من تاريخ مظالم الشيعة في بغداد
تكاثر الشيعة في بغداد ولم تمنعهم عداوة المنصور العباسي من ذلك ، وعمرت بغداد بسرعة وسكنها علماء وشخصيات ، وكان ثقل الشيعة في الكرخ التي اتسعت وصارت محلة كبيرة من بغداد حتى اتصلت ببراثا ، وصار مسجد براثا مركزاً علمياً وعبادياً واجتماعياً للشيعة ، ومَعْلَماً من معالم بغداد.
ولم تسلم براثا من حملات المتعصبين فكان فيها وفي الكرخ أحداث ، رواها المؤرخون.
قال السيد محمد الكثيري في كتابه : السلفية بين أهل السنة والإمامية / 619 ، ما خلاصته :
« يقول ابن كثير في حوادث سنة 354 : ثم تسلطت أهل السنة ( الحنابلة ) على الروافض فكبسوا مسجدهم براثا الذي هو عش الروافض ، وقتلوا بعض من كان فيه من القومة ! وفيها أحرق الكرخ ببغداد فألقي في دورهم النار فاحترقت طائفة كثيرة من الدور والأموال ، من ذلك ثلاث مائة دكان وثلاثة وثلاثون مسجداً ، وسبعة عشر ألف إنسان ! وعند ابن خلدون عشرون ألف إنسان !
أنظر لهذه الهمجية اللاإنسانية واللادينية !
مثال آخر لإهدار الدم الشيعي المسلم : فقد ذكر ابن الأثير في حوادث سنة 363 :
ثارت العامة من أهل السنة ينصرون سبكتكين لأنه كان يتسنن ، فخلع عليهم وجعل لهم العرفاء والقواد ، فثاروا بالشيعة ، وحاربوهم وسفكت بينهم الدماء وأحرقت الكرخ حريقاً ثانياً ، وظهرت السنة عليهم.
ويقول ابن كثير في حوادث سنة 375 : فيها في عاشوراء عملت البدعة الشنعاء على عادة الروافض ، ووقعت فتنة عظيمة ببغداد بين أهل السنة ( الحنابلة ) والرافضة ، وكلا الفريقين قليل عقل أو عديمه بعيد عن السداد. وذلك أن جماعة من أهل السنة أركبوا امرأة وسموها عائشة ، وتسمى بعضهم بطلحة وبعضهم بالزبير وقالوا : نقاتل أصحاب علي ! فقتل من الفريقين خلق كثير !
وفي سنة 389 : أرادت الشيعة أن يصنعوا ما كانوا يصنعونه من الزينة يوم غدير خم ، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة ، فقاتلهم جهلة آخرون من المنتسبين إلى السنة فادعوا أنه في مثل هذا اليوم حصر النبي (ص) وأبو بكر في الغار.
وفي هذا السياق نفسه يقول ابن كثير في حوادث سنة 389 : ولما كانت الشيعة يصنعون في يوم عاشوراء مأتماً يظهرون فيه الحزن على الحسين بن علي ، قابلتهم طائفة أخرى من جهلة السنة فادعوا إن في اليوم الثاني عشر من المحرم قتل مصعب بن الزبير ، فعملوا له مأتماً كما تعمل الشيعة للحسين !
إن النصوص التاريخية التي وصفت الفتن لا تترك مجالاً لأي قارئ أو باحث ، أن يشك في أن الحنابلة كانوا هم السابقين دائماً لإثارة الفتن والتهجم على الشيعة يراقبونهم ويتتبعون جميع تصرفاتهم وعبادتهم ! فأي فعل أو قول يخالف المذهب الحشوي يعني الإبتداع والكفر ، ومن ثَم الهجوم فالقتل » ! انتهى.
ومما يؤيد كلام الكثيري أن فتنة الحنابلة المجسمة كانت مع غير الشيعة أيضاً كالطبري الفقيه المؤرخ ، فقد هاجموا داره ورجموه ، ولما مات منعوا دفنه في مقابر المسلمين ، ( معجم الأدباء : 9 / 57 ). كما أخرجوا ابن حبان من سجستان لأنه أنكر أن يكون الله تعالى محدوداً ! قال السبكي : من أحق بالإخراج : مَن يجعل ربه محدوداً أو من ينزهه عن الجسمية ؟! » ( المجروحين لابن حبان ، والعقائد الإسلامية : 2 / 265 ).
وهاجموا أئمة المذاهب في المدرسة النظامية ، قال ابن كثير في النهاية ( 12 / 143 ) :
« ثم دخلت سنة سبعين وأربع مائة ... وفي شوال منها وقعت فتنة بين الحنابلة وبين فقهاء النظامية ، وحمي لكل من الفريقين طائفة من العوام ، وقتل بينهم نحو من عشرين قتيلاً ، وجرح آخرون » !
وفي النجوم الزاهرة : 5 / 59 : « سنة ثمان وأربعين وأربع مائة. أقيم الأذان في مشهد موسى بن جعفر ومساجد الكرخ ، بالصلاة خير من النوم ، على رغم أنف الشيعة ! وأزيل ما كانوا يقولونه في الأذان من حي على خير العمل ».
وفي تاريخ الذهبي : 30 / 9 : « سنة ثلاث وأربعين وأربع مائة ، فلما كان في ربيع الآخر خطب ( وزير الخليفة ) بجامع براثا مأوى الشيعة ، وأسقط من الأذان حي على خير العمل ، ودق الخطيب المنبر بالسيف ، وذكر في خطبته العباس ».
هذا ، وقد وصف ابن كثير سيطرة السلاجقة على بغداد ، وفرضهم مذهبهم ، ومصادرتهم الحرية المذهبية التي كانت زمن الدولة البويهية الشيعية ! فقال في النهاية : 12 / 86 : « وفيها أُلْزِمَ الروافض بترك الأذان بحي على خير العمل ، وأمروا أن ينادي مؤذنهم في أذان الصبح بعد حي على الفلاح : الصلاة خير من النوم مرتين ، وأزيل ما كان على أبواب مساجدهم من كتابة : محمد وعلي خير البشر ، ودخل المنشدون من باب البصرة إلى باب الكرخ ينشدون بالقصائد التي فيها مدح الصحابة ! وذلك أن نَوْءَ الرافضة اضمحل لأن بني بُويَهْ كانوا حكاماً وكانوا يقوونهم وينصرونهم ، فزالوا وبادوا وذهبت دولتهم وجاء بعدهم قوم آخرون من الأتراك السلجوقية الذين يحبون أهل السنة ويوالونهم ويرفعون قدرهم ، والله المحمود أبداً على طول المدى. وأمر رئيس الرؤساء الوالي بقتل أبي عبد الله بن الجلاب شيخ الروافض ، لما كان يتظاهر به من الرفض والغلو فيه ، فقتل على باب دكانه ، وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره » ! انتهى.
وهكذا يحمدون الله على توفيقهم لظلم الناس ، وإكراههم على الأذان والعبادة على مذهبهم ، ويفتخرون بقتل أحد علماء الشيعة وصلبه على باب دكانه ، واضطرار مرجع الشيعة الى الهرب من بغداد الى النجف ! وقد تأسفوا لأنهم لم يستطيعوا قتله ، لكنهم نهبوا داره ومكتبته !
وفي مقابل هذا القمع الحنبلي لم يسجِّل الرواة أن الشيعة أجبروا أحداً على صلاتهم ومذهبهم ، أو قتلوا علماء السنة عندما كانت لهم كلمة ، كما في دولة البويهيين ، ودولة الخليفة الناصر العباسي الشيعي ، ودولة السلاطين المغول الشيعة ، بل احترموا علماء المذاهب وعامتهم !
وبهذا صح قول ابن الصيفي :
|
فحسبكمُ هذا التفاوتُ بيننا |
وكل إناءٍ بالذي فيه يَنْضَحُ |
مقتبس من كتاب : الإمام الكاظم عليه السلام سيّد بغداد / الصفحة : 12 ـ 15

