطعن في ديني ، وإني أعوذ بالله منكم يا بني عبد المطلب إن
كان لكم حقّ تزعمون أنكم غُلبتم عليه فقد تركتموه في يدي مَن فعل ذلك
بكم ، وأنا أقرب إليكم رحماً منه ، وما لمت منكم أحداً إلّا عليّاً ، ولقد دعيت أن
أبسط عليه فتركته لله والرحم وأنا أخاف أن لا يتركني فلا أتركه.
قال ابن عباس : فحمد أبي الله وأثنى عليه ثمّ قال : أمّا بعد يا بن أختي فإن
كنت لا تحمد عليّاً لنفسك فإنّي لأحمدك لعليّ وما عليّ وحده قال فيك بل
____________________
(1) أنساب الأشراف 1 ق 4 / 498.
 
غيره ، فلو أنّك أتهمت نفسك للناس أتهم الناس أنفسهم لك ، ولو أنّك نزلت ممّا
رقيت وأرتقوا ممّا نزلوا فأخذت منهم وأخذوا منك ما كان بذلك بأس.
قال عثمان : فذلك إليك يا خال وأنت بيني وبينهم. قال : أفأذكر لهم ذلك
عنك ؟ قال : نعم ، وأنصرف. فما لبثنا أن قيل : هذا أمير المؤمنين قد رجع بالباب ،
قال أبي : أئذنوا له فدخل فقام قائماً ولم يجلس وقال : لا تعجل يا خال حتى
أوذنك. فنظرنا فإذا مروان بن الحكم كان جالساً بالباب ينتظره حتى خرج فهو
الّذي ثناه عن رأيه الأوّل.
فأقبل عليَّ أبي وقال : يا بني ما إلى هذا من أمره شيء ، ثمّ قال : يا بني أملك
عليك لسانك حتى ترى ما لابدّ منه. ثمّ رفع يديه فقال : اللّهمّ اسبق بي ما لا خير
لي في إدراكه ، فما مرّت جمعة حتى مات رحمه‌الله»(1).
11 ـ وروى البلاذري في أنساب الأشراف بإسناده عن صهيب مولى
العباس : «ان العباس قال لعثمان : أذكّرك الله في أمر ابن عمك وابن خالك
وصهرك وصاحبك مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقد بلغني أنّك تريد أن تقوم به وبأصحابه.
فقال : أوّل ما أجيبك به أنّي قد شفّعتك ، إنّ عليّاً لو شاء لم يكن أحد عندي إلّا
دونه ولكن أبى إلّا رأيه.
ثمّ قال لعليّ : مثل قوله لعثمان فقال عليّ : لو أمرني عثمان أن أخرج من
داري لخرجت»(2).
____________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 397. وهذه الواقعة غير الّتي سبقتها وان عاصرتها زماناً
ففي الاُولى كانت الشكوى في دار عثمان والعباس حاضر عنده. أمّا هذه فهي في دار
العباس وعثمان حاضر عنده ، ولا مانع من تعدّدهما إذا عرفنا تخبّط السياسة يومئذ في
معالجة مشاكل الناس وأستحواذ مروان على عثمان في تدبير أُموره.
(2) أنساب الأشراف 1 ق 4 / 498 و 499.
 
12 ـ روى الواقدي في كتاب الشورى عن ابن عباس رحمه‌الله قال : «شهدت
عتاب عثمان لعليّ عليه‌السلام يوماً فقال له في بعض ما قاله : نشدتك الله أن تفتح للفرقة
بأباً فلعهدي بك وأنت تطيع عتيقاً وابن الخطاب طاعتك لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولستُ
بدون واحد منهما ، وأنا أمسّ بك رحماً وأقرب إليك صهراً ، فإن كنت تزعم أنّ
هذا الأمر جعله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لك ، فقد رأيناك حين توفي نازعت ثمّ أقررت ،
فإن كانا لم يركبا من الأمر جَداً فكيف أذعنت لهما بالبيعة وبخعت بالطاعة ، وإن
كانا أحسنا فيما وليا ولم أقصر عنهما في ديني وحسبي وقرابتي فكن لي كما
كنت لهما.
فقال عليّ عليه‌السلام : أمّا الفرقة فمعاذ الله أن أفتح لها بأباً وأسهّل إليها سبيلاً ،
ولكني أنهاك عمّا ينهاك الله ورسوله عنه ، وأهديك إلى رشدك. وأمّا عتيق وابن
الخطاب فان كانا أخذا ما جعله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لي فأنت أعلم بذلك والمسلمون ،
وما لي ولهذا الأمر وقد تركته منذ حين.
فأمّا أن لا يكون حقي بل المسلمون فيه شرع فقد أصاب السهم الثغرة ، وأمّا
أن يكون حقي دونهم ، فقد تركته لهم طبت به نفساً ، ونفضت يدي عنه
استصلاحاً.
وأمّا التسوية بينك وبينهما فلست كأحدهما ، إنّهما وليا هذا الأمر فطلقا
أنفسهما وأهلهما عنه. وعُمتَ فيه وقومك عوم السابح في اللجة ، فارجع إلى الله
أبا عمرو وانظر هل بقي من عمرك إلّا كظم الحمار فحتى متى وإلى متى ؟ ألا
تنهى سفهاء بني أمية عن أعراض المسلمين وأبشارهم وأموالهم ؟ والله لو ظلم
عامل من عمالك حيث تغرب الشمس لكان أثمه مشتركاً بينه وبينك.
 
قال ابن عباس : فقال عثمان : لك العتبى ، وافعل وأعزل من عمالي كلّ من
تكرهه ويكرهه المسلمون. ثمّ أفترقا فصدّه مروان بن الحكم عن ذلك ، وقال
يجتريء عليك الناس فلا تعزل أحداً منهم»(1).
13 ـ وروى الزبير بن بكار في كتابه الموفقيات بسنده عن عليّ بن أبي
طالب عليه‌السلام قال : «أرسل إليَّ عثمان في الهاجرة فتقنعت بثوبي وأتيته ، فدخلت
عليه وهو على سريره وفي يده قضيب وبين يديه مال دثر ، صُبرتان من وَرِق
وذهب. فقال : دونك خذ من هذا حتى تملأ بطنك فقد أحرقتني ، فقلت : وصلتك
رحم إن كان هذا المال ورثته أو اعطاكه معطِ أو أكتسبته من تجارة. كنتُ أحد
رجلين إما آخذ وأشكر ، أو أوفر وأجهد ، وإن كان من مال الله وفيه حقّ
المسلمين واليتيم وابن السبيل ، فوالله ما لك أن تعطينيه ، ولا لي أن آخذه. فقال
أبيت والله إلّا ما أبيت ، ثمّ قام إليَّ بالقضيب فضربني ، والله ما رددت يده حتى
قضى حاجته ، فتقنعت بثوبي ورجعت إلى منزلي ، وقلت : الله بيني وبينك إن كنت
أمرتك بمعروف ونهيت عن منكر»(2).
14 ـ وروى الزبير بن بكار في كتاب الموفقيات عن ابن عباس رحمه‌الله
قال : «صليت العصر يوماً ثمّ خرجت فإذا أنا بعثمان في أيام خلافته في
بعض أزقة المدينة وحده ، فأتيته إجلالاً وتوقيراً لمكانه ، فقال لي : هل رأيت
عليّاً ؟ قلت : خلّفته في المسجد ، فإن لم يكن الآن فيه فهو في منزله. قال : أمّا
منزله فليس فيه فابغه لنا في المسجد ، فتوجهنا إلى المسجد ، وإذا عليّ عليه‌السلام
يخرج منه.
____________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 398 ط مصر الأولى.
(2) نفس المصدر.
 
ـ قال ابن عباس : وقد كنت أمس ذلك اليوم عند عليّ فذكر عثمان
وتجرّمه عليه ، وقال : أما والله يا بن عباس أن من دوائه لقطع كلامه وترك لقائه ،
فقلت له يرحمك الله كيف لك بهذا ، فإن تركته ثمّ أرسل إليك فما أنت صانع ؟
قال : أعتلّ واعتلّ فمن يضرّني ؟ قال : لا أحد ـ
قال ابن عباس : فلمّا تراء يناله وهو خارج من المسجد ظهر منه من التفات
والطلب للأنصراف ما أستبان لعثمان ، فنظر إليّ عثمان وقال : يا بن عباس أما ترى
ابن خالنا يكره لقاءنا ؟ فقلت : ولِمَ وحقك ألزم وهو بالفضل أعلم. فلمّا تقاربا رماه
عثمان بالسلام فردّ عليه ، فقال عثمان : إن تدخل فإياك أردنا ، وإن تمض فإياك
طلبنا. فقال عليّ : أيّ ذلك أحببت قال : تدخل ، فدخلا وأخذ عثمان بيده فأهوى
به إلى القبلة فقصر عنها وجلس قبالتها ، فجلس عثمان إلى جانبه ، فنكصت عنهما ،
فدعواني جميعاً فأتيتهما.
فحمد الله عثمان وأثنى عليه وصلّى على رسوله ثمّ قال : أمّا بعد يا بني
خاليّ وابنيّ عمّي فإذ جمعتكما في النداء فاستجمعكما في الشكاية على رضائي
عن أحدكما ووجدي على الآخر ، إنّي أستعذركما من أنفسكما وأسألكما
فيأتكما وأستوهبكما رجعتكما ، فوالله لو غالبني الناس ما أنتصرت إلّا بكما ، ولو
تهضّموني ما تعززت إلّا بعزّكما ، ولقد طال هذا الأمر بيننا حتى تخوّفت أن يجوز
قدره ويعظم الخطر فيه. ولقد هاجني العدو عليكما وأغراني بكما ، فمنحني الله
والرحم ممّا أراد ، وقد خلونا في مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلى جانب قبره ، وقد
أحببت أن تظهرا لي رأيكما وما تنطويان لي عليه وتصدقا فان الصدق أنجى
وأسلم وأستغفر الله لي ولكما.
 
قال ابن عباس : فأطرق عليّ عليه‌السلام وأطرقت معه طويلاً. أمّا أنا فأجللته أن
أتكلّم قبله وأمّا هو فأراد أن أجيب عني وعنه ، ثمّ قلت له : أتتكلم أم أتكلم أنا
عنك ؟
قال : بل تكلم عني وعنك.
فحمدت الله وأثنيت عليه ، وصليت على رسوله ثمّ قلت : أمّا بعد يا بن عمنا
وعمتنا فقد سمعنا كلامك لنا وخلطك في الشكاية بيننا على رضاك ـ زعمت ـ
عن أحدنا ووجدك على الآخر ، وسنفعل في ذلك فنذمّك ونحمدك ، اقتداء منك
بفعلك فينا ، فانا نذمّ مثل تهمتك إيانا على ما أتهمتنا عليه بلا ثقة إلّا ظناً ، ونحمد
منك غير ذلك من مخالفتك عشيرتك ، ثمّ نستعذرك من نفسك استعذارك إيانا من
أنفسنا ، ونستوهبك فيأتك استيهابك إيانا فيأتنا ، ونسألك رجعتك مسألتك إيانا
رجعتنا ، فإنا معاً أيّما حمدت وذممت منا كمثلك في أمر نفسك ، ليس بيننا فرق
ولا اختلاف ، بل كلانا شريك صاحبه في رأيه وقوله ، فوالله ما تعلمنا غير معذّرين
فيما بيننا وبينك ، ولا تعرفنا غير قانتين عليك ولا تجدنا غير راجعين اليك ، فنحن
نسألك من نفسك مثل ما سألتنا من أنفسنا.
وأمّا قولك : لو غالبتني الناس ما أنتصرت إلّا بكما أو تهضّموني ما تعزّزت
إلاّ بعزّكما ، فأين بنا وبك عن ذلك ونحن وأنت كما قال أخو كنانة :
بدا بخير ما رام نال وان يرم
         نخض دونه غمرا من اللغر رائمه
 
لنا ولهم منا ومنهم على العدى
         مراتب عزّ مصعدات سلالمه
 
وأمّا قولك في هيج العدو إياك وإغرائه لك بنا ، فوالله ما أتاك العدو من
ذلك شيئاً إلّا وقد أتانا بأعظم منه فمنعناه ما أراد ما منعك من مراقبة الله والرحم ،

 
وما أبقيت أنت ونحن إلّا على أدياننا وأعراضنا ومروآتنا ، ولقد لعمري طال بنا
وبك هذا الأمر حتى تخوّفنا منه على أنفسنا وراقبنا منه ما راقبت.
وأمّا مساءلتك إيانا عن رأينا فيك وما ننطوي عليه لك ، فإنا نخبرك ان ذلك
إلى ما تحبّ لا يعلم واحد منا من صاحبه إلّا ذلك ، ولا يقبل منه غيره ، وكلانا
ضامن على صاحبه ذلك وكفيل به ، وقد برّأت أحدنا وزكّيته وأنطقت الآخر
وأسكته ، وليس السقيم منا ممّا كرهت بأنطق من البري فيما ذكرت ، ولا البري منا
ممّا سخطت بأظهر من السقيم فيما وصفت ، فإما جمعتنا في الرضا وإما جمعتنا
في السخط ، لنجازيك بمثل ما تفعل بنا في ذلك مكايلة الصاع بالصاع ، فقد
أعلمناك رأينا وأظهرنا لك ذات أنفسنا وصدقناك ، والصدق ـ كما ذكرت ـ
أنجى وأسلم ، فأجب إلى ما دعوت إليه ، وأجلل عن النقص والعذر مسجد رسول
الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وموضع قبره ، وأصدق تنج وتسلم ونستغفر الله لنا ولك.
قال ابن عباس : فنظر إليّ عليّ عليه‌السلام نظر هيبة ، وقال : دعه حتى يبلغ رضاه
فيما هو فيه. فوالله لو ظهرت له قلوبنا وبدت له سرائرنا حتى رآها بعينه كما يسمع
الخبر عنها بإذنه ما زال متجرّماً منتقماً ، والله ما أنا ملقى على وضمة ، وإني لمانع ما
وراء ظهري ، وان هذا الكلام لمخالفة منه وسوء عشرة. فقال عثمان : مهلاً أبا
حسن فوالله إنّك لتعلم ان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصفني بغير ذلك يوم يقول وأنت عنده :
إنّ من أصحابي لقوماً سالمين لهم وانّ عثمان لمنهم انّه لأحسنهم بهم ظناً
وأنصحهم لهم حبّاً.
فقال عليّ عليه‌السلام : فصدّق قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بفعلك ، وخالف ما أنت الآن عليه ، فقد قيل
لك ما سمعت وهو كاف إن قبلت ، قال عثمان : تثق يا أبا الحسن ؟ قال : نعم أثق
ولا أظنك فاعلاً.
 
قال عثمان : قد وثقت وأنت ممن لا يخفر صاحبه ولا يكذّب لقيله.
قال ابن عباس : فأخذت بأيديهما حتى تصافحا وتصالحا وتمازحا ، ونهضت
عنهما فتشاورا وتآمرا وتذاكرا ، ثمّ افترقا : فوالله ما مرّت ثالثة حتى لقيني كلّ
واحد منهما يذكر من صاحبه ما لا تبرك عليه الإبل ، فعلمت أن لا سبيل إلى
صلحهما بعدها»(1).
15 ـ وروى الزبير بن بكار في كتاب الموفقيات عن عمه عن عيسى بن
داود عن رجاله قال : «قال ابن عباس رحمه‌الله : لما بنى عثمان داره بالمدينة أكثر الناس
عليه في ذلك فبلغه ، فخطبنا في يوم جمعة ثمّ صلّى بنا ثمّ عاد إلى المنبر فحمد
الله وأثنى عليه وصلّى على رسوله ثمّ قال :
أمّا بعد فانّ النعمة إذا حدثت حدث لها حسّاد حسبها وأعداء قدرها ، وإنّ
الله لم يحدث لنا نعماً ليحدث لها حسّاد عليها ومنافسون فيها ، ولكنه قد كان من
بناء منزلنا هذا ما كان أرادة جمع المال فيه وضم القاصية إليه. فأتانا عن أناس
منكم أنّهم يقولون أخذ فيأنا وأنفق شيأنا واستأثر بأموالنا ، يمشون خمراً ، وينطقون
سراً ، كأنا غيّب عنهم ، وكأنّهم يهابون مواجهتنا ، معرفة منهم بدحوض حجتهم ،
فاذا غابوا عنا يروح بعضهم إلى بعض يذكرنا ، وقد وجدوا على ذلك أعواناً من
نظرائهم ومؤازرين من شبهائهم ، فبُعداً بُعداً ، ورغماً رغماً ، ثمّ أنشد بيتين كأنه
يوميء فيهما إلى عليّ عليه‌السلام :
توقّد بنار أينما كنت وأشتعل
         فلست ترى ممّا تعالج شافياً
 
تشط فيقصي الأمر دونك أهلُه
         وشيكاً ولا تدعى إذا كنت نائياً
 
____________________
(1) نفس المصدر 2 / 399.
 
ما لي ولفيئكم وأخذ مالكم ، ألست من أكثر قريش مالاً وأظهرهم من الله
نعمة ؟ ألم أكن على ذلك قبل الإسلام وبعده ؟ وهبوني بنيت منزلاً من بيت المال
أليس هو لي ولكم ؟ ألم أقم أموركم ، واني من وراء حاجاتكم ؟ فما تفقدون من
حقوقكم شيئاً ؟ فلم لا أصنع في الفضل ما أحببت ؟ فلِمَ كنت إماماً إذاً ؟ ألا وإن
من أعجب العجب انّه بلغني عنكم أنّكم تقولون : لنفعلن به ولنفعلن ، فبمن
تفعلون ؟ لله آباؤكم ، أبنقد البقاع أم بفقع القاع ؟ ألست أحراكم إن دعا أن
يجاب ؟ وأقمنكم إن أمر أن يطاع ؟ لهفي على بقائي فيكم بعد أصحابي ، وحياتي
فيكم بعد أترابي ، يا ليتني تقدمت قبل هذا ، لكني لا أحبّ خلاف ما أحبّه الله
لي عزوجل. إذا شئتم ، فانّ الصادق المصدّق محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد حدثني بما هو كائن من
أمري وأمركم ، وهذا بدء ذلك وأوله ، فكيف الهرب ممّا حتم وقدّر ، أما انّه عليه‌السلام
قد بشّرني في آخر حديثه بالجنة دونكم إذا شئتم فلا أفلح من ندم.
قال : ثمّ همّ بالنزول فبصر عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ومعه عمّار بن ياسر رضي‌الله‌عنه
وناس من أهل هواه يتناجون فقال : أيهاً أيهاً أسراراً لا جهاراً ، أما والذي نفسي
بيده ما أحنق على جرة ولا أوتى على ضعف مرة ، ولولا النظر لي ولكم والرفق
بي وبكم لعاجلتكم فقد أغتررتم ، وأقلتم من أنفسكم ، ثمّ رفع يديه يدعو ويقول :
اللّهمّ قد تعلم حبي للعافية فألبسنيها ، وإيثاري للسلامة فاتنيها.
قال : فتفرق القوم عن عليّ عليه‌السلام ، وقام عدي بن الخيار فقال : أتم الله عليك يا
أمير المؤمنين النعمة وزادك في الكرامة ، والله لأن تُحسد أفضل من أن تحسد ،
ولأن تُنافس أجل من أن تنافِس ، أنت والله في حبنا الصميم ومنصبنا الكريم ، إن
دعوت أُجبت ، وأن أمرت أُطعت ، فقل نفعل وادع نجب. جُعلت الخيرة
والشورى إلى أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليختاروا لهم ولغيرهم ، وانّهم ليرون مكانك

 
ويعرفون مكان غيرك ، فاختاروك منيبين طائعين غير مكرهين ولا مجبرين ، ما
غيّرت ولا فارقت ولا بدّلت ولا خالفت ، فعلام يقدمون عليك ، وهذا رأيهم فيك ،
أنت والله كما قال الأوّل :
اذهب إليك فما للحسود
         طلابك تحت العثار
 
حكمتَ فما جُرت في خُلةٍ
         فحكمك بالحقّ بادي المنار
 
فإن يسبعوك قسراً وقد
         جهرتَ بسيفك كلّ الجهار
 
قال : ونزل عثمان فاتى منزله ، وأتاه الناس وفيهم ابن عباس فلمّا أخذوا
مجالسهم أقبل على ابن عباس فقال : مالي ولكم يا بن عباس ؟ ما أغراكم بي
وأولعكم بتعقّب أمري ؟ أتنقمون عليّ أمر العامة أتيت من وراء حقوقهم أم
أمركم ، فقد جعلتهم يتمنون منزلتكم ، لا والله لكن الحسد والبغي وتثوير الشر
وإحياء الفتن والله لقد ألقى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليَّ ذلك ، وأخبرني عن أهله واحداً واحداً ،
والله ما كذبت ولا أنا بمكذوب.
فقال ابن عباس : على رسلك يا أمير المؤمنين ، فوالله ما عهدتك جَهِراً بسرّك
ولا مظهراً ما في نفسك فما الّذي هيّجك وثوّرك ؟ إنا لم يولعنا بك أمر ، ولم
نتعقب أمرك بشيء ، أُتيت بالكذب وتُسوّق عليك بالباطل ، والله ما نقمنا عليك لنا
ولا للعامة ، قد أوتيت من وراء حقوقنا وحقوقهم ، وقضيت ما يلزمك لنا ولهم ،
فأمّا الحسد والبغي وتثوير الفتن وإحياء الشرّ فمتى رضيت به عترة النبيّ وأهل
بيته ، كيف وهم منه واليه ، على دين الله يثورون الشر ؟ أم على الله يحيون الفتن ؟
كلا ليس البغي ولا الحسد من طباعهم ، فاتئد يا أمير المؤمنين وأبصر أمرك
وأمسك عليك ، فان حالتك الأولى خير من حالتك الأخرى ، لعمري إن كنت

 
لأثيراً عند رسول الله وإن كان ليفضي إليك بسره ما يطويه عن غيرك ولا كذبت
ولا أنت بمكذوب ، أخسىء الشيطان عنك ولا يركبك ، وأغلب غضَبك ولا
يغلبك ، فما دعاك إلى هذا الأمر الّذي كان منك ؟
قال : دعاني إليه ابن عمك عليّ بن أبي طالب.
فقال ابن عباس : وعسى أن يكذب مبلّغك ؟
قال عثمان : إنّه ثقة.
قال ابن عباس : إنّه ليس بثقة من بلّغ وأغرى.
قال عثمان : يا بن عباس ألله انّك ما تعلم من عليّ ما شكوت منه ؟
قال : اللّهمّ لا ، إلّا أن يقول كما يقول الناس ينقم كما ينقمون ، فمن أغراك
به وأولعك بذكره دونهم ؟
فقال عثمان : إنّما آفتي من أعظم من الداء الّذي ينصب نفسه لرأس الأمر
وهو عليّ ابن عمك ، وهذا والله كلّه من نكده وشؤمه.
قال ابن عباس : مهلاً أستثن يا أمير المؤمنين قل إن شاء الله.
فقال : إن شاء الله ، ثمّ قال : إنّي أنشدك يا بن عباس الإسلام والرحم فقد
والله غُلبت وابتليت بكم والله لوددت أن هذا الأمر كان صار إليكم دوني ،
فحملتموه عني وكنت أحد أعوانكم عليه ، إذاً والله لوجدتموني لكم خيراً ممّا
وجدتكم لي. ولقد علمتُ أن الأمر لكم ولكن قومكم دفعوكم عنه وأختزلوه
دونكم ، فوالله ما أدري أرفعوه عنكم ، أم رفعوكم عنه ؟
قال ابن عباس : مهلاً يا أمير المؤمنين فانا ننشدك الله والإسلام والرحم مثل
ما نشدتنا أن تطمع فينا وفيك عدواً ، وتشمت بنا وبك حسوداً ، ان أمرك إليك ما

 
كان قولاً ، فإذا صار فعلاً فليس إليك ولا في يديك ، وانا والله لنخالفنّ إن خولفنا
ولننازعنّ إن نوزعنا ، وما تمنيك أن يكون الأمر صار إلينا دونك إلّا أن يقول قائل
منا ما يقوله الناس ، ويعيب كما عابوا.
فأمّا صرف قومنا عنا الأمر فعن حسدٍ قد والله عرفته ، وبغيٍ قد والله علمتَه ،
فالله بيننا وبين قومنا.
وأمّا قولك : إنّك لا تدري أرفعوه عنا أم رفعونا عنه ، فلعمري إنّك لتعرف
إنّه لو صار إلينا هذا الأمر ما ازددنا به فضلاً إلى فضلنا ، ولا قدراً إلى قدرنا ، وإنا
لأهل الفضل وأهل القدر ، وما فضل فاضل إلّا بفضلنا ، ولا سبق سابق إلّا بسبقنا ،
ولولا هدينا ما أهتدى أحد ، ولا أبصروا من عمىً ولا قصدوا من خور.
فقال عثمان : حتى متى يا بن عباس يأتيني عنكم ما يأتيني ، هبوني كنت
بعيداً ما كان لي من الحقّ عليكم أن أراقب وأن أناظر ، بلى ورب الكعبة ، ولكن
الفرقة سهّلت لكم القول فيّ وتقدّمت لكم إلى الإسراع إليَّ والله المستعان.
قال ابن عباس : مهلاً حتى ألقى عليّاً ثمّ أحمل إليك على قدر ما أرى.
قال عثمان : افعل فقد فعلت ، وطالما طلبت فلا أطلب ولا أجاب ولا أعتب.
قال ابن عباس : فخرجت فلقيت عليّاً وإذا به من الغضب والتلظي أضعاف
ما بعثمان ، فأردت تسكينه فأمتنع ، فأتيت منزلي وأغلقت بابي وأعتزلتهما. فبلغ
ذلك عثمان فأرسل إليَّ فأتيته وقد هدأ غضبه ، فنظر إليّ ثمّ ضحك وقال : يا بن
عباس ما أبطأ بك عنا ؟ إنّ تركك العَود إلينا لدليل على ما رأيت عند صاحبك ،
وعرفت من حاله فالله بيننا وبينه خذ بنا في غير ذلك.
 
قال ابن عباس : فكان عثمان بعد ذلك إذا أتاه عن عليّ فأردت التكذيب
عنه يقول : ولا يوم الجمعة أبطأت عنا وتركتَ العود إلينا ، فلا أدري كيف أردّ
عليه ... اهـ»(1).
16 ـ وروى الزبير بن بكار أيضاً في الموفقيات عن ابن عباس رحمه‌الله قال :
«خرجت من منزلي سحراً أسابق إلى المسجد وأطلب الفضيلة فسمعت خلفي
حساً وكلاماً فتسمعته فإذا حس عثمان وهو يدعو ولا يرى أنّ أحداً يسمعه
ويقول : اللّهمّ قد تعلم نيّتي فأعنّي عليهم ، وتعلم الذين أبتليت بهم من ذوي
رحمي وقرابتي فأصلحني لهم وأصلحهم لي.
قال : فقصّرت من خطوتي واسرع في مشيته فألتقينا فسلّم فرددت عليه.
فقال : انّي خرجت ليلتنا هذه أطلب الفضل والمسابقة إلى المسجد ، فقلت : إنّه
أخرجني ما أخرجك ، فقال : والله لئن سابقت إلى الخير انّك لمن سابقين
مباركين ، وإنّي لأحبكم وأتقرب إلى الله بحبكم.
فقلت : يرحمك الله يا أمير المؤمنين إنا لنحبّك ونعرف سابقتك وسنّك
وقرابتك وصهرك.
قال : يا بن عباس فما لي ولأبن عمك وابن خالي ، قلت : أي بني عمومتي
وبني أخوالك ؟ قال : اللّهم غفراً تسأل مسألة الجاهل ، قلت : إنّ بني عمومتي من
بني خؤلتك كثير فأيهم تعني ؟ قال : أعني عليّاً لا غيره. فقلت لا والله يا أمير
المؤمنين ما أعلم منه إلّا خيراً ولا أعرف له إلّا حسناً.
قال : والله بالحري أن يستر دونك ما يظهره لغيرك ، ويقبض عنك ما يبسط
به إلى سواك.
____________________
(1) نفس المصدر.
 
قال : ورمينا بعمّار بن ياسر فسلّم فرددت عليه سلامه ثمّ قال : من معك ؟
قلت أمير المؤمنين عثمان. قال نعم وسلّم بكنيته ولم يسلّم عليه بالخلافة فردّ
عليه.
ثمّ قال عمّار : ما الّذي كنتم فيه فقد سمعت ذرواً منه ؟ قلت : هو ما سمعت ،
فقال عمّار : رب مظلوم غافل وظالم متجاهل. قال عثمان : أما إنّك من شناتنا
وأتباعهم ، وأيم الله إنّ اليد عليك منبسطة ، وإنّ السبيل إليك لسهلة ، ولولا إيثار
العافية ولمّ الشعث لزجرتك زجرة تكفي ما مضى وتمنع ما بقي.
فقال عمّار : والله ما أعتذر من حبي عليّاً وما اليد بمنبسطة ولا السبيل بسهلة ،
إنّي لازم حجة ومقيم على سنّة ، وأمّا إيثارك العافية ولمّ الشعث فلازم لك ذلك ،
وأمّا زجري فأمسك عنه فقد كفاك معلّمي تعليمي.
فقال عثمان : أما والله إنّك ما علمت من أعوان الشر الحاضين عليه الخذلة
عند الخير والمثبطين عنه.
فقال عمّار : مهلاً يا عثمان فقد سمعتَ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصفني بغير ذلك.
قال عثمان : ومتى ؟
قال يوم دخلت عليه منصرفه عن الجمعة وليس عنده غيرك وقد ألقى ثيابه
وقعد في فضله فقبّلت صدره ونحره وجبهته.
فقال : يا عمّار إنّك لتحبّنا وإنا لنحبّك ، وانك لمن الأعوان على الخير
المثبّطين عن الشرّ.
فقال عثمان : أجل ولكنك غيّرت وبدّلت.
قال : فرفع عمّار يده يدعو وقال : أمّن يا بن عباس : اللّهم مَن غيّر فغيّر به.
ثلاث مرات.
 
قال : ودخلنا المسجد ، فأهوى عمّار إلى مصلاه ومضيت مع عثمان إلى
القبلة فدخل المحراب وقال : تلبث عليّ إذا أنصرفنا .. فلمّا رآني عمّار وحدي
أتاني فقال : أما رأيت ما بلغ بي آنفاً.
قلت : أما والله لقد أصعبتَ به وأصعب بك وان له لسنّه وفضله وقرابته.
قال : إنّ له ذلك ، ولكن لا حقّ لمن لا حقّ عليه. وانصرف ، وصلّى عثمان
وأنصرفت معه يتوكأ عليّ. فقال : هل سمعت ما قال عمّار ؟ قلت : نعم فسرّني ذلك
وساءني ، أمّا مساءته اياي فما بلغ بك وأمّا مسرّته لي فحملك واحتمالك. فقال : انّ
عليّاً فارقني منذ أيام على المقاربة ، وان عماراً آتيه فقائل له وقائل ، فابدره إليه
فإنّك اوثق عنده منه وأصدق قولاً فألق الأمر إليه على وجهه. فقلت : نعم
وأنصرفت أريد عليّاً عليه‌السلام في المسجد فإذا هو خارج منه ، فلمّا رآني تفجّع لي من
فوت الصلاة وقال : ما أدركتها ؟ قلت : بلى ولكني خرجت مع أمير المؤمنين ، ثمّ
أقتصصت عليه القصة.
فقال : أما والله يا بن عباس إنّه ليقرف قرحة ليحورنّ عليه ألمها.
فقلت : إن له سنّه وسابقته وقرابته وصهره.
قال : إن ذلك له ولكن لا حقّ لمن لا حقّ عليه. قال : ثمّ رهقنا عمّار فبشّ
به عليّ وتبسّم في وجهه وسأله ، فقال عمّار : يا بن عباس هل ألقيت إليه ما كنا
فيه ؟ قلت : نعم ، قال : أما والله إذاً لقد قلت بلسان عمّار ونطقت بهواه. قلت : ما
عدوت الحقّ جهدي ، ولا ذلك من فعلي وانك لتعلم أيّ الحظين أحبّ إليَّ ، وأيّ
الحقين أوجب عليّ.
قال : فظن عليّ انّ عند عمّار غير ما ألقيت إليه ، فأخذ بيده وترك يدي ،
فعلمت إنّه يكره مكاني فتخلّفت عنهما وأنشعب بنا الطريق فسلكاه ولم يدعني ،

 
فأنطلقت إلى منزلي ، فاذا رسول عثمان يدعوني فأتيته ، فأجد ببابه مروان وسعيد
ابن العاص في رجال من بني أمية ، فأذن لي وألطفني وقرّبني وأدنى مجلسي ثمّ
قال : ما صنعت ؟ فأخبرته الخبر على وجهه وما قال الرجل وقلت له وكتمته قوله
إنّه ليقرف قرحة ليحورنّ عليه ألمها ، إبقاءً عليه وإجلالاً له ، وذكرت مجيء عمّار
وبشّ عليّ له وظن عليّ أن قِبلَه غير ما ألقيت عليه ، وسلوكهما حيث سلكا. قال :
وفعلا ؟ قلت : نعم. فأستقبل القبلة ثمّ قال : اللّهم ربّ السموات والأرض عالم
الغيب والشهادة الرحمن الرحيم أصلح لي عليّاً وأصلحني له ، أمّن يا بن عباس ،
فأمّنت ، ثمّ تحدثنا طويلاً وفارقته وأتيت منزلي ... اهـ»(1).
17 ـ ذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة وابن عبد ربه في العقد الفريد :
«وكان عليّ كلما اشتكى الناس إليه أمر عثمان أرسل أبنه الحسن إليه ، فلمّا أكثر
عليه قال له : إنّ أباك يرى أنّ أحداً لا يعلم ما علم ، ونحن أعلم بما نفعل ، فكفّ
عنّا ، فلم يبعث عليّ ابنه في شيء بعد ذلك.
وذكروا انّ عثمان صلّى العصر ثمّ خرج إلى عليّ يعوده في مرضه ومروان
معه ، فرآه ثقيلاً ، فقال : أما والله لولا ما أرى منك ما كنت أتكلم بما أريد أن
أتكلّم به ، والله ما أدري أيّ يوميك أحبّ إليَّ أو أبغض ؟ أيوم حياتك ؟ أو يوم
موتك ؟ أما والله لئن بقيت لا أعدم شامتاً يعدّك كهفاً ، ويتخذك عضداً ، ولئن متّ
لأفجعنّ بك ، فحظّي منك حظّ الوالد المشفق من الولد العاقّ ، إن عاش عقّه ، وان
مات فجعه ، فليتك جعلت لنا من أمرك لنا علماً نقف عليه ونعرفه ، إما صديق
مسالم ، وإما عدو مُعاني ، ولا تجعلني كالمختنق بين السماء والأرض ، لا يرقى بيد
____________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 396.
 
ولا يهبط برجل ، أما والله لئن قتلتك لا أصيب منك خَلَفاً ، ولئن قتلتني لا تصيب
مني خلفاً ، وما أحب أن أبقى بعدك.
قال مروان : إي والله وأخرى إنّه لا ينال ما وراء ظهورنا حتى تكسّر رماحنا
وتقطع سيوفنا ، فما خير العيش بعد هذا. فضرب عثمان في صدره وقال : ما
يدخلك في كلامنا ؟
فقال عليّ : إنّي والله في شغل عن جوابكما ولكني أقول كما قال أبو
يوسف (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)»(1).
18 ـ ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد : وقال عبد الله بن العباس : أرسل إليّ
عثمان فقال لي : إكفني ابن عمك. فقلت : إن ابن عمي ليس بالرجل يُرى له
ولكنه يرى لنفسه فأرسلني إليه بما أحببت. قال : قل له فليخرج إلى ما له بينبع فلا
أغتمّ به ولا يغتمّ بي ، فأتيت عليّاً فأخبرته ، فقال : ما اتخذني عثمان إلّا ناضحاً ثمّ
أنشد يقول :
فكيف به أنّى أداوي جراحَه
         فيَدوى فلا مُلّ الدواء ولا الداء
 
أما والله أنّه ليختبر القوم ، فأتيت عثمان فحدثته الحديث كلّه إلّا البيت
الّذي أنشده وقوله أنّه ليختبر القوم. فأنشد عثمان :
فكيف به أنّى أداوي جراحَه
         فيَدوى فلا مُلّ الدواء ولا الداء
 
وجعل يقول : يا رحيم أنصرني ، يا رحيم أنصرني.
قال : فخرج عليّ إلى ينبع فكتب إليه عثمان حين أشتد الأمر : أمّا بعد فقد
بلغ السيل الزُبى ، وجاوز الحزام الطبيين ، وطمع فيّ من كان يضعف عن نفسه.
____________________
(1) الإمامة والسياسة 1 / 30 ، والعقد الفريد ط لجنة التاليف والترجمة والنشر بمصر ،
والآية من سورة يوسف / 18.

فإنّك لم يفخر عليك كفاخر
         ضعيف ولم يغلبك مثلُ مغلّبِ
 
فأقبل إليَّ على أيّ أمر يك أحببت ، وكن لي أم عليّ ، صديقاً كنت أم
عدواً :
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل
         وإلّا فأدركني ولمّا أمزّق(1)
 
19 ـ روى الشريف الرضي في نهج البلاغة قال : «ومن كلام له عليه‌السلام قال
لعبد الله بن عباس وقد جاءه برسالة من عثمان وهو محصور يسأله فيها الخروج
إلى ماله بينبع ليقل هتف الناس بأسمه للخلافة ، بعد أن كان سأله مثل ذلك من
قبل. فقال عليه‌السلام :
يا بن عباس ما يريد عثمان إلّا أن يجعلني جملاً ناضحاً بالغَرب ، اقبل
وأدبر ، بعث إليَّ أن أخرج ثمّ بعث إليَّ أن أقدم ، ثمّ هو الآن يبعث إليَّ أن أخرج ،
والله لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثماً»(2).

__________________
(1) العقد الفريد 4 / 309.
وجاء في أنساب الأشراف 1ق4 / 568 تح ـ إحسان عباس بيروت عن يحيى بن سعيد قال : كان
طلحة قد استولى على أمر الناس في الحصار فبعث عثمان عبد الله بن الحارث بن نوفل
بن الحارث بن عبد المطلب إلى عليّ بهذا البيت. وذكر في حديث أبي مخنف قال صلّى
عليّ بالناس يوم النحر وعثمان محصور فبعث عثمان ببيت المزق ... وسيأتي تمام
الحديث في محله.
(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 282 ط مصر الأولى.

الهوامش

1. مجمع الزوائد 7 / 266.

2. نفس المصدر 6 / 6.

3. من المضحك ـ وشر البلية ما يضحك ـ أن حكيم بن جبير من رجال الصحاح كما رمز له الذهبي في ميزان الاعتدال 1 / 583 وفي نظري إنما جرحوه بالترك والضعف ونكران الحديث ، لأنه روى بسنده عن سلمان قلت يا رسول الله إن الله لم يبعث نبياً إلّا بيّن له من يلي بعده ، فهل بيّن لك ؟ قال : نعم ، عليّ.

وكذلك روى بسنده عن عليّ : أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين ، راجع ميزان الاعتدال 1 / 584 ولهذا ونحوه قال فيه أبو حاتم : ضعيف الحديث له رأي غير محمود نسأل الله السلامة غال في التشيّع ، تهذيب التهذيب 2 / 446.

4. غافر / 28.

5. لقد مرت شتيمة مماثلة متبادلة بين عثمان أو عمرو وبين عليّ في مخالفات شرعية في مسائل الحج في أكل المحرم الصيد فراجع.

6. المصنف لعبد الرزاق 11 / 349.

7. غافر / 28.

8. بحار الأنوار 8 / 346 ط الكمپاني على الحجر نقلاً عن أمالي الطوسي.

9. نفس المصدر / 316.

10. غافر / 28.

11. بحار الأنوار 8 / 346 ط الكمپاني.

12. غافر / 28.

13. بحار الأنوار 8 / 317 ط الكمپاني على الحجر نقلاً عن تاريخ الثقفي.

14. غافر / 28.

15. بحار الأنوار 8 / 317 ط الكمپاني.

16. المصنف لعبد الرزاق 11 / 356.

17. جاء في كلام الإمام الحسن الزكي عليه السلام قال لمعاوية وأصحابه : أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أستخلفه على المدينة في غزوة تبوك ولاسخطه ذلك ولا كرهه ، وتكلّم فيه المنافقون ... ( بحار الأنوار 44 / 78 ط الإسلامية ، وراجع الاحتجاج للطبرسي ).

18. تاريخ مدينة دمشق دمشق ( ترجمة الإمام ) 1 / 281 ـ 364 ط بيروت.

19. الاستيعاب 2 / 459 ط حيدر آباد.

20. طبقات ابن سعد 3 ق 1 / 15.

21. نفس المصدر.

مقتبس من كتاب : [ موسوعة عبدالله بن عبّاس ] / المجلّد : 2 / الصفحة : 250 ـ 278

 

أضف تعليق


عثمان بن عفان

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية