السيّدة زينب في مجلس ابن زياد
ذكرَ الشيخُ المفيد في كتاب « الإرشاد » :
« وأُدخِلَ عيالُ الحسين ( عليه السلام ) علىٰ ابن زياد ، فدخلتْ زينب أُختُ الحسين في جُملَتهم مُتنَكّرةً وعليها أرذَلُ ثيابها ، فمَضَتْ حتّىٰ جَلستْ ناحيةً مِن القَصْر ، وحَفّتْ بها إماؤها.
فقال ابنُ زياد : مَن هذه التي انحازتْ ناحيةً ومعَها نساؤها ؟!
فلمْ تُجبْه زينب.
فأعادَ القول ثانيةً وثالثةً يَسأل عنها ؟
فقالتْ له بعضُ إمائها : هذه زينبُ بنتُ فاطمة بنت رسول الله.
فأقبَلَ عليها ابنُ زياد وقال لها : الحمْدُ لله الذي فَضَحكم وقَتَلكم وأكذبَ أُحدوثتكم. (1)
فقالت زينب : الحمْدُ لله الّذي أكرمَنا بنَبيّه محمّد ( صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم ) وطهّرَنا مِن الرجْس تطهيرا ، وإنّما يُفتَضَحُ الفاسقُ ويكذبُ الفاجرُ ، وهو غيرنا والحمدُ لله.
فقال ابنُ زياد : كيفَ رأيتِ فِعْلَ اللهِ بأهلِ بيتكِ ؟! (2)
فقالت : ما رأيتُ إلّا جَميلاً ، هؤلاء قومٌ كَتبَ اللهُ عليهمُ القتْلَ ، فَبَرزوا إلى مَضاجِعِهم ، وسَيَجْمعُ اللهُ بينَك وبينَهم فتُحاجّون إليه وتَختَصِمون عنده (3) فانظرْ لِمَن الفَلَج يومَئذٍ ، ثَكلَتْكَ أُمّك يا بنَ مَرجانة !!
فغَضِبَ ابنُ زياد واستَشاط (4) ، فقال له عمْرو بن حُريث : أيّها الأمير ، إنّها امرأة والمرأة لا تُؤاخَذ بشيء مِن مَنطقِها.
فقال ابنُ زياد : لقد شَفىٰ الله قلبي مِن طاغيتكِ الحسين والعُصاةِ المَرَدة مِن أهل بيتكِ.
فَرَقّتْ زينبُ وبكتْ وقالت له : لَعَمْري لقد قَتَلْتَ كَهْلي ، وقَطعْتَ فَرعي ، واجتَثَثْتَ أصْلي ، فإنْ كان هذا شِفاؤك فقد اشتَفيت.
فقال ابنُ زياد : هذه سَجّاعة ، ولَعَمْري لقد كان أبوها سَجّاعاً شاعراً. (5)
ثمّ التفَتَ ابنُ زياد إلى عليّ بن الحسين وقال له : مَن أنتَ ؟ (6)
فقال : أنا عليُّ بن الحسين.
فقال : أليسَ الله قد قَتَلَ عليّ بن الحسين ؟
فقال علي : قد كان لي أخٌ يُسمّىٰ علي بنَ الحسين ، قَتَلَه الناس.
فقال ابنُ زياد : بلْ الله قَتَلَه.
فقال عليُ بن الحسين : الله يَتوفّىٰ الأنفُسَ حينَ موتها.
فغَضبَ ابنُ زياد وقال : ولك جُرأة علىٰ جَوابي (7) وفيك بَقيّة للرَدّ عليّ ؟ ! إذهَبوا به فاضرِبوا عُنُقَه.
فتَعَلّقَتْ به زينبُ عمّتُه ، وقالت : يا بنَ زياد ! حَسْبُك مِن دِمائنا. واعتَنَقتْهُ وقالت : والله لا أُفارقُه ، فإن قَتلْتَه فاقتُلْني معه.
فنَظَر ابنُ زياد إليها وإليه ساعة ، ثمّ قال : عَجَباً للرَحِم !
والله إنّي لأظنّها وَدّتْ أنّي قتَلْتُها معه ، دَعوهُ فإنّي أراه لِما به. (8)
ثمّ أمَرَ ابنُ زياد بعليّ بن الحسين وأهله فحُمِلوا إلى دارٍ جَنْب المسجد الأعظم ، فقالت زينبُ بنت علي : « لا يَدخُلَنّ علينا عَرَبيّة إلّا أُمّ وَلَد مَمْلوكة ، فإنّهنّ سُبينَ وقد سُبينا. (9) (10)
في هذا الحِوار القَصير بينَ الخَير والشرّ ، وبين الفضيلة والرذيلة ، وبين القداسة والرجْس ، وبين رَبيبة الوحي وعقيلة النبوّة وبين الدعيّ ابن الدعيّ ! إنكشَفَتْ نَفسيّات كلّ مِن الفَريقين.
أرأيتَ كيفَ صَرّح ابنُ زياد بالحِقْد والعِداء لأهل بيت رسول الله ( صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم ) والشماتة وبِذاءة اللسان ، وحقارة النفس ودناءة الروح ، وقذارة الأصل ؟
فهو يَحمدُ الله تعالىٰ علىٰ قَتْل أولياء الله ، وتَدفعُه صلافةُ وجْهه أن يقول : « وفَضَحكم » ، وليتَ شِعري أيّة فضيحة يَقصدها ؟ !
وهل في حياة أولياء الله مِن فضيحة ؟ !
أليسَ الله تعالىٰ قد أذهَبَ عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ؟ !
أليسَ نَسَبُهُم أرفع نَسَبٍ في تاريخ العظماء ؟ !
أليستْ حياتهم مُتلألأة بالفضائل والمكارم ؟ !
وهل ـ والعياذ بالله ـ توجد في حياتهم مَنقَصة واحدة أو عيب واحد حتّىٰ يُفتَضحوا ؟ ولكن ابن زياد يقول : « وفضحكم ».
ويَزدادُ ذلك الرجْس عُتُوّاً ويقول : « وأكذب أُحدوثَتكم » الأُحدوثة : ما يَتحدّث به الناس ، والثناء والكلام الجميل ، والقرآنُ الكريم هو الذي يُثْني علىٰ آل رسول الله ( صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم ) فهل أكذبَ الله تعالىٰ القرآنَ الذي هو كلامه ( عزّ وجلّ ) ؟ !
والرسول الأقدس ـ الذي ما يَنطق عن الهَوىٰ إنْ هو إلّا
وَحيٌ يوحىٰ ـ قد أثنىٰ علىٰ أهل بيته بالحقّ والصِدْق ، فهلْ أكذَبَ الله تعالىٰ رسولَه الأطهر ، الذي هو أصدقُ البَريّة لَهْجةً ؟ !
وقد فَرَضَتْ الضَرورَةُ علىٰ حفيدة النبوّة ، ووَليدة الإمامة ، ورَضيعة العِصْمة أن تَتنازل وتُجيب علىٰ تلك الكلمات الساقطة السافلة.
1. قال الزبيدي في « تاج العروس » : الأُحدوثة ـ بالضمّ ـ : ما يُتحدّث به . قال ابن بَرّي : الأُحدوثة : بمعنىٰ الأُعجوبة ، يُقال : قد صارَ فلانٌ أُحدوثةً. وقال الطريحي في « مَجمَع البحرين » : « الأُحدوثة : ما يَتحدّث به الناس ».
2. وفي نسخة : « كيف رأيتِ صُنْعَ الله بأخيك وأهل بيتك » ؟
3. وفي نسخة : فتُحاجُّ وتُخاصَم.
4. وفي نسخة : « فغَضبَ وكأنّه هَمَّ بها » : أي : أراد ضَرْبَها أو قتْلَها.
5. وفي نسخة : هذه شُجاعة ولَعمْري لقد كان أبوها شُجاعاً . كما في نسخة « تاريخ الطبري » ج 5 ص 457.
6. وفي نسخة : « مَن هذا » ؟
7. وفي نسخة : وبك جُرأة لِجَوابي.
8. الإرشاد للشيخ المفيد ص 243 ـ 244 ، وكتاب المَلهوف ، لابن طاووس ، ص 201 ـ 202 ، وتاريخ الطبري ج 5 ص 457.
9. سُبينَ : أُسِرْنَ.
10. بحار الأنوار ج 45 ص 118 ، والملهوف ص 202.
مقتبس من كتاب : زينب الكبرى عليها السلام من المهد الى اللحد / الصفحة : 347 ـ 352
