ما الذي قاله عيسى عليه السلام ؟ وما الذي قيل فيه ؟

البريد الإلكتروني طباعة

ما الذي قاله عيسى عليه السلام ؟ وما الذي قيل فيه ؟

ذكر القرآن أن عيسى كان عبداً رسولاً ، وأنه لم يدع لنفسه ما نسبوه اليه ، ولا تكلم معهم إلا بالرسالة ؛ كما قال تعالى : « وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ، مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ » المائدة 116 ـ 119.

وهذا الكلام العجيب الذي يشتمل من العبودية على عصارتها ، ويتضمن من بارع الأدب على مجامعه يفصح عما كان يراه عيسى المسيح عليه السلام من موقفه نفسه تلقاء ربوبية ربه ، وتجاه الناس وأعمالهم فذكر أنه كان يرى نفسه بالنسبة الى ربه عبداً لا شأن له إلا الامتثال لا يرد إلا عن أمر ، ولا يصدر إلا عن أمر ، ولم يؤمر إلا بالدعوة الى عبادة الله وحده ولم يقل لهم إلا ما امر به : أن اعبدوا الله ربي وربكم.

ولم يكن له من الناس إلا تحمل الشهادة على أعمالهم فحسب ، وأما ما يفعله الله فيهم وبهم يوم يرجعون اليه فلا شأن له في ذلك ؛ غفر أو عذب.

فان قلت : فما معنى ما تقدم في الكلام على الشفاعة : أن عيسى عليه السلام من الشفعاء يوم القيامة يشفع فيشفع ؟

قلت : القرآن صريح أو كالصريح في ذلك ، قال تعالى : « وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ » الزخرف ـ 86 ، وقد قال تعالى فيه : « وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا » النساء ـ 159 ، وقال تعالى : « وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ » المائدة ـ 110 ، وقد تقدم إشباع الكلام في معنى الشفاعة ، وهذا غير التفدية التي يقول بها النصارى ، وهي إبطال الجزاء بالفدية والعوض فإنها تبطل السلطنة المطلقة الإلهية على ما سيجيء من بيانه ، والآية إنما تنفي ذلك ، وأما الشفاعة فالآية غير متعرضة لأمرها لا إثباتاً ولا نفياً فإنها لو كانت بصدد إثباتها ـ على منافاته (1) للمقام ـ لكان حق الكلام أن يقال : وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم ، ولو كانت بصدد نفيها لم يكن لذكر الشهادة على الناس وجه ، وهذا إجمال ما سيأتي في تفسير الآيات تفصيله إنشاء الله تعالى.

وأما ما قاله الناس في عيسى عليه السلام فإنهم وإن تشتتوا في مذاهبهم بعده ، واختلفوا في مسالكهم بما ربما جاوز السبعين من حيث كليات ما اختلفوا فيه ، وجزئيات المذاهب والآراء كثيرة جداً.

لكن القرآن إنما يهتم بما قالوا به في أمر عيسى نفسه وامه لمساسه بأساس التوحيد الذي هو الغرض الوحيد فيما يدعو اليه القرآن الكريم والدين الفطري القويم ، وأما بعض الجزئيات كمسألة التحريف ومسألة التفدية فلم يهتم به ذاك الاهتمام.

والذي حكاه القرآن الكريم عنهم أو نسبه اليهم ما في قوله تعالى : « وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ » التوبة ـ 30 ، وما في معناه ، كقوله تعالى : « وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ » الأنبياء ـ 26 ، وما في قوله تعالى : « لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ » المائدة ـ 72 ، وما في قوله تعالى : « لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ » المائدة ـ 73 ، وما في قوله تعالى : « وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ » النساء ـ 171.

وهذه الآيات وإن اشتملت بظاهرها على كلمات مختلفة ذوات مضامين ومعان متفاوتة ، ولذلك ربما حملت (2) على اختلاف المذاهب في ذلك كمذهب الملكانية القائلين بالبنوة الحقيقية ، والنسطورية القائلين بأن النزول والبنوة من قبيل إشراق النور على جسم شفاف كالبلور ، واليعقوبية القائلين بأنه من الانقلاب ، وقد انقلب الإله سبحانه لحماً ودماً.

لكن الظاهر أن القرآن لا يهتم بخصوصيات مذاهبهم المختلفة ، وإنما يهتم بكلمة واحدة مشتركة بينهم جميعاً وهو البنوة ، وأن المسيح من سنخ الإله سبحانه ، وما يتفرع عليه من حديث التثليث وإن اختلفوا في تفسيرها اختلافاً كثيراً ، وتعرقوا في المشاجرة والنزاع ، والدليل على ذلك وحدة الاحتجاج الوارد عليهم في القرآن لساناً.

بيان ذلك : أن التوراة والأناجيل الحاضرة جميعاً تصرح بتوحيد الإله تعالى ، من جانب والإنجيل يصرح بالبنوة من جانب آخر ، وصرح بأن الابن هو الأب لا غير.

ولم يحملوا البنوة الموجودة فيه على التشريف والتبريك مع ما في موارد منه من التصريح بذلك كقوله : « وأنا أقول لكم أحبوا أعداءكم ، وباركوا على لاعنيكم وأحسنوا إلى من أبغضكم ، وصلوا على من يطردكم ويعسفكم كيما تكونوا بني أبيكم الذي في السموات لأنه المشرق شمسه على الأخيار والأشرار والممطر على الصديقين والظالمين ، وإذا أحببتم من يحبكم فأي أجر لكم ؟ أليس العشارون يفعلون كذلك ؟ وإن سلمتم على إخوتكم فقط فأي فضل لكم ؟ أليس كذلك يفعل الوثنيون كونوا كاملين مثل أبيكم السماوي فهو كامل » آخر الإصحاح الخامس من إنجيل متى (3).

وقوله أيضاً : « فليضيء نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات » إنجيل متى ـ الاصحاح الخامس.

وقوله أيضاً : « لا تصنعوا جميع مراحمكم قدام الناس كي يروكم فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات ».

وقوله أيضاً في الصلوة : « وهكذا تصلون أنتم يا أبانا الذي في السموات يتقدس اسمك » « إلخ ».

وقوله أيضاً : « فإن غفرتم للناس خطاياهم غفر لكم أبوكم السمايي خطاياكم » كل ذلك في الإصحاح السادس من إنجيل متى.

وقوله : « وكونوا رحماء مثل أبيكم الرحيم » إنجيل لوقا ـ الإصحاح السادس.

وقوله لمريم المجدلية : « إمضي إلى إخوتي وقولي لهم : إني صاعد إلى أبي الذي هو أبوكم وإلهي الذي هو إلهكم » إنجيل يوحنا ـ الإصحاح العشرون.

فهذه وأمثالها من فقرات الأناجيل تطلق لفظ الأب على الله تعالى وتقدس بالنسبة إلى عيسى وغيره جميعاً كما ترى بعناية التشريف ونحوه.

وإن كان ما في بعض الموارد منها يعطي أن هذه البنوّة والأبوّة نوع من الاستكمال المؤدي إلى الاتحاد كقوله : « تكلم اليسوع بهذا ورفع عينيه إلى السماء فقال : يا أبة قد حضرت الساعة فمجد ابنك ليمجدك ابنك » ثم ذكر دعائه لرسله من تلامذته ثم قال : « ولست أسأل في هؤلاء فقط بل وفي الذين يؤمنون بي بقولهم ليكونوا بأجمعهم واحداً كما أنك يا أبت ثابت في وأنا أيضاً فيك ليكونوا أيضاً فينا واحداً ليؤمن العالم أنك أرسلتني وأنا أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحداً كما نحن واحد أنا فيهم وأنت فيّ ويكونوا كاملين لواحد لكي يعلم العالم أنك أرسلتني وأنني أحببتهم كما أحببتني » إنجيل يوحنا ـ الإصحاح السابع عشر.

لكن وقع فيها أقاويل يتأبى ظواهرها عن تأويلها الى التشريف ونحوه كقوله : « قال له توما : يا سيد ما نعلم أين تذهب ؟ وكيف نقدر ان نعرف الطريق ؟ قال له يسوع : أنا هو الطريق والحق والحياة لا يأتي أحد الى أبي إلا بي لو كنتم تعرفونني لعرفتم أبي أيضاً ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه أيضاً ، قال له فيلبس : يا سيد أرنا الأب وحسبنا ، قال له يسوع : أنا معكم كل هذا الزمان ولم تعرفني يا فيلبس ؟ من رآني فقد رأى الأب فكيف تقول أنت : أرنا الأب ؟ أما تؤمن أني في أبي وأبي في وهذا الكلام الذي أقوله لكم ليس هو من ذاتي وحدي بل أبي الحال في هو يفعل هذه الأفعال آمنوا بي ، أنا في أبي وأبي في » إنجيل يوحنا ـ الإصحاح الرابع عشر.

وقوله : « لكني خرجت من الله وجئت ولم آت من عندي بل هو أرسلني » إنجيل يوحنا ـ الإصحاح الثامن.

وقوله : « أنا وأبي واحد نحن » إنجيل يوحنا ـ الإصحاح العاشر.

وقوله لتلامذته : « اذهبوا وتلمذوا كل الامم وعمدوهم (4) باسم الأب والابن وروح القدس » إنجيل متى ـ الإصحاح الثامن والعشرون.

وقوله : « في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله ، والله كان الكلمة منذ البدء كان هذا عند الله كل به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان به كانت الحياة ، والحياة كانت نور الناس » إنجيل يوحنا ـ الإصحاح الأول.

فهذه الكلمات وما يماثلها مما وقع في الإنجيل هي التي دعت النصارى الى القول بالتثليث في الوحدة.

والمراد به حفظ « أن المسيح ابن الله » مع التحفظ على التوحيد الذي نص عليه المسيح في تعليمه كما في قوله : « إن أول كل الوصايا : اسمع يا إسرائيل الرب إلهك إله واحد هو » إنجيل مرقس ـ الإصحاح الثاني عشر.

ومحصل ما قالوا به ـ وإن كان لا يرجع الى محصل معقول ـ : أن الذات جوهر واحد له أقانيم ثلاث ، والمراد بالاقنوم هو الصفة التي هي نحو ظهور الشيء وبروزه وتجليه لغيره وليست الصفة غير الموصوف ، والأقانيم الثلاث هي : اقنوم الوجود واقنوم العلم ، وهو الكلمة ، واقنوم الحياة وهو الروح.

وهذه الأقانيم الثلاث هي : الأب والابن والروح القدس : والاول اقنوم الوجود ، والثاني اقنوم العلم والكلمة ، والثالث اقنوم الحياة ، فالابن وهو الكلمة واقنوم العلم نزل من عند أبيه وهو أُقنوم الوجود بمصاحبة روح القدس وهو أُقنوم الحيوة التي بها يستنير الأشياء.

ثم اختلفوا في تفسير هذا الإجمال اختلافاً عظيماً أوجب تشتتهم وانشعابهم شعباً ومذاهب كثيرة تجاوز السبعين ، وسيأتيك نبأها على قدر ما يلائم حال هذا الكتاب.

إذا تأملت ما قدمناه عرفت : أن ما يحكيه القرآن عنهم ، أو ينسبه اليهم بقوله : « وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ » وقوله : « لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ » ، وقوله : « لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ » ، وقوله : « وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا » كل ذلك يرجع الى معنى واحد ( وهو تثليث الوحدة ) هو المشترك بين جميع المذاهب المستحدثة في النصرانية ، وهو الذي قدمناه في معنى تثليث الوحدة.

وإنما اقتصر فيه على هذا المعنى المشترك لأن الذي يرد على أقوالهم في خصوص المسيح عليه السلام على كثرتها وتشتتها مما يحتج به القرآن أمر واحد يرد على وتيرة واحدة كما سيتضح.


مقتبس من كتاب : الميزان في تفسير القرآن / المجلّد : 3 / الصفحة : 282 ـ 287


1. فان المقام مقام التذلل دون الاسترسال.

2. كما فعله الشهرستاني في الملل والنحل.

3. النسخة العربية المطبوعة سنة 1811 ميلادية وعنها ننقل جميع ما ننقله في هذا البحث عن كتب العهد العربية.

4. التعميد نوع من التغسيل عند النصارى يتطهر به المغتسل من الذنوب وهو من فرائض الكنيسة.

 

أضف تعليق

ما هو الجواب :
كود امني :

النبوة

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية

ستة + اثنان =