الإيمان بالبداء يستلزم جهل الله تعالى بالأشياء
السؤال : إنّ إيماننا نحن أصحاب مذهب أهل البيت عليهم السلام بقضية البداء يشكل قاعدة من قواعد الخلاف بيننا وبين أهل السنة . حيث يزعمون أننا كافرون ؛ لأننا نقول بأنّ الله يعلم بعد جهل ويستدلون على زعمهم هذا بما ورد في كتاب الكافي للكليني من روايات تقول بأنّ الإمام جعفر الصادق عليه السلام كان يقول بإمامة ابنه اسماعيل ، فلما توفي بدا لله أن تتحول الإمامة إلى الإمام موسى الكاظم عليه السلام .
وقد قال الصادق عليه السلام : « ما بدا لله في شيء كما بدا له في ابني إسماعيل » .
فهل هذا فعلاً هو مفهوم البداء ؟
وما الذي تعنيه عبارة الإمام الصادق عليه السلام ؟ وما الذي تعنيه العبارة التي نقرأها في زيارة الإمامين العسكريين صلى الله عليه وآله « السلام عليكما يا من بدا لله في شأنهما » .
وكيف لي أن أرد على من يوجه مثل هذا الاتهام لي ؟
الجواب : من سماحة السيد الميلاني
قواعد الخلاف بين الفريقين كثيرة ، لكنّ المهمّ معرفة العقيدة الموافقة للكتاب والسنّة الصحيحة ، وتمييزها عن العقيدة المخالفة لهما . هذا أولاً .
وثانياً : لا بدّ لكلّ باحثٍ حرٍّ منصفٍ أن يرجع للوقوف على عقيدة أية فرقةٍ من الفرق إلى الكتب المعتبرة عند تلك الفرقة ، لا أن يأخذها عن لسان غيرها خاصّةً المخالفين لها.
وثالثاً : متى قلنا بأنّ الله يعلم بعد جهل ؟ وأين الرواية الدالّة على هذا في كتبنا ؟ وأين التصريح بذلك من أحد علمائنا ؟ إنّه ليس هذا بأوّل اتّهام منهم لنا ولا الأخير ، إنّهم اتّهموا النبيّ والأئمة وكبار الطائفة بأقبح التّهم ، ولذا كانوا ولا يزالون هم السبب في الاختلاف والتفرقة وهزيمة المسلمين أمام الكفّار.
إنّ : « البداء » في رواياتنا معناه قدرة الله تعالى وبسط سلطانه على الأشياء حتى بعد تقديراته فيها ، فهي عقيدة من صلب التوحيد ومن متن القرآن المجيد ، قال عز وجل :{وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}(المائدة/64). فهو تبديل وتغيير للحكم والتقدير ، وهذا المعنى جارٍ في روايات الباب في كلّ موردٍ .
وبإمكانكم مراجعة الكتب المؤلّفة في بيان خصوص هذه العقيدة وسائر كتب علمائنا في العقائد ولعل ايسرها واوفرها كتاب ( عقائد الإمامية ) للعلاّمة المظفر .
اشكال القرطبي على نزول سورة الإنسان في حق أهل البيت ع
السؤال : بالنسبة لنزول سورة الإنسان في أهل البيت ـ عليهم السلام ـ أشكل القرطبي بالتالي فما جوابه الشافي ؟
قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول : فهذا حديث مزوق مزيف ، قد تطرف فيه صاحبه حتى تشبه على المستمعين ، فالجاهل بهذا الحديث يعض شفتيه تلهفا ألا يكون بهذه الصفة ، ولا يعلم أنّ صاحب هذا الفعل مذموم ، وقد قال الله تعالى في تنزيله : {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ}(البقرة/219). وهو الفضل الذي يفضل عن نفسك وعيالك ،
وجرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وآله متواترة بأنّ : « خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى » .
« وابدأ بنفسك ثمّ بمن تعول ». وافترض الله على الأزواج نفقة أهاليهم وأولادهم .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : « كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ».
أفيحسب عاقل أنّ علياً جهل هذا الأمر حتى أجهد صبيانا صغارا من أبناء خمس أو ست على جوع ثلاثة أيام ولياليهن ؟ حتى تضوروا من الجوع ، وغارت العيون منهم ، لخلاء أجوافهم ، حتى أبكى رسول الله صلى الله عليه وآله ما بهم من الجهد .
هب أنّه آثر على نفسه هذا السائل ، فهل كان يجوز له أن يحمل أهله على ذلك ؟ ! وهب أن أهله سمحت بذلك لعلي ، فهل جاز له أن يحمل أطفاله على جوع ثلاثة أيام بلياليهن ؟ ! ما يروج مثل هذا إلا على حمقى جهال ، أبى الله لقلوب متنبهة أن تظن بعلي مثل هذا .
وليت شعري من حفظ هذه الأبيات كل ليلة عن علي وفاطمة ، وإجابة كل واحد منهما صاحبه ، حتى أداه إلى هؤلاء الرواة ؟
فهذا وأشباهه من أحاديث أهل السجون في ما أرى .
بلغني أنّ قوماً يخلدون في السجون ، فيبقون بلا حيلة ، فيكتبون أحاديث في السمر وأشباهه ، ومثل هذه الأحاديث مفتعلة ، فإذا صارت إلى الجهابذة رموا بها وزيفوها ، وما من شيء إلا له آفة ومكيدة ، وآفة الدين وكيده أكثر .
الجواب : من سماحة الشيخ باقر الإيرواني
تارة يكون المقصود التشكيك في بعض الخصوصيات المنقولة في القصة المذكورة مع التسليم بأصل نزول الآيات الكريمة في حق أهل البيت عليهم السلام . واخرى يكون المقصود التشكيك في أصل القصة من الأساس وبالتالي إنكار نزول الآيات الكريمة في حق أهل البيت عليهم السلام رأساً .
فإن كان المقصود هو الأوّل : فذلك غير مهم ، فإنّ القصة قد نُقلت باشكال مختلفة ، وبالإمكان التشكيك في بعض انحاء النقل مع التسليم ببعضها الآخر .
وإن كان المقصود الثاني : فذلك أمر مرفوض ، كيف وقد نقلها من علماء العامة فقط أكثر من ثلاثين عالماً كما جاء ضبط اسمائهم وكتبهم في كتاب الغدير للشيخ الأميني قدس سره 3 : 155 ، تحقيق : مركز الدراسات الإسلامية .
وأمّا ما ذكر في أسباب التشكيك فقابل للمناقشة باعتبار :
1 ـ إنّ ما أشار إليه من المناقشات لا يستلزم إنكار أصل القصة بل إنكارها بالنقل الخاص الذي ذكره .
2 ـ وأمّا ما أشار إليه من أنّ القصة تحتوي على إجبار الأطفال الصغار ، فجوابه واضح ؛ إذ لم يذكر في القصة المذكورة إنّ الإمام عليه السلام حَمَلَ غيره على ذلك ، فلعله كان ذلك اختياراً منهم بل ذلك هو المتعين جزماً ؛ اذ لا يحتمل أنّه عليه السلام يجبر غيره على ذلك .
3 ـ وأمّا ما ذكره من أنّ التصدق على الآخرين مذموم إذا كان الإنسان نفسه بحاجة إلى ذلك ، فهو مخالف لصريح القرآن الكريم الذي يقول: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}(الحشر/9). فإنّ قوله تعالى : { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } يدل بوضوح على رجحان الإيثار ، وهو البذل للآخرين مع الحاجة الماسة للإنسان نفسه .
بل إنّ ذلك مخالف لحكم العقل أيضاً، فجرّب ذلك من نفسك ، فإذا جاءك عند الإفطار سائل وطلب منك اطعامه ، وأنت لا تملك غير مقدار طعامك ، وهو يقول : إنّي جائع ، فهل عقلك يقول لا تدفع الطعام إليه ، وقل إنّي جائع أيضاً ، أو يرجحّ لك الإيثار.
إنّ لازم التشكيك المذكور التشكيك في حسن الإيثار ، والحكم عليه بأنّه قبيح ، ولكن بغض بعض الناس لإهل البيت عليهم السلام يصل إلى هذا الحدّ الذي ينكر فيه الأمور الواضحة كحسن الإيثار.
4 ـ إنّ ما استشهد به من النصوص لا يصلح شاهداً له ؛ فمثل الآية الكريمة : {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ}(البقرة/219) ناظر إلى الوجوب ، أي أنّ الجواب انفاق العفو ، فغير العفو لا يجب انفاقه لا أنّه لا يستحسن..
وأمّا حديث : « خير الصدقة ما كان عن ظهر غنىً » ، فلا يدل على عدم رجحان الصدقة إذا كانت عن فقر بل يدل على أنّ خيرها وارقى مصاديقها ما كان عن غنىً .
وأمّا حديث : « سافترض الله على الأزواج نفقة أهاليهم وأولادهم » . فهو يدل على عدم جواز إجبار الأهل والأولاد على الصدقة على اليتيم والمسكين والأسير لا أنّه لا يجوز ذلك حتى لو كان باختيار انفسهم . وهكذا الحال بالنسبة إلى بقية الأحاديث.