عصمة الإمام في القرآن

البريد الإلكتروني طباعة

عصمة الإمام في القرآن

قد عرفت في البحث عن شروط الإمامة ، اختلاف أهل السنّة في عددها ، وعلمت المتفقّ عليه ، والمختلف عليه منها. وقد اتّفقوا وراء ذلك على أنّ العصمة ليست من الشرائط ، أخذاً بمبادئهم حيث إنّ الخلفاء بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلّم ـ ، لم يكونوا بمعصومين قطعاً ، بل إنّ بعضهم لم يكن مجتهداً في الكتاب والسنّة.

و أمّا الشيعة الإماميّة ، فقد اتّفقت على هذا الشرط من بين الشروط ، واستدلّوا عليه بأدلّة ، نكتفي ببعضها :

1 ـ الإمامة استمرار لوظائف الرسالة

إنّ حقيقة الإمامة الذي تتبنّاه الشيعة الإماميّة ، هي القيام بوظائف الرسول بعد رحلته ، وقد تعرفت على وظائفه الرساليّة والفراغات الحاصلة بموته والتحاقه بالرفيق الأعلى. ومن المعلوم أنّ سدّ هذه الفراغات لا يتحقّق إلّا بأن يكون الإمام متمتّعاً بما يتمتّع به النبي الأكرم من الكفاءات والمؤهّلات ، فيكون عارفاً بالكتاب والسنّة على وفق الواقع ، وعالماً بحكم الموضوعات المستجدّة عرفاناً واقعيّاً ، وذابّاً عن الدين شبهات المشكّكين ، ومن المعلوم أنّ هذه الوظيفة تستدعي كون الإمام مصوناً من الخطأ. فما دلّ على أنّ النبيّ يجب أن يكون مصوناً في مقام إبلاغ الرسالة ، قائم في المقام بنفسه ، فإنّ الإمام يقوم بنفس تلك الوظيفة ، وإن لم يكن رسولاً ولا طرفاً للوحي ، ولكنّه يكون عيبةً لعلمه ، وحاملاً لشرعه وأحكامه ، فإذا لم نجوّز الخطأ على النبي في مقام الإبلاغ ، فليكن الأمر كذلك في مقام القيام بتلك الوطيفة بلا منصب الرسالة والنبوّة.

2 ـ آية ابتلاء إبراهيم

قال سبحانه : ( وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (1).

إنّ تفسير الآية كما هو حقّها يتوقف على البحث عن النقاط التالية :

أ ـ ما هو الهدف من الإبتلاء ؟.

ب ـ ما هو المراد من الكلمات ؟.

ج ـ ماذا يراد من الإتمام ؟.

د ـ ما هو المقصود من الإمام ( إِمَامًا ) ؟.

هـ ـ كيف تكون الإمامة عهداً إلهياً ( عَهْدِي ) ؟.

و ـ ما هو المراد من الظالمين ؟.

ولكنّ إفاضة الكلام في هذه الموضوعات ، يحوجنا إلى تأليف رسالة مفردة فنكتفي بالتركيز على اثنين من هذه الموضوعات (2).

الأوّل ـ ما هو المقصود من الإمامة التي أنعم الله سبحانه بها على نبيّه الخليل ؟.

الثاني ـ ما هو المراد من الظالمين ؟.

* * *

الأوّل ـ ما هو المراد من الإمامة في الآية ؟

ذهب عدّة من المفسّرين منهم الرازي في مفاتيحه ، إلى أنّ المراد من الإمامة هنا ، النبوّة وأنّ ملاك إمامة الخليل ، نبوّته ، لأنّها تتضمّن مشاقّاً عظيمة (3).

وقال الشيخ محمود عبده : « الإمامة هنا عبارة عن الرسالة ، وهي لا تنال بكسب الكاسب » (4).

يلاحظ عليه : إنّ إبراهيم كان نبيّاً قبل الإبتلاء بالكلمات ، وقبل تنصيبه إماماً ، فكيف يصحّ أن تفسّر الإمامة بالنبوّة على ما في لفظ الرازي ، أو بالرسالة ، على ما في لفظ المنار ؟ ودليلنا على ما ذكرنا ، أمران :

1 ـ إنّ نزول الوحي على إبراهيم ، وجعله طرفاً للخطاب بقوله : ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) ، أوضح دليل على أنّه كان نبيّاً متلقياً للوحي قبل نزول هذه الآية. وأسلوب الكلام يدلّ على أنّه لم يكن وحياً إبتدائيّاً ، بل يعرب عن كونه استمراراً للوحي السابق ، والمحاورة الموجودة بينه وبين الله تعالى ، حيث طلب الإمامة لذريّته ، تناسب الوحي الإستمراري لا الوحي الإبتدائي. وإن كنت في شكّ ، فلاحظ الوحي الإبتدائي ، النازل على موسى في طور سيناء حيث خوطب بقوله :

( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (5).

2 ـ إنّ الخليل طلب الإمامة لذرّيته ، ومن المعلوم أنّ إبراهيم كان نبيّاً قبل أن يرزق أيّ ولد من ولديه إسماعيل وإسحاق ، أمّا أوّلهما فقد رزقه بعد تحطيم الأصنام في بابل ، وإعداد العدّة للخروج إلى فلسطين ، حيث وافاه الوحي وبشّره : ( فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ) (6). وأمّا ثانيهما ، فقد بشّرته به الملائكة عندما دخلوا عليه ضيوفاً ، فقالوا : ( إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ) (7).

وعلى ذلك ، يجب أن تكون الإمامة الموهوبة للخليل غير النبوّة ، وإلّا كان أشبه بتحصيل الحاصل.

والظاهر أنّ المراد من الإمامة ، القيادة الإلهيّة للمجتمع ، فإنّ هناك مقامات ثلاثة :

ـ مقام النبوّة ، وهو منصب تحمّل الوحي.

ـ مقام الرسالة ، وهو منصب إبلاغه إلى الناس.

ـ مقام الإمامة ، وهو منصب القيادة وتنفيذ الشريعة في المجتمع بقوّة وقدرة.

ويعرب عن كون المراد من الإمامة في المقام هو المعنى الثالث ، قوله سبحانه : ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ) (8).

فالإمامة التي أنعم بها الله سبحانه على الخليل وبعض ذرّيته ، هي الملك العظيم الوارد في هذه الآية. وعلينا الفحص عن المراد من الملك العظيم ، إذ عند ذلك يتّضح أنّ مقام الإمامة ، وراء النبوّة والرسالة ، وإنّما هو قيادة حكيمة ، وحكومة إلهيّة ، يبلغ المجتمع بها إلى السعادة. والله سبحانه يوضح حقيقة هذا الملك في الآيات التالية :

1 ـ يقول سبحانه ـ حاكياً قول يوسف ـ عليه السلام ـ : ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ) (9). ومن المعلوم أنّ الملك الذي منّ به سبحانه على عبده يوسف ، ليس النبوّة ، بل الحاكميّة ، حيث صار أميناً مكيناً في الأرض. فقوله : ( وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ) ، إشارة إلى نبوّته ، والملك إشارة إلى سلطته وقدرته.

2 ـ ويقول سبحانه في داود ـ عليه السلام ـ : ( وَآتَاهُ اللَّـهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ) (10). ويقول سبحانه : ( وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ) (11).

3 ـ ويحكي الله تعالى عن سليمان أنّه قال : ( وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ) (12).

فملاحظة هذه الآيات يفسّر لنا حقيقة الإمامة ، وذلك بفضل الأمور التالية :

أ ـ إنّ إبراهيم طلب الإمامة لذريّته ، وقد أجاب سبحانه دعوته في بعضهم.

ب ـ إنّ مجموعةً من ذريّته ، كيوسف وداود وسليمان ، نالوا ـ وراء النبوّة والرسالة ـ منصب الحكومة والقيادة.

ج ـ إنّه سبحانه أعطى آل إبراهيم الكتاب ، والحكمة ، والملك العظيم.

فمن ضمّ هذه الأُمور بعضها إلى بعض ، يخرج بهذه النتيجة : إنّ ملاك الإمامة في ذريّة إبراهيم ، هو قيادتهم وحكمهم في المجتمع ، وهذه هي حقيقة الإمامة ، غير أنّها ربّما تجتمع مع المقامين الآخرين ، كما في الخليل ، ويوسف ، وداود ، وسليمان ، وغيرهم ، وربّما تنفصل عنهما ، كما في قوله سبحانه : ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّـهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّـهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (13).

والإمامة التي يتبنّاها المسلمون بعد رحلة النبي الأكرم ، تتّحد واقعيّتها مع هذه الإمامة.

* * *

الثاني ـ ما هو المراد من الظالمين ؟

الظُلم في اللغة هو وضع الشيء في غير موضعه ، ومجاوزة الحدّ الذي عيّنه العرف أو الشرع ، فالمعصية ، كبيرها وصغيرها ، ظلم ، لأنّ مقترفهما يتجاوز عن الحدّ الذي رسمه الشارع.

والظلم له مراتب ، والمجموع يشترك في كونه تجاوزاً عن الحدّ ، ووضعاً للشيء في غير الذي موضعه.

ولما خلع سبحانه ثوب الإمامة على خليله ، ونصبه إماماً للناس ، ودعا إبراهيم أن يجعل من ذريّته إماماً ، أجيب بأنّ الإمامة وثيقة إلهيّة ، لا تنال الظالمين ، لانّ الإمام هو المطاع بين الناس ، المتصرّف في الأموال والنفوس ، وقائد المجتمع إلى السعادة ، فيجب أن يكون على الصراط السويّ ، حتّى يكون أمره ، ونهيه ، وتصرّفه ، وقيادته ، نابعة منه. والظالم المتجاوز عن الحدّ ، لا يصلح لهذا المنصب.

إنّ الظالم الناكث لعهد الله ، والناقض لقوانينه وحدوده ، على شفا جرف هار ، لا يؤتمن عليه ، ولا تلقى إليه مقاليد الخلافة ، ولا مفاتيح القيادة ، لأنّه على مقربة من الخيانة والتعدّي ، وعلى استعداد لأن يقع أداةً للجائرين ، لأنّه على مقربة من الخيانة والتعدّي ، وعلى استعداد لأن يقع أداةً للجائرين ، فكيف يصحّ في منطق العقل أن يكون إماماً مطاعاً نافذاً قوله ، مشروعاً تصرّفه ، إلى غير ذلك من لوازم الإمامة ؟.

إنّ بعض المناصب والمقامات ، تُعيَّن شروطُها بالنظر إلى ماهيّتها وواقعيّتها ، فمدير المستشفى مثلاً ، له شروط تختلف عن شروط القائد. فالإمامة ، التي لا تنفك عن التصرّف في النفوس والأموال ، وبها يناط حفظ القوانين ، يجب أن يكون القائم بها إنساناً مثالياً ، مالكاً لنفسه ، ولغرائزه ، حتّى لا يتجاوز في حكمه عن الحدّ ، وفي قضائه عن الحق.

الجمع المحلّى باللام العموم

الظاهر من صيغة الجمع المحلّي باللام ، أنّ الظلم بكل ألوانه وصوره ، مانعٌ عن نيل هذا المنصب الإلهي ، فالإستغراق في جانب الأفراد ، يستلزم الإستغراق في جانب الظلم ، وتكون النتيجة ممنوعيّة كلّ فرد من أفراد الظلمة عن الارتقاء إلى منصب الإمامة سواء أكان ظالماً في فترة من عمره ثمّ تاب وصار غير ظالم ، أو بقي على ظلمه. فالظالم عند ما يرتكب الظلم يشمله قوله سبحانه : ( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ). فصلاحيّته بعد ارتفاع الظلم تحتاج إلى دليل.

وعلى ذلك ، فكلّ من ارتكب ظلماً ، وتجاوز حدّاً في يوم من أيّام عمره ، أو عبد صنماً ، أو لاذ إلى وثن ، وبالجملة : ارتكب ما هو حرام ، فضلاً عمّا هو كفر ، ينادى من فوق العرش : ( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) ، أيّ أنتم الظلمة الكفرة المتجاوزون عن الحدّ ، لستم قابلين لتحمّل منصب الإمامة ؛ من غير فرق بين أن يصلح حالهم بعد تلك الفترة ، أو يبقوا على ما كانوا عليه.

وهذا يستلزم أن يكون المؤهّل للإمامة ، طاهراً من الذنوب من لدن وضع عليه القلم ، إلى أن أدرج في كفنه وأدخل في لحده ، وهذا ما نسمّيه بالعصمة في مورد الإمامة.

سؤال وجوابه

السؤال

لسائل أن يسأل ويقول : إنّ الآية إنّما تشمل من كان مقيماً على الظلم ، وأمّا التائب منه ، فلا يتعلّق به الحكم ، لأنّ الحكم إذا كان معلّقاً على صفة : و زالت الصفة ، زال الحكم. ألاترى أنّ قوله : ( وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (14) ، إنّما هو ينهى عن الركون إليهم ما أقاموا على الظلم ، فقوله تعالى : ( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ). لم ينف به العهد عمّن تاب عن ظلمه ، لأنّه في هذه الحالة ، لا يسمّى ظالماً ، كما لا يسمّى من تاب من الكفر ، كافراً.

والجواب :

إنّ هذا الإعتراض ذكره الجصاص « م 370 » في تفسيره على آيات الأحكام (15). ولكنّه عزب عنه أنّ قوله : الحكم يدرو مدار وجود الموضع ، ليس ضابطاً كلّياً ، بل الأحكام على قسمين ، قسم كذلك ، وآخر يكفي فيه اتّصاف الموضوع بالوصف والعنوان آناً ما ، ولحظةً خاصّة ، وإن انتفى بعد الإتصاف ، فقوله : « الخمر حرام » ، أو : « في سائمة الغنم زكاة » ، من قبيل القسم الأوّل ، وأمّا قوله : « الزاني يحدّ » ، و « السارق يقطع » ، فالمراد منه أنّ الإنسان المتلبس بالزنا أو السرقة يكون محكوماً بهما وإن زال العنوان ، وتاب السارق والزاني ، ومثله : « المستطيع يجب عليه الحجّ » ، فالحكم ثابت ، وإن زالت عنه الإستطاعة تقصير لا عن قصور.

وعلى ذلك فالمدّعى أنّ الظالمين في الآية المباركة كالسارق والسارقة (16) والزاني والزانية (17) ، والمستطيع (18) وأمّهات نسائكم (19) في الآيات الراجعة إليهم.

نعم المهم في المقام إثبات أنّ الموضوع في الآية من قبيل القسم الثاني ، وأنّ التلبّس بالظلم ولو آناً ما ، وفترة يسيرة من عمره يسلب من الإنسان صلاحيّة الإمامة وإن تاب من ذنبه.

ويدلّ على ذلك أمران :

الأوّل : إنّ الهدف الأسمى من تنصيب كلّ إنسان على الإمامة ، تجسيد الشريعة الإلهيّة في المجتمع ، فإذا كان القائد رجلاً مثاليّاً نقي الثوب ، مشرق الصحيفة لم ير منه عصيان ولا زَلّة ، يتحقّق الهدف من نصبه في ذلك المقام.

وأمّا إذا كان في فترة من عمره مقترفاً للمعاصي ، ماجناً ، مجترحاً للسيّئات ، فيكون غرضاً لسهام الناقدين ، ومن البعيد أن ينفذ قوله ، وتقبل قيادته بسهولة ، بل ينادى عليه إنّه كان بالأمس ، يقترف الذنوب ، وأصبح اليوم آمراً بالحقّ ومميتاً للباطل !!

ولأجل تحقّق الهدف يحكم العقل بلزوم نقاوة الإمام عن كلّ رذيلة ومعصية في جميع فترات عمره ، وأنّ الإنابة لو كانت ناجعة في حياته الفرديّة فليست كذلك في حياته الاجتماعيّة ، فلن تخضع له الأعناق ، وتميل إليه القلوب.

الثاني : إنّ الناس بالنسبة إلى الظلم على أقسام أربعة :

1 ـ من كان طيلة عمره ظالماً.

2 ـ من كان طاهراً ونقياً في جميع فترات عمره.

3 ـ من كان ظالماً في بداية عمره ، وتائباً في آخره.

4 ـ من كان طاهراً في بداية عمره وظالماً في آخره.

عند ذلك يجب أن نقف على أنّ إبراهيم ـ عليه السلام ـ ، الذي سأل الإمامة لبعض ذريّته ، أيّ قسم أراد منها ؟

حاش إبراهيم أن يسأل الإمامة للقسم الأوّل ، والرابع من ذرّيته ، لوضوح أنّ الغارق في الظلم من بداية عمره إلى آخره ، أو المتّصف به أيّام تصديه للإمامة لا يصلح لأن يؤتمن عليها.

فبقي القسمان الآخران : الثاني والثالث ، وقد نصّ سبحانه على أنّه لا ينال عهده الظالم ، والظالم في هذه العبارة لا ينطبق إلّا على القسم الثالث ، أعني : من كان ظالماً في بداية عمره ، وكان تائباً حين التصدي.

فإذا خرج هذا القسم ، بقي القسم الثاني ، وهو من كان نقي الصحيفة طيلة عمره ، لم ير منه لا قبل التصدّي ولا بعده أيّ انحراف عن جادّة الحقّ ، مجاوزة للصراط السوي.

* * *

3 ـ آية التطهير وعصمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ

هناك آية أُخرى تدلّ على عصمة عدّة خاصّة من أهل بيت النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ.

يقول سبحانه : ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (20).

وأداء حقّ الآية في التفسير ، يتوقّف على البحث عن النقاط التالية :

1 ـ ما هو المراد من الرّجس ؟

2 ـ هل الإرادة في الآية ، إرادة تكوينيّة خاصّة بأهل البيت ، أو تشريعيّة تعمّ كلّ إنسان بالغ واقع في إطار التكليف ؟

3 ـ مَن المراد من أهل البيت ؟

4 ـ مشكلة السياق في الآية لو كان المراد منهم غير نسائه ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ.

5 ـ أهل البيت في حديث النبي، الذي يكون مفسّراً لإجمال الآية.

والبحث عن هذه الأُمور يحوجنا إلى تأليف مفرد ، وهو خارج عن وضع كتابنا (21) ، إلّا أنّ المهمّ هنا هو التركيز على أنّ الإرادة في الآية تكوينيّة ، خاصّة بأهل البيت ، وليست تشريعيّة ، وأمّا المقصود من أهل البيت ، فقد تقدّمت المأثورات فيهم عند البحث عن حديث الثقلين.

الإرادة تكوينيّة لا تشريعيّة

إنّ انقسام ارادته سبحانه إلى القسمين المذكورين ، من الانقسامات الواضحة ، ومجمل القول فيهما أنّه إذا تعلّقت إرادته سبحانه على إيجاد شيء تكوينه في صحيفة الوجود ، فالإرادة تكوينيّة لا تتخلّف عن المراد.

قال سبحانه : ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (22).

وأمّا إذا تعلّقت بتشريع حكم وقانون ، لفرض عمل المكلّف به ، فالإرادة تشريعيّة ، ومتعلّقها هو التشريع ، وأمّا امتثال المكلّف فهو من غايات التشريع ، ربّما يقع ويترتّب عليه ، وربّما ينفكّ عنه.

والقرائن تدلّ على أنّ المراد هنا هو الأوّل من الإرادتين ، بمعنى أنّ إرادته سبحانه ، تعلّقت على إذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهير هم من كلّ شيء يتنفر منه ، على غرار تعلق إرادته بإيجاد الأشياء في صحيفة الوجود.

والذي يدلّ على ذلك أُمور :

1 ـ إنّ الإرادة التشريعيّة لا تختصّ بطائفة دون طائفة ، بل هي تعمّ المكلّفين عامّة ، يقول سبحانه ، بعد أمره بالوضوء والتيمّم عند فقدان الماء : ( وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (23).

ولكنّه سبحانه خصّص إرادته في الآية المبحوث عنها ، بجمع خاصّ ، تجمعهم كلمة أهل البيت ، وخصّهم بالخطاب وقال : ( عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) ، أيّ لا غيركم ، فتخصيص الإرادة بجمع خاصّ على الوجه المذكور ، يمنع من تفسيرها بالتشريعيّة.

2 ـ إنّ العناية البارزة في الآية المباركة ، أقوى شاهد على أنّ المقصود هو التكوينيّة ، لوضوح أنّ تعلّق الإرادة التشريعيّة لا يحتاج إلى العنايات التالية :

أ ـ ابتداء سبحانه كلامه بلفظ الحصر، وقال : ( إِنَّمَا ) ، ولا معنى للحصر إذا كانت تشريعيّة ، لعمومها لكلّ مكلّف.

ب ـ عيّن تعالى متعلّق إرادته بصورة الاختصاص ، فقال : ( أَهْلَ الْبَيْتِ ) ، وهو منصوب على الاختصاص (24). أي أَخُصّكم أهل البيت.

ج ـ قد بيّن متعلّق إرادته بالتأكيد ، وقال بعد قوله : ( لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ ) ، ( لِيُطَهِّرَكُمْ ).

د ـ قد أكّده بالإتيان بمصدره بعد الفعل ، وقال : ( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ، ليكون أوفى في التأكيد.

هـ ـ إنّه سبحانه قد أتى بالمصدر نكرة ، ليدلّ على الإكبار والإعجاب ، أيّ تطهيراً عظيماً معجباً.

و ـ إنّ الآية في مقام المدح والثناء ، فلو كانت الإرادة تشريعيّة ، لما ناسب الثناء والمدح.

وعلى الجملة : العناية البارزة في الآية ، تدلّ بوضوح على أنّ الإرادة في المقام تغاير الإرادة العامّة المتعلّقة بكلّ إنسان حاضر ، أوباد. وللمحقّقين من الشيعة الإماميّة كلمات وافية حول الآية تلاحظ في مواضعها (25).

فالإرادة في الآية الشريفة ، نظير الإرادة الواردة في الآيات التالية :

( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ). (26)

( وَيُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ) (27).

( وَمَن يُرِدِ اللَّـهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّـهِ شَيْئًا أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّـهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (28).

وأمّا دلالتها على العصمة ، فتظهر إذا اطّلعنا على أنّ المراد من الرجس هو القذارة المعنويّة لا الماديّة. توضيح ذلك : إنّ الرجس في اللغة هو القذر (29) ، وقد يعبّر به عن الحرام ، والفعل القبيح ، والعذاب ، واللعن ، والكفر ، قال الزجاج : « الرّجس ـ في اللغة ـ كلّ ما استقذر من عمل ، فبالغ الله في ذمّ أشياء سمّاها رجساً ». وقال ابن الكلبي : « رجس من عمل الشيطان ، أيّ مأثم » (30).

والمتفحّص في كلمات أئمّة أهل اللغة ، والآيات الواردة فيها تلك اللفظة ، يصل إلى أنّها موضوعة للقذارة التي تنفر منها النفوس ، سواء أكانت مادية كما في قوله تعالى : ( إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ) (31) ، أو معنويّة كما في الكافر وعابد الوثن ، وصنمه ، قال سبحانه : ( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ ) (32).

وقال سبحانه : ( كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّـهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ) (33).

فلو وصف العمل القبيح بالرجس ، فلأنّه عمل قذر ، تتنفر منه الطباع السليمة.

وعلى ضوء هذا ، فالمراد من الرّجس في الآية ، كلّ عمل قبيح عرفاً أو شرعاً ، لا تقبله الطباع ، ولذلك قال سبحانه بعد تلك اللفظة : ( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ، فليس المراد من التطهير ، إلّا تطهيرهم من الرجس المعنوي الذي تعدّ المعاصي والمآثم من أظهر مصاديقه.

وقد ورد نظير الآية في حقّ السيّدة مريم قال سبحانه : ( إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) (34).

ومن المعلوم أنّ تعلّق الإرادة التكوينيّة على إذهاب كلّ رجس وقذارة ، وكلّ عمل منفّر عرفاً أو شرعاً ، يجعل من تعلّقت به الإرادة ، إنساناً مثالياً ، نزيهاً عن كلّ عيب وشين ، ووصمة عار (35).

* * *

إلى هنا ظهر بوضوح أنّ العصمة شرط للإمام بالمعنى الذي يتبنّاه الإماميّة في مجال الإمامة ، والآيتان الأوليان تدلّان على عصمة الإمام مطلقاً ، الآية الثالثة تدلّ على عصمة أهل البيت الذين نزلت فيهم الآية وفسّرت في غير واحد من الروايات ، وهم من كان إماماً وخليفةً للرسول كعلي الحسنين ـ عليهما السلام ـ ، ومن كانت طاهرةً مطهّرةً كالسيّدة فاطمة الزهراء ـ عليها السلام ـ ، وإن لم تكن إماماً.

* * *

بقيت هنا أبحاث موجودة في كتب الإمامة للشيعة الإماميّة ، طوينا البحث عنها ، لعدم الحاجة إلى البحث فيها بعد انتشار هذه الكتب وذيوعها وهي عبارة عن الأبحاث التالية :

1 ـ البحث عن الآيات الواردة في حقّ الإمام علي ـ عليه السلام ـ.

2 ـ البحث عن الفضائل والمناقب الواردة في حقّه على لسان النبي الأكرم ، ونقلها أصحاب الصحاح والمسانيد.

3 ـ نفسيات الإمام وفضائله الأخلاقيّة التي اعترف بها التاريخ.

4 ـ كونه أعلم الصحابة وأوعاهم بالكتاب والسنّة ، وقد كان الخلفاء يحتكمون إليه في مواضع لا تحصى.

5 ـ احتجاجاته على كونه أحقّ بهذا الأمر « خلافة الرسول » ممّن تسنموا منصة الخلافة.

و من أراد التبسّط في هذه المواضيع، فعليه بالكتب المعدّة للإمامة (36).

الهوامش

1. سورة البقرة : الآية 124.

2. وقد أشبع شيخنا الأستاذ ، البحث عن هذه الموضوعات الستّة في موسوعته القرآنيّة « مفاهيم القرآن » ، ج 5 ، ص 205 ـ 259.

3. مفاتيح الغيب ، للرازي ، جح 1 ، ص 490.

4. المنار ، ج 1 ص 455.

5. سورة القصص : الآية 3. ولاحظ سورة العلق : الآيات 1 ـ 5 ، فإنّها من الوحي الإبتدائي ، وهي لا تشبه الخطاب الوارد في الآية الموجّه إلى الخليل.

6. لاحظ سورة الصافات ، الآيات 91 ـ 102.

7. لاحظ سورة الحجر : الآيات 51 ـ 55.

8. سورة النساء : الآية 54.

9. سورة يوسف : الآية 101.

10. سورة البقرة : الآية 251.

11. سورة ص : الآية 20.

12. سورة ص : الآية 35.

13. سورة البقرة : الآية 247.

14. سورة هود : الآية 113.

15. تفسير آيات الأحكام ، ج 1 ، ص 72.

16. سورة المائدة : الآية 38.

17. سورة النور : الآية 2.

18. سورة آل عمران : الآية 97.

19. سورة النساء : الآية 23. فمن صدق عليها الأمومة للزوجة يحرم على الزوج تزوّجها ، وإن طلق ابنتها.

20. سورة الأحزاب : الآية 33.

21. قد أفاض الشيخ الأُستاذ الكلام في هذه المواضيع في موسوعته التفسيريّة ، مفاهيم القرآن ، ج 5 ، ص 215 ـ 322.

22. سورة يس : الآية 82.

23. سورة المائدة : الآية 6.

24. الاختصاص من أقسام المنادى ، يقول ابن مالك :

الاختصاص كنداء دون يا

 

كأيّها الفتى بإثر ارجونيا

25. تفسير التبيان ، للشيخ الطوسي ، « ت 383 ـ م 460 » ، ج 8 ، ص 340. ومجمع البيان ، للشيخ الطبرسي ، « ت 471 ـ م 548 » ، ج 4 ، ص 307. ورياض السالكين ، للسيّد علي المدني « م 1118 » ، الروضة 47 ، ص 497.

26. سورة القصص : الآية 5.

27. سورة الأنفال : الآية 7.

28. سورة المائدة : الآية 41.

29. مقاييس اللغة ، ج 2 ، ص 490 ، ولسان العرب ج 6 ص 94.

30. لسان العرب ، ج 6 ، ص 94.

31. سورة الأنعام : الآية 145.

32. سورة الحج : الآية 30.

33. سورة الأنعام : الآية 125.

34. سورة آل عمران : الآية 42.

35. وحول الآية أبحاث لطيفة ، فمن أراد التبسّط فليرجع إلى المصدر الذي تقدّم الإيعاز إليه.

36. لاحظ الشافي للسيّد المرتضى « م 436 هـ » ، وتلخيصه لتلميذه الشيخ الطوسي « م 460 هـ » ، ونهج الحقّ وكشف الصدق للعلّامة الحلّي « م 726 هـ » ، وإحقاق الحقّ للقاضي التستري « م 1019 هـ » ، ودلائل الصدق للمظفّر النجفي. وغيرها من مؤلّفات كبار ورسائل صغار.

مقتبس من كتاب : [ الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل ] / المجلّد : 4 / الصفحة : 116 ـ 130

 

أضف تعليق


العصمة

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية