المختار الثقفي

طباعة

من مبلغ المصطفى استعمال أُمته

 

من بعده نسخ وحي الله بالشورى

جاشت على آله ما ارتاح واحدهم

 

من جور أعداه حتى مات مقهورا

قضى أخوه خضيب الشيب وابنته

 

غضبىٰ وسبطاه مسموماً ومنحورا

يا وقعة الطف كم أوقدتي في كبدي

 

وطيس حزن ليوم الحشر مسجورا

كأنّ كلّ مكان كربلاء لدى

 

عيني وكلّ زمان يوم عاشورا

لهفي لظام على شاطي الفرات قضى

 

ظمئان يرنو لعذب الماء مقرورا

يا ليت عين رسول الله ناظرة

 

رأس الحسين على العسّال مشهورا

وجسمه نسجت هوج الرياح له

 

ثوباً بقاني دم الأوداج مزرورا

ان يبقى ملقى بلا دفن فإنّ له

 

قبراً باحشاء من والاه محفورا (1)

* * *

نعم بقي على أرض كربلاء لمدة ثلاثة أيام وسيّروا زينب والنساء سبايا وكأني بها نادت بلسان الحال :

صاحت يوادي كربلا عنّك مشينه

 

بلايا غسل واكفان خلينه ولينه

* * * 

غصباً عليّ سافرت يا مهجة احشاي

 

يحسين يالماضاگ من قبل الذبح ماي

جسمك يظل على الترب والراس وياي

 

فوگ الرمح مشهور يبرى للظعينه

* * *

لو چان بيدي يا خليصي ابگيت ويّاك

 

واگعد على گبرك ينور العين وانعاك

لچني لو ظليت من يبره اليتاماك

 

لو طوّح الحادي وسره وعنّك مشينه

* * *

وصدّت إلى المسناة والعبره جريه

 

ونادت يراعي المشرعه لحگ عليه

عگب الخدر للشام يردونه سبيّه

 

ولا واحد بطول الدرب ينغر علينه

* * *

هل هناك شواهد على ولاء المختار لأهل البيت عليهم السلام :

عن الامام زين العابدين عليه السلام : « الحمد لله الذي أدرك لي ثأري من أعدائي وجزى الله المختار » (2).

المقدمة :

أولاً : ادّعى النبوّة : وهذه ليس لها دليل ، افتعلوا منشأ ، كان عنده مملوك اسمه جبرئيل وكان أثيراً عنده ، ومقرّباً لديه ، فكان عند الخواص يقول وهو يتحدث بالاثناء معهم قال لي جبرئيل ، أو قلت لجبرئيل ، أعداء المختار وحسّاده حرّفوا ذلك وقالوا ادّعىٰ النبوة.

ثانياً : يطلب الرئاسة : وهذا لا دليل عليه ، وإلّا الادعاءات كثيرة تحتاج إلى دليل يقول الشاعر :

الدعاوىٰ ان لم تقيموا عليها

 

بينات أصحابها أدعياءُ

* * *

الشواهد على ولائه لأهل البيت عليهم السلام :

أولاً : مبايعته الامام الحسين عليه السلام على يد مسلم بن عقيل.

ثانياً : إيواءه مسلم بن عقيل ، وفتح بابه أمام الشيعة ، حيث تحوّل منزله إلى مقر لأخذ البيعة للإمام الحسين عليه السلام (3).

ثالثاً : موقف عبيد الله بن زياد منه حيث استدعاه إلى مقر الإمارة وعنّفه في إعطاء البيعة للإمام الحسين عليه السلام وضرب عينه بقضيب وأودعه السجن إلى أن فرغ من الإمام الحسين عليه السلام حيث توسط له عبد الله بن عمر زوج أُخته عند يزيد بن معاوية بتحريك من زوجته ( صفية بنت ابي عبيدة الثقفي ) فأرسل يزيد إلى عبيد الله يأمره بإطلاق سراحه (4). ولا بدّ لنا من أن نفصّل ونتوسّع قليلاً في بيان هذه النقطة.

مسلم بن عقيل عليه السلام لما انتقل إلى الكوفة اتّخذ من دار المختار مقرّاً له ، وهذا الأمر لوحده له مجموعة دلالات سياسية واجتماعية وعسكرية ، لأنّ مسلم بن عقيل عليه السلام لم يأتي إلى الكوفة مجرد امام جماعة مسجد ، مسلم جاء إلى الكوفة وعنده مهمة دينية وعسكرية ، واجتماعية. ونفس اتخاذ سيدنا مسلم بن عقيل مقرّاً من دار المختار هذا الموضوع تزكية للمختار. إلى أن دخل عبيد الله بن زياد لعنه الله الكوفة فانتقل سيدنا مسلم من دار المختار إلى دار هاني بن عروة المرادي. المختار صار أمام الأمر الواقع فلذلك غيّب وجهه ، مسلم بن عقيل شكّل تشكيلاته العسكرية ، وعيّن كالكتائب والضبّاط وقادة الجيش ومن جملتهم مسلم بن عوسجة الأسدي ومن جملتهم المختار ولكن نتيجة للظرف الأمني والسياسي وزّع قواته خارج الحدود ( أي خارج حدود الكوفة ) ومنه أمّر عبد الله بن محمد الهاشمي على كتيبة ، وكذلك خرج المختار بكتيبة وظلّوا ينتظروا ساعة الصفر وساعة الوثبة ، لكنّ الذي حدث أنّ ساعة الصفر تقدّمت ففوجئ مسلم أي ان مسلم لمّا انكشف مقرّه في دار هانئ وأُلقي القبض عل هاني بن عروة وأودع في السجن اضطرّ مسلم بن عقيل عليه السلام أن يدخل في مواجهة عسكرية قبل ساعة الصفر وفعلاً صارت مواجهة واستشهد مسلم بن عقيل في القضية المعروفة.

وكان المختار لا يعلم بتقدّم ساعة الصفر وهكذا عبد الله بن محمد الهاشمي إلى أن وصل لهم الخبر باستشهاد مسلم عليه السلام فتحركوا وإذا بهم يتفاجئون بالحصين بن نمير التميمي ( مدير الشرطة ) وصارت مواجهة عنيفة إلى أن قبض على المختار وأُسر وجيء به إلى ابن زياد. وهذا الأمر نفسه أي تقدّم ساعة الصفر فوجئ بها البطل مسلم بن عوسجة الأسدي وكان مسؤول كتبية فالذي يستشكل يقول أينَ مسلم بن عوسجة الجواب هو نفس السبب أي تقدّم ساعة الصفر ولم يعلم بها أو علم ولم يمكنه ان يلتحق ، ومن هنا التحق بالحسين عليه السلام واستهشد مسلم بن عوسجه مع الحسين عليه السلام إلى أن جيء برأس أبي عبد الله الحسين عليه السلام إلى ابن زياد في الكوفة ، فأمر اللعين ابن زياد أن يخرج المختار من السجن وجاءوا به إلى عبيد الله بن زياد ، فلمّا نظر المختار إلى اللعين بعصاه ينكت شفتا أبي عبد الله الحسين عليه السلام جرت مناوشة كلامية حادة بين المختار وبين ابن زياد ، لأنّ المختار قال لابن زياد ارفع سوطك عن شفتي أبي عبد الله عليه السلام ، حيث ان الرسول طالما رشفهما تقبيلاً ، فغضب اللعين ابن زياد وضربه بالسوط الغليظ على عينه فشتر عينه وأودع السجن مرّة ثانية. إلى أن توسط عبد الله بن عمر بواسطة زوجته ( صفية بنت أبي عبيدة الثقفي ) التي اقترحت عليه ان يكلّم يزيد ، وكلّم يزيد فكتب كتاباً إلى ابن زياد يأمره باطلاق سراحه واطلق سراحه ، والكوفة قامت تغلي في أواخر أيام يزيد قبل هلاك يزيد بأيام قلائل. وفي 14 ربيع الأول عام ( 64 هـ ) هلك يزيد ، اضطربت الأوضاع السياسية في الكوفة ، الناس كانوا يرفضون حكومة الأمويين ، عبيد الله بن زياد أراد البقاء على سلطة الكوفة خرجت مظاهرات واحتجاجات حتى النساء ، نساء الكوفة ، نساء همدان ابن الزبير استغلّ هذا الظرف زحفت قواته وسيطر على الكوفة ، ومركز العاصمة الأموية دمشق صار بها صراع عنيف بين الجناحين للأُسرة الحاكمة ، الجناح السفياني والجناح المرواني ، إلى ان انتهى الأمر بغلبة الجناح المرواني ، تولّى مروان بن الحكم الحكومة إلى ان انتهت الدولة الأموية بآخر حاكم من حكامهم الملقّب بمروان الحمار.

وفي هذا الجو تحرّك ابن الزبير للحصول على سلطة الكوفة ، وفي الشام تحرك مروان ، فالسلطتان الأموية والزبيرية صارتا تتنافسان بينهما ، تحرّك المختار ليثب على الحكم أحسّت به السلطة عن طريق والي عبد الله بن الزبير ( عبد الله بن مطيع العدوي ) كذلك أُلقي القبض على المختار وأودع السجن ، وكذلك صارت وساطة من قبل عبد الله بن عمر أيضاً وأطلق سراحه ، وأخذ يعمل حثيثاً حتى يصل إلى مراده الأخذ بثار أبي عبد الله الحسين عليه السلام من هنا ورد عن الامام الباقر عليه السلام حيث يقول : « لا تسبوا المختار فإنه قتل قتلتنا وطلب بثأرنا ... » (5).

وكذلك ورد في الحديث الشريف عن أبي عبد الله عليه السلام قال : « ما امتشطت فينا هاشمية ولا اختضبت حتى بعث إلينا المختار برؤوس الذين قتلوا الحسين عليه السلام » (6). وكذلك ما ورد عن عبد الله بن عباس حين قال ابن الزبير : ألم يبلغك قتل الكذاب ؟ قال ابن عباس : ومن الكذاب ؟ قال ابن أبي عبيد ( ويقصد به المختار ) قال ابن عباس : قد بلغني قتل المختار ، قال : كأنك نكرت تسميته كذاباً ومتوجع له ، فقال ابن عباس : ذاك رجل قتل قتلتنا وطلب ثأرنا وشفى غليل صدورنا ، وليس جزاؤه منّا الشتم والشماتة (7).

وفي عام ( 66 هـ ) ليلة 14 ربيع الأول نجحت ثورة المختار واستشهد بـ ( 14 ) شهر رمضان المبارك ( 67 هـ ) أي حكم فقط 18 شهراً ، كم قتل بالكوفة أثناء حكمه 18000 قتيلاً. وأما واقعة الخازر التي قادها ابراهيم بن مالك الأشتر النخعي قدّس سرّه والتي قتل فيها عبيد الله بن زياد مع 52000 من عملائهم فيكون المجموع 70000 ألفاً ، ولعلّ هذا معنى قول الرسول صلّى الله عليه وآله الذي ينقله السيوطي في باب من أعلام النبوة أن الله قتل بيحيى ابن زكريا 70000 وأنه قاتل بولدي الحسين 70000 ألفاً ، والحقيقة أن الثأر الأعظم للحسين بظهور ولي الله الأعظم المهدي عجلّ الله فرجه ، ولما نجحت ثورة المختار أخذ يستغل مهارته السياسية ، الأمويون من جانب له أعداء ، الزبيريون من جانب له أعداء ، حزب الخوارج من جانب ، وآخرون من جانب عدّة جبهات لذا أخذ يستعمل المختار أُسلوب التدرج ، الذي عنده عشيرة قويّة كان يتركه أول الأمر ، عمر بن سعد عند عشيرة قويّة وجماعة من أتباعه لذلك أُشير على المختار ان لا يفتك بعمر بني سعد في أوّل الوقت ، وجماعة تحرّكوا من جماعة عمر بن سعد وأخذوا له الأمان من المختار ومن باب الاستجابة لهم ، المختار أعطاه أمان مشروط بشرط ، الشرط يتكون من أمرين :

أولاً : إقامة جبرية بالكوفة.

ثانياً : ان لا يحدث حدثاً ( وهذه في الظاهر أن لا يُخل بالنظام ) لكنّ المختار أراد المعنى الفقهي للحدث في باب نواقض الوضوء. إنّما صنع ذلك حتى يبرّ يمينه ، عمر بن سعد لعنه الله بقى قلقاً على مصيره ، لذا قرّر ذات ليلة ان يخرج من الكوفة حتّى يتخلّص من القلق الذي يمزّقه داخلياً ، لذلك خرج إلى حدود الكوفة ، بيته مراقب ، رأساً أخبروا المختار بخروجه ، قال المختار لا عليكم أنّ في عنقه سلسلة ستعيده إلينا قيل له وما السلسلة ، قال دعاء المظلوم سيد الشهداء عليه السلام لأنّ الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء دعا عليه لمّا سمع صوت ولده علي الأكبر أبه حسين عليك مني السلام هذا جدي رسول الله صلّى الله عليه وآله قد سقاني بكأسه وبيده شربة لا اظمأ بعدها أبدا ، فقال الحسين عليه السلام ما لك يا بن سعد قطع الله رحمك كما قعطت رحمي وسلّط الله عليك من يذبحك على فراشك وكأني برأسك على قصبة يتراماه الصبيان بالكوفة ، وبالفعل خادم عمر بن سعد قال له : أنت لماذا خرجت ؟ فقال له : أنا خائف ، فقال له : أنت أخذت الأمان ، فقال : مع ذلك إنّي قلق من المختار ، قال له الخادم : ألم يشرط عليك أن لا تخرج ؟ قال : بلى ، فقال له : إذا خرجت تجعل للمختار على نفسك سبيلا ، فقال له الخادم : ارجع فما زال به حتى أرجعه ، بيته مراقب والمختار أرسل على ولد عمر بن سعد فأحضره ، وأرسل المختار إلى مدير شرطته ( أبا عمرة ) وقال له : نفّذ العملية وهجموا على عمر بن سعد وجدوه في فراشه ، تماماً كما قال سيد الشهداء ذبحه على فراشه ، أخذ رأسه الخبيث وجاء به إلى المختار وضع بين يديه ، سجد المختار لله شكراً ، والتفت المختار إلى ولد عمر بن سعد ، قال : رأس من هذا ؟ قال : هذا رأس أبي ولا خير في الحياة من بعده ، فقال المختار : يا سيّاف اقطع رأسه ، قطعه ، وجمع المختار الرأسين ، واشتغل المختار بالبكاء ، فسألوا المختار هذه ساعة فرح وسرور لماذا تبكي ، فقال لهم المختار : رأس عمر بن سعد الخبيث برأس الحسين عليه السلام ورأس ولده برأس علي الأكبر شبيه المصطفى ، لا والله لو قتلت ثلاث ارباع الدنيا على أن يفوا بأنملة من أنامل أبي عبد الله الحسين عليه السلام ما وفوا كيف يكون هذا الرأس بهذا.

جاءوا برأسك يا بن بنت محمد

 

متزملاً بدمائه تزميلا

ويكبّرون بأن قتلت وإنما

 

قتلوا بقتلك التكبير والتهليلا

* * *

وحگ راسك يخويه ونور عيني

 

طول الدهر ما يفتر ونيني

اشلون تلومني امن اعمي اعيوني

 

على فرگاك وانته نور العيون

* * *

ما تدري يخويه اشلون حالي

 

على راس الرمح راسك اگبالي

كلمن شاف ذل حالي بچالي

 

عدوانك عليّ غدوا يبچون

* * *

شالت راسها او صدت الراسه

 

على راس الرمح راعي الفراسه

يخويه احسين نادته ابحماسه

 

شتمونه يخويه اشلون جسرين

* * *

شگلك بالجره اعلينه يخونه

 

ولونه اخلاف عيناك او سبونه

بهلنا اشما نخينه ما لفونه

 

او صرنه ابحال يبن أُمي عسيره

* * *

لا والد لي ولا عم ألوذُ به

 

ولا أخ لي بقى ارجوه ذو رحمي

أخي ذبيح ورحلي قد أُبيح وبي

 

ضاق الفسيحُ وأطفالي بغير حمي

الهوامش

1. الشيخ عبد الحسين الأعسم ، الدر النضيد : 187.

2. رجال الكشي : 127.

3. الكامل في التاريخ 4 : 36.

4. الكامل في التاريخ 4 : 211.

5. رجال الكشي : 125.

6. رجال الكشي : 127.

7. الكامل في التاريخ 4 : 278.

مقتبس من كتاب : المحاضرات المنبرية في المجالس الصفرية / الصفحة : 134 ـ 141