مراتب التوحيد

البريد الإلكتروني طباعة

مراتب التوحيد

لقد لخّص المحقّقون الإسلاميون البحوث المرتبطة بالتوحيد في أربعة أقسام نذكرها فيما يأتي باختصار :

1. التوحيد في الذات

والمقصود به أنّ الله واحد أحد لا شريك له ولا نظير ولا يتصور له شبيه ولا مثيل.

بل انّ ذاته المقدّسة بسيطة غير مركبة ، من أجزاء كما هو شأن الأجسام.

2. التوحيد في الصفات

ويراد منه أنّ الله تعالى وإن كان متّصفاً بصفات عديدة كالعلم والقدرة والحياة ، إلّا أنّ هذا التعدّد إنّما هو باعتبار المفهوم الذهني وليس باعتبار الوجود والواقع الخارجي ، بمعنى أنّ كل واحدة من هذه الصفات هي « عين » الأُخرى وليست « غير » الأُخرى ، وهي أجمع « عين » الذات وليست « غير » الذات.

فعلم الله ـ مثلاً ـ هو « عين » ذاته ، فذاته كلّها علم ، في حين تكون ذاته كلها « عين » القدرة ، لا أن حقيقة العلم في الذات الإلهية شيء ، وحقيقة القدرة شيء آخر ، بل كل واحدة منهما « عين » الأُخرى ، وكلتاهما « عين » الذات المقدسة.

ولتقريب المعنى المذكور نلفت نظر القارئ الكريم إلى المثال التالي فنقول :

من الواضح أنّ كل واحد منّا « معلوم » لله ، كما أنّه « مخلوق » لله في نفس الوقت.

صحيح أنّ مفهوم « المعلومية » غير مفهوم « المخلوقية » في مقام الاعتبار الذهني وعند التحليل العقلي البحت ، ولكنَّهما في مقام التطبيق الخارجي واحد ، فإنّ وجودنا بأسره معلوم لله ، كما أنّ وجودنا بأسره مخلوق لله في نفس الوقت .. هكذا وجود واحد باعتبارين.

فهما ( أي المعلومية والمخلوقية ) المتصف بهما وجودنا ليسا في مقام المصداق الخارجي إلّا « عين » الأُخرى ، وهما « عين » ذاتنا ، لا أنّ قسماً من ذاتنا هو المعلوم لله والقسم الآخر هو المخلوق له تعالى ، بل كل ذاتنا بأسره مخلوق ومعلوم لله في آن واحد.

3. التوحيد في الأفعال

نحن نعلم أنّ هناك في عالم الطبيعة سلسلة من العلل والأسباب الطبيعية لها آثار خاصة كـ :

الشمس والإشراق الذي هو أثرها ومعلولها ، والنار والإحراق الذي هو أثرها ومعلولها ، والسيف والقطع الذي هو أثره ومعلوله.

والتوحيد الافعالي هو أن نعتقد بأنّ هذه « الآثار » مخلوقة هي أيضاً لله تعالى كما أنّ عللها مخلوقة له سبحانه.

بمعنى أنّ الله الذي خلق العلل المذكورة هو الذي منحها تلك « الآثار ».

فخلق الشمس وأعطاها خاصية الإشراق ، وخلق النار وأعطاها خاصية الإحراق ، وخلق السيف وأعطاه خاصية القطع ، إلى آخر ما هنالك من العلل والمعلولات ، والأسباب والمسببات والمؤثرات وآثارها.

وبعبارة أُخرى : انّ « التوحيد الافعالي » هو أن نعترف بأنّ العالم بما فيه من العلل والمعاليل ، والأسباب والمسببات ، ما هو إلّا فعل الله سبحانه ، وأنّ الآثار صادرة عن مؤثراتها بإرادته ومشيئته.

فكما أنّ الموجودات غير مستقلة في ذواتها بل هي قائمة به سبحانه ، فكذا هي غير مستقلة في تأثيرها وعلّيَّتها وسببيَّتها.

فيستنتج من ذلك أنّ الله سبحانه كما لا شريك له في ذاته ، كذلك لا شريك له في فاعليته وسببيته ، وأنّ كل سبب وفاعل ـ بذاتهما وحقيقتهما وبتأثيرهما وفاعليتهما ـ قائم به سبحانه وأنّه لا حول ولا قوة إلّا به.

ويندرج في ذلك « الإنسان » ، فبما أنّه موجود من موجودات العالم وواحد من أجزائه فإنّ له فاعلية ، وعلية بالنسبة لأفعاله ، كما أنّ له حرية تامّة في مصيره وعاقبة حياته ، ولكنَّه ليس موجوداً مفوّضاً (1) إليه ذلك ، بل هو بحول الله وقوته يقوم ويقعد ويتسبب ويؤثر.

إنّ « التوحيد الافعالي » لا يعني إنكار العلل الطبيعية أو إنكار مشاركتها في التأثير وفي حدوث معلولاتها ، بل يعني مع الاعتراف بأنّ للعلل تمام المشاركة في ظهور الآثار ، وأنّ هذه الآثار هي من خواص هذه العلل.

أقول : يعني مع الاعتراف بهذا ، الاعتراف بأنّه لا مؤثر حقيقي في صفحة الوجود إلّا « الله » وأنّ تأثير ما سواه من المؤثرات إنّما هو في ظل قدرة الله ، ذلك المؤثر الحقيقي الأصيل ، وأنّ هذه العلل ما هي إلّا وسائط للفيض الإلهي.

فمنه تعالى تكتسب « الشمس » القدرة على الإشراق والإضاءة كما استمدت منه أصل وجودها.

ومنه تعالى تكتسب « النار » خاصية الإحراق والحرارة كما استمدت منه أصل وجودها ، وأنّه تعالى هو الذي منح هذه العلل والأسباب هذه الخواص ، وأعطاها هذه الآثار كما منحها : وجودها أساساً وأصلاً.

وبتعبير آخر نقول : إنّ التوحيد الأفعالي يعني أنّه لا مؤثر بالذات ـ في هذا الوجود ـ إلّا « الله » ، فهو وحده الذي لا يحتاج إلى معونة أحد أو شيء في الإيجاد والتأثير والإبداع والابتكار.

وأمّا تأثير ما عداه « من العلل » ، فجميعه يكون بالاعتماد على قدرته وقوته سبحانه.

بهذا البيان يتضح الفرق بين مدرستين في هذا المجال :

مدرسة الأشاعرة القائلين بعدم دخالة العلل في الآثار مطلقاً.

والمدرسة القائلة بالتوحيد الافعالي.

فتذهب المدرسة الأُولى إلى أنّ الشمس والنار والسيف غير مؤثرة إطلاقاً ، وغير دخيلة مطلقاً في وجود النور والحرارة والقطع ، بل انّ عادة الله هي التي جرت على أن يوجد الله النور بعد طلوع الشمس ، والحرارة عند حضور النار ، والقطع عند حضور السيف ، وإن لم تكن لهذه الأشياء [ أي الشمس والنار والسيف ] أيّة مشاركة في إيجاد هذه الآثار ووقوعها.

ولا شك أنّ هذه النظرية مرفوضة في نظر العقل ومنطق القرآن (2).

فبينما تنفي مدرسة الأشاعرة دور العلل ومشاركتها رأساً ، تذهب المدرسة الثانية ( القائلة بالتوحيد الافعالي ) إلى الاعتراف بأنّه لا مؤثر حقيقي في الوجود إلّا « الله » (3) ولكن مع الاعتراف ـ إلى جانب ذلك ـ بدخالة « العلل » في إيجاد « الآثار » ، مستمدة هذه القدرة على التأثير من ذلك المؤثر الحقيقي الواحد ، ونعني « الله » سبحانه وتعالى.

ولهذا يغدو أي اعتقاد بالثنوية أو التثليث مرفوضاً في منطق هذه المدرسة.

وبهذا يتبيّن أنّ القائلين بأنّ الإنسان محتاج إلى الله في أصل وجوده ، ولكنه مستغن عنه تعالى في أفعاله ومستقل في تأثيره ، قد سقطوا في الشرك من حيث لا يعلمون ، ذلك لأنّهم بمثل هذا الاعتقاد يكونون قد اعترفوا ـ في الحقيقة ـ بمؤثرين أصيلين مستقلين غنيين وخرجوا بذلك عن إطار « التوحيد الافعالي » !!

كما أنّ الذين اعتقدوا بوجود « مبدأين » لهذا العالم ، وتصوّروا بأنّ خالق الخير هو غير خالق الشر هم أيضاً خرجوا عن دائرة التوحيد الافعالي وارتطموا في الشرك والثنوية في الفاعلية والتأثير. (4)

4. التوحيد في العبادة

ونعني أنّ العبادة لا تكون إلّا لله وحده ، وأنّه لا يستحق أحد أن يتخذ معبوداً مهما بلغ من الكمال والجلال وحاز من الشرف والعلاء.

ذلك لأنّ الخضوع العبودي أمام أحد لا يجوز إلّا لأحد سببين ، لا يتوفران إلّا في « الله » جل جلاله :

1. أن يبلغ المعبود حداً من الكمال يخلو معه عن أي عيب ونقص ، فيستوجب ذلك الكمال أن يخضع له كل منصف ويعبده كل من يعرف قيمة ذلك « الكمال المطلق ».

ونعني ببلوغ أقصى درجات الكمال ومراتبه أن يتحلّى ـ مثلاً ـ بالوجود اللامتناهي الذي لا يشوبه عدم ، والعلم اللامحدود الذي لا يخالطه جهل ، والقدرة المطلقة التي لا يمازجها عجز أو عيّ.

فهذه الأُمور هي التي تدفع كل ذي وجدان سليم وضمير حي إلى التعظيم والخضوع لصاحبها وإظهار العبودية أمام ذلك الكمال المطلق.

2. أن يكون ذلك المعبود بيده مبدأ الإنسان ومنشأ حياته فيكون خالقه وواهب الجسم والروح له ومانح الأنعم والبركات إياه ومسبغها عليه بحيث لو قطع عنه فيضه لحظة من اللحظات عاد عدماً واستحال خبراً بعد أثر.

ترى هل يتوفر هذان الوصفان في أحد غير الله ؟ وهل سواه يتصف بأكمل الكمال ؟ أم هل سواه منح للأشياء وجودها وخلق الإنسان ويسر له سبل الحياة ؟ وهل سواه المبدأ الفياض الذي لو وكل الحياة إلى ذاتها ، وترك الإنسان لنفسه آناً من الآونة صارت الحياة كأن لم تكن ؟

هذا والجدير بالذكر أنّ عبادة الأنبياء والأئمّة والأولياء الصالحين لله سبحانه لم تكن إلّا لـ ( كمال ) ذلك المعبود المطلق.

فهم لمعرفتهم الأفضل ، واطّلاعهم الأعمق على عالم الغيب عبدوا الله سبحانه لما وجودوا فيه من الجمال المطلق ، والكمال اللامحدود ، ولأجل أنّهم وجدوه أهلاً للعبادة ، والتقديس والخضوع والتعظيم فعبدوه وقدسوه وخضعوا له وعظموه.

أجل لذلك فحسب وليس لسواه عبدوه ، وأعطوه بلاءهم وولاءهم ، حتى أنّهم كانوا سيعبدونه ـ حتماً ـ حتى ولو لم يك هناك العامل والملاك الآخر للعبادة ، في حين أنّ الآخرين إنّما يعبدون « الله » لكونه خالقهم ، ومصدر وجودهم وسابغ الأنعم عليهم ، وواهب القدرة والطول لهم ، ولأنّ بيده مفتاح كل شيء وناصية كل موجود (5).

على كل حال سواء كان الأولى هو الأخذ بالملاك الأوّل للعبادة أم الثاني ، فإنّ العبادة بكلا الملاكين المذكورين مخصوصة بالله وليس معه في ذلك شريك ، لعدم وجودهما في غيره تعالى.

وبذلك تكون عبادة غير الله أمراً مرفوضاً بشدة في منطق العقل والشرع على السواء.

كان هذا هو مقصود علماء الإسلام من مراتب وأقسام التوحيد الأربعة ، التي ذكرناها باختصار وسنذكرها مفصّلة ، كما سنذكر غيرها من مراتب التوحيد في الصفحات القادمة مع استعراض الآيات الدالة عليها إن شاء الله.

غير أنّنا مع تقديرنا لما قام به أُولئك العلماء والمحقّقون المسلمون من خدمات علمية جليلة على هذا الصعيد نقول : إنّ مراتب التوحيد ـ حسب نظر القرآن ـ لا تنحصر في ما ذكروه من المراتب ، بل يستفاد من آيات الكتاب العزيز أنّ هناك مراتب توحيدية أُخرى يمكن استنباطها واستفادتها من القرآن ، من الصعب ، ادراجها تحت المراتب الأربع المذكورة.

وإليك فيما يلي هذه المفاهيم باختصار :

التوحيد في الولاية

ولا نعني من الولاية « الولاية التكوينية » أي الربوبية والتدبير ، بل المراد « الولاية التشريعية » وتنظيم شؤون الفرد والمجتمع في عامّة مجالات الحياة.

والولاية بهذا المعنى تعني الأمارة ، ولها مظاهر ثلاثة :

1. التوحيد في الحاكمية

ولقد وجّه القرآن الكريم عناية خاصة إلى « التوحيد في الحاكمية » بحيث يتبيَّن بوضوح أنّ الحكم والولاية في منطق القرآن ليس إلّا لله تعالى وحده ، وانّه لا يحق لأحد أن يحكم العباد دونه ، وأنّه لا شرعية لحاكمية الآخرين إلّا إذا كانت مستمدة من الولاية والحاكمية الإلهية وقائمة بأمره تعالى ، وفي غير هذه الصورة لن يكون ذلك الحكم إلّا حكماً طاغوتياً لا يتصف بالشرعية مطلقاً ولا يقرّه القرآن أبداً.

على أنّنا حينما نطرح هذا الكلام ونقول : بأنّ الحكم محض حق لله وأنّ الحاكمية منحصرة فيه دون سواه فليس يعني ذلك أنّ على الله أن يباشر هذه الحاكمية بنفسه ، ويحكم بين الناس ويدير شؤون البلاد دونما واسطة ، ليقال إنّ ذلك محال غير ممكن ، أو يقال إنّ ذلك يشبه مقالة الخوارج إذ قالوا للإمام علي عليه السلام رافضين حكمه وإمارته :

« أن الحكم إلّا لله ، لا لك يا علي ، ولا لأصحابك » (6).

بل مرادنا هو : أنّ حاكمية أيِّ شخص يريد أن يحكم البلاد والعباد لا بد أن تستمد مشروعيتها من : « الإذن الإلهي » له بممارسة الحاكمية.

فما لم تكن مستندة إلى هذا الإذن لم تكن مشروعة ولم يكن لها أي وزن ، ولا أي قيمة مطلقاً.

ونفس هذا الكلام جار في مسألة الشفاعة أيضاً.

فعندما يصرح القرآن بوضوح قائلاً : ( قُل لِّلَّـهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ) (7) لا يعني أنّه لا يشفع إلّا الله ، إذ لا معنى لأن يشفع الله لأحد.

بل المفاد والمراد من هذه الآية هو أنّه ليس لأحد أن يشفع إلّا بإذن الله ، وأنّه لا تنفع الشفاعة إذا لم تكن برضاه ومشيئته (8).

وإن شئت قلت : إنّ أمر الشفاعة بيد الله تعالى من حيث الشافع والمشفع واللام في قوله ( لِّلَّـهِ ) يدل على اختصاص خاص وهو أنّ أمر التصرّف باختياره تعالى كقوله : ( وَلِلَّـهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ) (9).

2. التوحيد في الطاعة

كما أنّ الحاكمية على العباد مختصة بالله سبحانه ، كذلك لا يجوز لأحد أن يطيع أحداً غير الله ، فالطاعة هي أيضاً حق منحصر بالله سبحانه لا يشاركه فيها ولا ينازعه أحد.

وأمّا لو شاهدنا القرآن يأمرنا ـ في بعض الموارد ـ بطاعة غير الله ، مثل الأنبياء والأولياء ، فليس لأنّ طاعة هؤلاء واجبة بالذات ، بل لأنّ وجوب طاعتهم من جهة أنَّها « عين » طاعته سبحانه ، وبأمره.

وبتعبير أجلى : حيث إنّ الله تعالى « أمر » بطاعة هؤلاء ، لهذا وجبت إطاعتهم واتّباع أوامرهم والانقياد لأقوالهم امتثالاً لأمر الله وتنفيذاً لإرادته ، فلا يكون هناك حينئذ إلّا « مطاع واحد » في واقع الحال ، وهو الله جل جلاله. وأمّا إطاعة الآخرين ( أي غير الله ) فليست إلّا في ظل إطاعة الله تعالى شأنه ، وفرع منها.

3. التوحيد في التقنين

إنّ حق التقنين والتشريع ـ هو الآخر ـ مختص بالله في نظر القرآن الكريم ، تماماً مثل الأُمور السالفة الذكر.

فليس لأحد سوى « الله » حق التقنين والتشريع وجعل الأحكام وسن القوانين للحياة البشرية.

ولذلك فإنّ الذين أعطوا مثل هذا الحق للأحبار والرهبان خرجوا من دائرة التوحيد في التقنين ، ودخلوا في زمرة المشركين.

ويمكن إدراج هذا القسم ( أي التوحيد في التقنين ) تحت قسم ( التوحيد الافعالي ) ولكن من الأفضل أن نفرد له قسماً خاصاً ، وبحثاً مستقلاً ، لأنّ المقصود بالأفعال في « التوحيد الافعالي » هو الأفعال التكوينية أي المرتبطة بعالم الخلق والتكوين والطبيعة ، في حين أنّ التقنين والتشريع نوع من الأُمور الاعتبارية والجعلية العقلائية ، فليس التحليل والتحريم أمرين تكوينيين ، بل من الملاحظات العرفية القائمة بذهن المعتبر واعتباره ، ولهذا يكون من الأنسب التفريق بين هذين القسمين.

وهكذا بالبحث في :

التوحيد في الحاكمية

والتوحيد في الطاعة.

والتوحيد في التقنين.

أقول : بالبحث في هذه الأُمور تتضح صيغة الحكومة ونظام الحكم في الإسلام ، وتتجلّـى لنا الصورة الواقعية للحكومة الإسلامية.

لأنّ على هذا الأساس لن تكون الحكومة الإسلامية من نوع « حكم الفرد على الشعب » ولا من نمط « حكم الشعب على الشعب » على إطلاقه ، بل هي من نوع « حكومة الله على المجتمع بواسطة المجتمع » (10) أو بعبارة أُخرى : حكومة القانون الإلهي على المجتمع.

وأمّا بقية الصيغ الأُخرى للحكم التي سوف نستعرضها فيما بعد فلا توافق الصيغة القرآنية على صعيد نظام الحكم مطلقاً.

ففي كثير من الصيغ المطروحة لنظام الحكم يشار فيها ـ في العادة ـ إلى هذه الأُصول الثلاثة وهي :

1. السلطة التشريعية.

2. السلطة القضائية.

3. السلطة التنفيذية.

وكل هذه السلطات الثلاث محترمة في نظر الإسلام ، إلّا أنّ مهمة « السلطة التشريعية » في الحكومة الإسلامية ليست إلّا « التعريف بالقانون » والتخطيط وفق موازين الشريعة الإسلامية وليس سن القوانين ، لأنّ في النظام الإسلامي يختص حق التقنين بالله ، فلا مكان لمقنّن آخر فيه سوى الله الذي سن جميع ما يحتاجه البشر من القوانين وأبلغها إليهم عن طريق الأنبياء والمرسلين.

من هنا لا بد لتكميل « البحوث التوحيدية » ـ بالإضافة إلى دراسة مراتب التوحيد الأربع ـ من البحث في هذه الأنواع الثلاثة من التوحيد على ضوء القرآن.

على أنّنا لا ندعي بتاتاً بأنّ مراتب التوحيد وأقسامها تنحصر في هذه المراتب السبع وتقف عند هذا الحد ، بل يمكن أن يكون للتوحيد مراتب أُخرى ذكرها القرآن (11) ولكن بحثنا سيدور فعلاً حول هذه الأقسام السبعة.

ولكي نحيط إحاطة كاملة بالكثير من المسائل المرتبطة « بالتوحيد والشرك » من وجهة نظر القرآن الكريم يتعين علينا أن نتعرف على نظر القرآن الكريم في المباحث التالية التي هي موضع عناية القرآن :

1. الله والفطرة.

2. الله وعالم الذر.

3. الله وبراهين وجوده في القرآن (12).

4 . الله وسريان معرفته في الوجود بأسره.

5 . الله والتوحيد في الذات.

6 . الله وبساطة ذاته وعينيّة صفاته لذاته.

7 . الله والتوحيد في الخالقية (13).

8. الله والتوحيد في الربوبية ( التدبير ) (14).

9 . الله والتوحيد في العبادة.

10 . الله والتوحيد في التقنين.

11. الله والتوحيد في الطاعة.

12. الله والتوحيد في الحاكمية.

وسنبحث في هذا الكتاب وفق هذا الجدول الذي يؤلف فصول هذا الكتاب الرئيسية ، وسيكون مستندنا الوحيد ـ طوال هذا البحث ـ هو ( آيات القرآن الكريم ) ومداليل هذه الآيات ومفادها.

كما أنّنا لمزيد التوضيح ربّما استعنا ـ خلال البحث ـ بالأدلة العقلية الواضحة والتحليل الفلسفي ، وربّما نستشهد ببعض الأحاديث التي رواها السنّة والشيعة عن النبي الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم وآله عليهم السلام ومن الله نسأل العون والسداد.

الهوامش

1. المراد من التفويض هو أنّ الله أعطاه الفاعلية ثم هو يفعل ما يريد دون مشيئة الله وعلى نحو الاستقلال ، وسيأتي شرح التفويض في الفصول القادمة مسهباً.

2. فالقرآن يصرح بتأثير العلل الطبيعية في معاليلها حيث يقول : ( يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ ) ( النحل : 11 ) فإنّ قوله ( بِهِ ) صريح في تأثير الماء في إنبات هذه الثمار ، وسيوافيك تفصيل القول في ذلك عند البحث في التوحيد الربوبي.

3. الاعتراف بوحدانية المؤثر في صفحة الوجود لا ينافي القول بتأثير العلل الطبيعية في معاليلها.

4. ونظنك أيّها القارئ قد وقفت على الفرق بين التوحيد الافعالي ، وبين ما يذهب إليه الأشاعرة والمجبرة.

فإنّ الفاعل عند هاتين الطائفتين ( الأشاعرة والمجبرة ) لامشاركة له في أفعاله وآثاره أصلاً ، وإنّها تستند إلى الله سبحانه مباشرة وبلا واسطة فهو الذي ينفذ الفعل عن طريق الفاعل دون إرادة ومشاركة من الفاعل في الفعل مطلقاً » !!

وأمّا الذي نقوله نحن فهو أنّ كل فاعل إنّما يعتمد ـ في فعله وأثره ـ على الله من حيث إنّه فقير محتاج إلى الغني بالذات في جميع شؤونه وأطواره. وأنّ للفاعل ـ مريداً كان أو غير مريد ـ دوراً في حدوث الأثر وبروزه وأنّ الأثر لا يمكن أن يتحقق على صعيد الوجود إلّا عن طريق هذا الفاعل.

وكم فرق بين أن ننسب أفعال الفاعل كلها إلى الله مع نفي مشاركته فيها ، وبين أن نعزي إمكانية التأثير إلى الله مع الاعتراف بمشاركة الفاعل في فعله.

وسوف يظهر لك الفرق بين المدرستين ـ بنحو أكثر تفصيلاً ـ في البحوث الآتية.

5. هناك عوامل أُخرى للعبادة سيوافيك بيانها في موضعه.

6. كان هذا شعار الخوارج يردّدونه في المسجد وغيره.

7. الزمر : 44.

8. بحث المؤلف الشفاعة في كتاب مستقل باسم « الشفاعة بين يدي القرآن والسنّة والعقل ».

9. هود : 123.

10. على النحو الذي سيأتي بيانه موسعاً فيما بعد.

11. مثل « التوحيد في الهداية » و « التوحيد في المالكية » و « التوحيد في الرازقية » و « التوحيد في الشفاعة » مما يمكن إدخال بعضها أو جميعها في قسم « التوحيد الافعالي ».

12. ليس من الصحيح أن يؤخذ علينا استدلالنا بالقرآن على وجود الله بظن أنّ هذا يستلزم الدور الصريح بأن يقال :

إنّ القرآن حجة فيما يقول لو ثبت الوحي والرسالة ، والوحي والرسالة لا يثبتان إلّا بعد ثبوت الموحي المرسل ، فالاستدلال بالقرآن لثبوت الموحي المرسل استدلال بالشيء على نفسه.

أقول : لا يصح أن يؤخذ علينا إشكال كهذا ، لأنّنا إنّما نستدل بالقرآن ، لأنّه لا يعرض ما يتعلق بالعقائد الدينية إلّا مع الأدلة العقلية القاطعة ، وهذا وحده أمر يستدعي الاهتمام بغض النظر عن كون القرآن وحياً إلهياً وكتاباً سماوياً.

فاستشهادنا واستهداؤنا بالقرآن إذن هو من قبيل استهداء التلميذ بأُستاذه الذي يريه الطريق ، أي بصرف النظر عن كون القرآن كلام الله بل بالنظر إلى كونه مبيناً للأدلّة والبراهين العقلية ومشيراً إلى الأدلّة التي تستدعي من عقولنا التأمل.

13 و 14. الخالقية والتدبير ( اللّذين فتحنا لهما فصلين مستقلين ) هما في الحقيقة من فروع التوحيد في الأفعال ، ولكن لكثرة مباحثهما بحثنا عن كل واحد بالاستقلال.

مقتبس من كتاب : [ مفاهيم القرآن ] / المجلّد : 1 / الصفحة : 13 ـ 27

 

أضف تعليق


التوحيد

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية