إسراء النبي محمّد صلّى الله عليه وآله ومعراجه

البريد الإلكتروني طباعة

إسراءه ومعراجه

إنّ الأنبياء والرسل هم أوّل من سبروا أعماق الفضاء بأكنافه وآفاقه ، ولو صحّ لنا تسميتهم : « روّاد الفضاء » فهم أولى بإطلاق ذلك الإسم عليهم دون غيرهم ، فقد عرجوا قبل أن يكون هناك أثر لوجود روّاد الفضاء في روسيا أو الولايات المتحدة الأمريكية ، بل لم تكن هناك أية فكرة لتسخير الفضاء أو التجاسر على التفكير به ، وأخطاره في الأذهان ، فقد كانت العلوم الرائجة في تلك العصور تستحيله وتجعله في مصافّ المحالات ، لأنّهم كانوا على القول بامتناع الخرق والالتئام في طبقات السماء فهم ( عليهم السلام ) أوّل من كسروا حاجز هذه الخرافة وأثبتوا بتطبيقهم العملي عن طريق العروج والاسراء إنّه ليست هناك حجب تخرق ، أو تلتئم بعد الخرق ، بل السماء فضاء رحب ، والكواكب إنّما هي عبارة عن أجرام معلّقة في أرجائه ، تحكمها قوانين الطرد والجذب المركزية ، وإنّ الإنسان بفضل معونة القدرة الغيبية ، يستطيع الافلات من قوّة الجاذبية الأرضية ، كما أنّه يقدر على اختراق الغلاف الكثيف المحيط بالأرض ، كل ذلك بفضل المواهب السنيّة التي يجلّل بها الخالق جلّ جلاله عبده.

إنّ الاُمنية البعيدة غوراً في تاريخ الفكر الإنساني ، والتي أصبحت في متناول إنسان العصر الحديث بفضل ازدهار ورقي حضارته المادّية ، وتسخير قوىٰ الطبيعة لصالحه ، تحقّقت بالأنبياء واُمناء الغيب بفضل ما حباهم الباري عزّ شأنه به من الوسائل الغيبية للصعود والارتقاء في أعماق الفضاء الواسع.

وبذلك يفترق عمل الأنبياء في ذلك المجال عن عمل روّاد الفضاء وإن كان الكل مثيراً للإعجاب لأنّهم كانوا يعتمدون على أسباب غيبية لا تخضع للموازين البشرية ، وهذا بخلاف عمل روّاد الفضاء فإنّهم يستمدّون في تحقيق اُمنيتهم ، بتوسّط الأسباب والعلل الطبيعية والأجهزة الصناعيّة التي عكف على صنعها وإعدادها مئات بل اُلوف من المفكّرين والعباقرة في مختلف العلوم البشرية وبإنفاق المليارات من العملة الصعبة.

هذا هو الذكر الحكيم يصوّر لنا كيفيّة إرتقاء النبي سليمان ( عليه السلام ) إلى السماء وسياحته في جوّ الأرض وذلك بتسخير الريح العاصفة له تسير به طواعية تحت أمره حيثما شاء في قوله : ( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ) ( الأنبياء / 81 ).

فهذه الآية تعرب عن أنّ الريح العاصفة تسير به إلى الأرض التي باركها سبحانه وهي أرض الأنبياء المشار إليها في آية اُخرى : ( إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) ( الأسراء / 1 ).

ومثلها قوله سبحانه : ( فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ) ( ص / 36 ).

والرخاء هو اللين ، ولعلّ المراد بأنّ الريح العاصفة التي من طبيعتها الجموح والإهلاك كانت مطيعة لسليمان تجري بأمره طواعية ذلولاً كما أنّ قوله ( حَيْثُ أَصَابَ ) أي بمعنى حيث شاء سليمان وقصد ، سواء كان المقصد البقاع المباركة أو غيرها.

كما أنّ هناك آية اُخرى تحدّد لنا مقاطع حركتها الزمنية وكيف انّها كانت في يوم واحد تقوم بقطع مسافة كانت تقطعها وسائل النقل في تلك العصور مدّة شهرين في قوله :

( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ) ( سبأ / 12 ).

فلو افترضنا أنّ وسائل النقل تقطع في كلّ يوم أربعاً وأربعين كيلومتراً على وفق ما هو المتعارف عليه يومذاك ، يكون مجموع مقدار المسافة اليوميّة في امتداد شهر (1320) كيلومتراً ، فإذا كان غدوّها شهراً ورواحها شهراً يكون مجموع المسافة التي كان يقطعها سليمان في يوم واحد تبلغ (2640) كيلومتراً.

والحقّ إنّها كانت كرامة عظيمة كرّمه الله سبحانه بها ، وليس سليمان وحيداً في الاختصاص بتلك المكرمة بل تلاه المسيح عيسى بن مريم عند ما اجتمع أجلاف اليهود وجلاوزتهم على قتله حيث رفعه إليه ونجّاه من كيدهم ، يقول سبحانه :

( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّـهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَّفَعَهُ اللَّـهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّـهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) ( النساء / 157 و 158 ).

فالآية تتضمّن دعويين :

الاُولى : ما يقوله اليهود وهو قتل المسيح وصلبه.

الثاني : ما يصرّح به القرآن وهو نفي قتله وعدم صلبه بل رفعه.

وبما أنّ متعلّق القتل والصلب هو الوجود الخارجي أي جسم المسيح وروحه فيكون ذلك متعلّق الرفع أيضاً ، فهو رفع بجسمه وروحه ، وبعبارة أكثر وضوحاً إنّه رفع حيّاً لا أنّه قد اُميت ثمّ رفع على ما هو المصرّح به في الأناجيل المحرّفة من موت المسيح ثمّ رفعه بعد اسبوع من صلبه أو أيام قلائل ، فما ربّما يظهر من جنوح بعض المتأخّرين من المفسّرين إلى هذا التفسير ، فهو تفسير بمحض الرأي ومخالف لظاهر الآية فإنّ الاضراب الوارد في قوله تعالى : ( بَل رَّفَعَهُ اللَّـهُ ) لا يكون إضراباً عن قول اليهود إلّا برفعه حيّاً لا برفعه ميّتاً ، فإنّ هذا الرفع كان لغاية تخليص المسيح من سطوة اليهود سواء مات بعد ذلك أم بقي حيّاً بإبقاء الله تعالى له ، وعلى كل تقدير فلا يكون قوله ( بَل رَّفَعَهُ اللَّـهُ ) إبطالاً لقول اليهود إلّا إذا رفع حيّاً.

وأمّا قوله سبحانه : ( إِذْ قَالَ اللَّـهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) ( آل عمران / 55 ) ، فليس التوفّي هناك بمعنى الإماتة والإزهاق بل ليس للتوفّي إلّا معنى واحد وهو القبض والأخذ ، يقال : توفّيت المال منه واستوفيته : إذا أخذته كلّه ، ويقال توفّيت عدد القوم : إذا عددتهم كلّهم ، كما يقال : توفّي فلان وتوفّاه الله إذا قبض (1). وعلى ذلك فليس للتوفّي إلّا معنى الأخذ وله مصاديق مختلفة ، فالإماتة من مصاديقه كما أنّ النوم بما أنّه نوع أخذ للإنسان مصداق آخر له قال سبحانه : ( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ) ( الأنعام / 60 ) وعلى ضوء ذلك فمعنى ( إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ ) : قابضك من الأرض حيّاً إلى جواري ورافعك من بين أعدائك ، فالآيات متضافرة المضمون على أنّه رفع من الأرض حيّاً إليه سبحانه.

ورفعه من الأرض حيّاً يلازم رفعه إلى السماء ، وبذلك تقف على تفسير قوله سبحانه حيث يحكي عن المسيح قوله : ( مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّـهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) ( المائدة / 117 ).

معراج النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم

إنّ الوقوف على إسراء النبي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وعروجه منه إلى سدرة المنتهى من معاجزه وكراماته التي أثبتهما القرآن الكريم في سورتي الإسراء والنجم ، وتفصيل ما ظهر له فيهما من الآيات يتوقّف على نقل شأنهما في الذكر الحكيم. أمّا الإسراء فقال فيه :

( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) ( الإسراء / 1 ).

1 ـ إبتدأ سبحانه كلامه بالتسبيح وقال : ( سُبْحَانَ ) (2) وهي كلمة تنزيه لله عزّ اسمه عمّا لا يليق به من الصفات ، وقد يراد به التعجيب ، ولكن الظاهر هو الأوّل.

ولعلّ الوجه في إبتدائها بالتنزيه هو التصريح بتنزيهه سبحانه عن العجز لما سيذكر بعده من الإسراء بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في فترة زمنية قصيرة ، ويمكن أن يكون الوجه إرادة تنزيهه سبحانه عن التجسيم والجهة والرؤية وكل ما لا يليق بعزّ جلاله وصفات كماله ، حتّى لا يتوهّم متوهّم أنّ المقصود من المعراج هو رؤية الله تبارك وتعالى في ملكوت عرشه وجبروت سلطانه ، والأوّل أقرب.

2 ـ الإسراء لغة هو السير في الليل. يقال : سرى بالليل وأسرى بمعنىً ، وأمّا الإتيان بلفظة « ليلاً » مع الاستغناء عنه فيأتي وجهه.

3 ـ قوله ( بِعَبْدِهِ ) يدل على أنّ الإسراء كان بمجموع الروح والجسد يقظة لا مناماً ولم يطلق العبد في القرآن إلّا على المجموع منهما. قال سبحانه : ( الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ) ( البقرة / 178 ) ، وقال سبحانه : ( وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ ) ( البقرة / 221 ).

إلى غير ذلك من الآيات التي ورد فيها لفظ العبد والتي تناهز 28 آية ، ويؤيّد ذلك أنّه سبحانه ابتدأ السورة بالتنزيه فقال : ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ ... ) خصوصاً إذا قلنا بأنّه للتعجّب فإنّه يكون في الاُمور العظام الخارقة للعادة ، ولو كان الإسراء بمجرّد الروح ، مناماً لم يكن فيه كبير شأن ولم يكن مستعظماً ، وما ورد في المقام من الروايات المنتهية إلى أمثال معاوية ابن أبي سفيان بأنّه قال : كان رؤيا من الله صادقة ، مرفوض فإنّ معاوية يومئذٍ كان من المشركين لا يقبل خبره في مثل هذا ، ومثله ما روي عن عائشة زوجة النبي بأنّه قال : ما فقد جسد رسول الله ولكن اُسري بروحه ، فإنّ عائشة يومئذٍ كانت صغيرة ولم تكن زوجة رسول الله ، بل لم تولد بعد على احتمال ، وهناك كلام لأبي جعفر الطبري في تفسيره نقتطف منه ما يلي :

« الصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إنّ الله أسرى بعبده محمد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كما أخبر الله عباده وكما تضافرت به الأخبار عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : إنّ الله حمله على البراق حتى أتى به فصلّى هناك بمن صلّى من الأنبياء والرسل فأراه ما أراه من الآيات ، ولامعنى لقول من قال : اُسري بروحه دون جسده ، لأنّ هذا الإسراء لا يشكّل دليلاً على نبوّته ولاحجّة له على رسالته ، ولا كان الذين أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك. إذ لم يكن منكراً عندهم ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم أن يرى الرائي منهم في المنام ما على مسيرة سنة ، فكيف ما هو مسيرة شهر أو أقل ؟ وبعد ، فإنّ الله إنّما أخبر في كتابه أنّه أسرى بعبده ولم يخبرنا أنّه أسرى بروح عبده ، فليس جائزاً لأحد أن يتعدّى ما قال الله إلى غيره [ مضافاً ] إلى أنّ الأدلّة الواضحة والأخبار المتداولة عن رسول الله اُسري به على دابة يقال لها البراق ، فلو كان الإسراء بروحه لم تكن الروح محمولة على البراق ، إذ كانت الدواب لا تحمل إلّا الأجساد (3).

4 ـ ( لَيْلًا ) وهو يدل على أنّ الإسراء في بعض الليل كما يفيده التنكير فلا يستفاد ذلك من لفظ الإسراء ، فإنّه يدل على صرف كونه في الليل.

قال الزمخشري : إنّ تنكير « ليلاً » للدلالة على أنّه اُسرى به بعض الليل من مكّة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة ، وذلك إنّ التنكير قد دلّ على معنى البعضيّة ويشهد لذلك قراءة عبدالله بن حذيفة : « من الليل » أي بعض الليل ، كقوله : ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ ) ( أي من بعضه ) (4). ثمّ إنّ الحركة بهذه السرعة ممكنة في نفسها ، فقد جاء في القرآن أنّ الرياح كانت تسير بسليمان إلى المواقع البعيدة ، في الأوقات الزمنية القليلة كما مرّ.

وحكى سبحانه عن الذي كان عنده علم من الكتاب أنّه أحضر عرش بلقيس من أقصى اليمن إلى أقصى الشام في مقدار لمح البصر ، حيث قال : ( قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي ) ( النمل / 40 ).

فإذا أجاز هذا لدى طائفة من الناس ، ممّن سبقه ، صحّ وقوعه منه (5).

وها نحن في كل يوم نشاهد من صنوف المخترعات في ميادين النقل والمواصلات ما يتمكّن بواسطتها من قطع المسافات الشاسعة كالطائرات التي تجتاز المحيطات في ساعات قلائل وينتقل من قارة إلى قارة ومن قطر إلى قطر بيسر وسهولة ، وهذا ليدفعنا إلى الإعتقاد الجازم بشهادة العيان بأنّ ما جاء في هذه الرحلة الخارقة لقوانين الطبيعة ليس أمراً عزيز الحصول أو مستحيلاً ، فإذا كان هذا بوسع الإنسان بحسب طاقاته المحدودة وهو الذي خلق ضعيفاً ، فالله سبحانه أقدر عليه وعلى غيره من كل أحد ( وَمَا قَدَرُوا اللَّـهَ حَقَّ قَدْرِهِ ).

5 ـ ( مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ) وهذه الجملة تعرب عن تحديد بدء السير ومنتهاه ، وأنّه ابتدأ من المسجد الحرام وانتهى إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس بقرينة قوله : ( الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) والقصى البعد ، وسمّي المسجد الأقصى به لكونه أبعد مسجد بالنسبة إلى مكان النبي ومن معه من المخاطبين وهو مكّة التي فيها « المسجد الحرام ».

وذهب أكثر المفسّرين إلى أنّه اُسري به من دار اُم هاني اُخت علي بن أبي طالب وزوجها هبيرة بن أبي لهب المخزومي ، وكان ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) نائماً تلك الليلة في بيتها ، وأنّ المراد بالمسجد الحرام هنا مكّة ، والحرم كلّها مسجد (6).

وقال بعضهم : إنّما اُسري به من شعب أبي طالب.

والوجه الأوّل هو الأوفق بظاهر الكتاب ومع ذلك يمكن تصحيح الوجهين الأخيرين بوجهين :

الأوّل : إنّه لو كان في المكان الوسيع شيء معروف ومتبرّك يطلق اسمه على جميع المكان ، نظير ذلك ، مسجد الشجرة حيث يطلق ويراد منه ذو الحليفة ، ومشهد الإمام عليّ ( عليه السلام ) يطلق ويراد منه النجف برمّتها ، إلى غير ذلك ، ومن الممكن أن يكون المراد من المسجد الحرام ، الحرم كلّه بالملاك المذكور فيشمل مكّة والبيت الذي اُسري منه النبي أو الشعب الذي كان النبي لاجئاً إليه يومذاك.

الثاني : أن يكون الإسراء قد حدث مرّتين أحدهما من المسجد الحرام والآخر من بيت أم هاني أو من الشعب ، ويؤيّد ذلك ما رواه الكليني أنّه سأل أبو بصير أبا عبدالله (عليه السلام) فقال : جعلت فداك وكم عرج برسول الله ؟ فقال : مرّتين (7).

6 ـ ( الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) أي جعلنا البركة فيما حوله من الأشجار والثمار والنبات والأمن والخصب حتّى لا يحتاجون إلى أن يجلب إليهم من موضع آخر.

أضف إلى ذلك انّه سبحانه جعله مقرّ الأنبياء ومهبط الملائكة ، فقد اجتمعت فيه بركات وخيرات الدين والدنيا.

7 ـ ( لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ) والجملة متكفّلة ببيان الهدف من الإسراء وهو إراءة عجائب الآيات وغرائب الصنع ، ومنها إسراءه في ليلة واحدة من مكّة إلى المسجد الأقصى ، وهي فترة قياسية خارقة للعادة.

فلو كان المسجد الأقصى منتهى سيره في ذلك الإسراء ، فيكون المراد من الآيات التي أراه الله سبحانه إيّاها مجرّد ما رأته عيناه في طريقة إلى المسجد الأقصى وما فيه من مقامات الأنبياء وقبورهم وآثارهم.

وأمّا إذا كان العروج إلى السماء متّصلاً بذلك الإسراء فيتّسع نطاق الآيات ، وفي السياق دلالة على عظمة هذه الآيات التي كشف له عنها الله سبحانه ، وحيث أراه بعضها لا كلّها ، وفيه تصريح بأنّ الهدف هو إراءة الآيات الكونية الباهرة ليرجع النبي من إسرائه بصدر منشرح وقلب متفتّح قد انعكست فيه آيات العظمة وسبحات الجلال والجمال ، وأمّا ما يتخيّل من أنّ الهدف رؤية الله سبحانه فهو ممّا حاكته يد الدسّ ونسجته أغراض التزوير.

وفي الأحاديث المرويّة عن أئمّة أهل البيت تنديد بهذا الفكر النابي. روى الصدوق في علل الشرائع ، عن ثابت بن دينار : قال سألت زين العابدين ـ علي بن الحسين ـ ( عليه السلام ) عن الله جلّ جلاله هل يوصف بمكان ؟ فقال : تعالى عن ذلك ، قلنا : فلم أسرى نبيّه إلى السماء ؟ قال : ليريه ملكوت السماوات وما فيها من عجائب صنعه وبدائع خلقه.

وفي حديث آخر عن يونس بن عبد الرحمان ، قال : قلت لأبي الحسن موسى ابن جعفر ( عليهما السلام ) : لأيّ علّة عرج الله ـ عزّ وجلّ ـ نبيّه إلى السماء ومنها إلى سدرة المنتهى ، ومنها إلى حجب النور ، وخاطبه وناجاه هناك ، والله لا يوصف بمكان ؟ فقال عليه السلام : إنّ الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان ولا يجري عليه زمان ، ولكنّه عزّ وجلّ أراد أن يشرّف ملائكته وسكّان سماواته ويكرمهم بمشاهدته ويريه من عجائب عظمته ويخبر به بعد هبوطه ، وليس ذلك على ما يقوله المشبّهون. سبحان الله وتعالى عمّا يشركون.

8 ـ ( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) وهذا تعليل لإراءة آياته ، ومعناه أنّه سميع لأقوال عباده ، بصير بأفعالهم ، يسمع أقوال من صدّقه أو كذّبه ويبصر أفعالهم.

عروجه إلى السماء

هذا كلّه حول إسرائه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، وقد جاء في القرآن في سورة واحدة وهي سورة الإسراء ، وأمّا عروجه إلى السماء فقد تكفّلت ببيانه سورة النجم ، وإليك نصّ ما ورد بشأن ذلك فيها :

قال سبحانه : ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ * فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ )

( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ *مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ * لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ ) ( النجم / 1 ـ 18 )

والطائفة الاُولى من الآيات راجعة إلى بدء الدعوة ولا تمتّ إلى حديث المعراج بصلة ، وأمّا الطائفة الثانية فهي مصرّحة بمعراجه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

ولأجل الوقوف على ما تهدف إليه الآيات يحتّم علينا أن نفسّرها واحدة بعد الاُخرىٰ ، فنقول :

1 ـ ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ) . وهو حلف من الله بمخلوقه ، والمراد من الهوى سقوطه للغروب.

2 ـ ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ) أي لم يخرج عن الصراط المستقيم ، والمراد من الصاحب هو النبي ، كما أنّ المراد من الغيّ هو الاعتقاد الفاسد ، أي ما خرج النبي عن الطريق الموصل إلى الغاية المطلوبة ولم يخطئ في اعتقاده ورأيه.

3 ـ ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَىٰ ) المراد بالهوى هوى النفس ورأيها ، ومقتضى ورود النفي على النطق هو نفي الهوى في مطلق نطقه ، إلّا أنّ ذيله قرينة على أنّ المراد نفي سلطة الهوى في ما يدعوهم إلى الله.

4 ـ ( إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) أي لا ينطق فيما يدعوكم إلى الله عن هوى نفسه ورأيه وليس ذلك إِلَّا وحياً يوحى إليه من الله تعالى.

5 ـ ( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ) المراد من شديد القوىٰ هو جبرئيل بقرينة قوله سبحانه : ( ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ) ( التكوير / 20 ) وبذلك يضعف احتمال كون المراد هو الله سبحانه ، والضمير في « علّمه » يرجع إلى الصاحب ، المراد منه النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) واحتمال رجوعه إلى الوحي أو القرآن ضعيف لاستلزامه تقدير مفعول له مثل قولنا : « علّمه إيّاه » وهو خلاف الظاهر.

6 ـ ( ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ ) المرّة ـ بكسر الميم ـ الشدّة وحصافة العقل والرأي ، أي ذو حصافة في عقله ورأيه أو ذو شدّة في جنب الله ، واحتمال كون المراد منه هو النبي يستلزم جعله صفة لـ « صاحبكم » وهو بعيد ، بل هو صفة لشديد القوى الذي جاء بعده ، وهو أيضاً دليل على أنّ المراد من شديد القوى هو جبرئيل. كما أنّ المراد من قوله « فاستوى » إستقام على صورته الأصليّة التي خلق عليها ، لأنّ جبرئيل كان ينزل على النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في صور مختلفة ، ولكنّه في بدء الدعوة ظهر له في صورته الأصليّة.

7 ـ ( وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ ) والضمير يرجع إلى شديد القوى ، والمراد منه جبرئيل ، كما أنّ المراد بالاُفُق الأعلى ناحية المشرق من السماء ، لأنّ المشرق مطلّ على المغرب ويحتمل أن يكون المراد اُفق أعلى من السماء من غير اعتبار كونه شرقياً ، والجملة ، هي جملة حالية من ضمير فاستوى.

8 ـ ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ) والضميران راجعان إلى جبرئيل ، والمراد من « الدنوّ » القرب كما أنّ المراد من التدلّي هو الاعتماد على جهة السفل مأخوذ من الدلو ، والمراد قرب جبرئيل متدلّياً من الاُفق الأعلى.

9 ـ ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ ) ألقاب مقدار الشيء ، والقوس معروف وهي آلة الرمي ، والمعنى قرب جبرئيل على حدّ لم يبق بينه وبين النبي إلّا قدر قوسين أو أقلّ.

10 ـ ( فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ ) والضمير في كلا الفعلين يرجع إلى جبرئيل على نسق رجوع سائر الضمائر إليه. نعم الضمير في « عبده » يرجع إلى الله سبحانه ، والمعنى فأوحى جبرئيل إلى عبد الله ما أوحى.

وربّما يحتمل رجوع الضمائر الثلاث إلى الله سبحانه ، والمراد فأوحى الله بتوسّط جبرئيل إلى عبده ، وهو وإن كان صحيحاً ولكنّه على خلاف السياق.

11 ـ ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ ) والكذب كما يتّصف به الكلام كذلك يطلق على خطأ القوّة المدركة ، يقال : كذّبته عينه أي أخطأت في رؤيتها ، ونفي الكذب عن الفؤاد كناية عن تنزيهه عن الخطأ ، والمراد من الفؤاد فؤاد النبي ، وضمير الفاعل في « ما رأى » راجع إلى الفؤاد ، والرؤية رؤيته ، ولا إشكال في إسناد الرؤية إلى الفؤاد لأنّه يطلق على شهود النفس رؤيتها.

12 ـ ( أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ ) وهو توبيخ لهم على مماراتهم إيّاه ، حيث إنّه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كان يدّعي رؤية جبرئيل وهم يجادلونه في ما رآه وشاهده ، ولا مجال للمجادلة فيما شوهد بالحسّ والعيان.

إلى هنا تمّت الطائفة الاُولى من الآيات والكلّ يهدف إلى استعراض قصّة بدء الدعوة أنّ جبرئيل الذي هو شديد القوى كان قد علّمه القرآن ورآه النبي وهو بالاُفق الأعلى ، وقد قرب من النبي متدلّياً إليه فلم يبق بينه وبين النبي إلّا مسافة قوسين أو أدنى ، وليس هناك بحث عن رؤية النبي لله سبحانه كما لا صلة لهذه الآيات بحديث المعراج وعروجه إلى السماء.

وبالإمعان فيما ذكرنا تظهر اُمور :

أ ـ إنّ الضمائر من قوله ( عَلَّمَهُ ) إلى قوله ( إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ ) كلّها يرجع إلى شديد القوى والمراد منه جبرائيل إلّا الضمير في ( إِلَىٰ عَبْدِهِ ) فإنّه يرجع إلى الله.

وعلى احتمال ، يرجع الضميران في الفعلين ( فَأَوْحَىٰ ... مَا أَوْحَىٰ ) إلى الله سبحانه ، وبعد ذلك لا معنى للاستدلال بهذه الآيات على أنّ النبي رأى ربّه ، والاشتباه إنّما حصل من إرجاع الضمائر الثلاثة من قوله : ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ) إلى النبي الأكرم وأنّ المراد دنا منه سبحانه وهو ممّا لا يساعد عليه سياق الآيات.

ب ـ إنّ الكاتب الإنگليزي « جان. ديون. بورت » فسّر قوله ( دَنَا فَتَدَلَّىٰ ) بأنّ النبي استجاز ربّه للحضور عنده ، فقرب منه إلى حدّ لم يبق بينه وبين ربّه إلّا قاب قوسين ، و هو غلط كما أوضحناه. أضف إلى ذلك : إنّ هذا القسم من الآيات لا يمتّ إلى حديث المعراج بصلة ، وإنّما هو بصدد بيان حادثة بدء الدعوة ولم يكن هناك يومئذ معراج من النبيّ حتى يستأذن للحضور عند ربّه ، ومنشأ الإشتباه مضافاً إلى ذلك هو إرجاع الضميرين في دنا فتدلّى إلى النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

ج ـ إنّ بعض المستشرقين يذكر في تفسير الآيات : إنّ النبي قرب من الله سبحانه حتى سمع صرير قلمه ووقف على أنّه سبحانه مهتمّ بصيانة حساب عباده ، سمع صرير قلمه ، ولم ير شخصه ، كل ذلك خلط وخبط ، يفعلون ذلك على الرغم من أنّهم غير متضلّعين في اللغة العربيّة وأساليبها وقواعدها وأسرارها وفي القرآن الكريم وإشاراته ونكاته ، ثمّ يكتبون عن النبي والإسلام والقرآن كل شيء دعتهم إليه أغراضهم ، ولا علم لهم بشيء منها إلّا ما لا يلتفت إليه.

إذا وقفت على مفاد الطائفة الاُولى من الآيات نعرج بك على تفسير الطائفة الثانية التي وردت في معراج النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وإنّما جاءت بعد الطائفة الاُولى لصلة تامّة بينهما وهو التركيز على أنّ النبي رأى جبرئيل على صورته الواقعيّة في كلتا المرحلتين ، اُولاهما بدء الدعوة حيث رآه بالاُفق الأعلى ، وثانيهما عند المعراج إذ رآه عند سدرة المنتهى التي عندها جنّة المأوى ، ويؤكّد على أنّ الرؤية كانت رؤية صادقة غير خاطئة ، فيركّز على صدق الرؤية في ضمن الطائفة الاُولى بقوله : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ ) وفي ضمن الطائفة الثانية بقوله : ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ) وأنّ الرؤية رؤية واقعيّة غير مشوبة بالزيغ والخطأ ، ثمّ قال سبحانه :

13 ـ ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ ) النزلة بناء مرة من النزول فمعناه نزول واحد ، فتدلّ الآية على أنّ هذه قصّة رؤية في نزول آخر ، والآيات السابقة تحكي نزولاً آخر ، ولأجل ذلك قلنا إنّ الطائفتين تهدف كل منهما إلى قصّة خاصة ، وضمير الفاعل يرجع إلى النبي ، وضمير المفعول لجبرئيل والنزلة نزول جبرئيل إليه ليعرج به إلى السموات.

14 ـ ( عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ ) وهو ظرف للرؤية ، لا للنزلة والمراد برؤيته رؤيته وهو في صورته الأصليّة ، والمعنى أنّه نزل عليه نزلة اُخرى ، وعرج به إلى السماوات ، ورآه النبي عند سدرة المنتهى وهو في صورته الأصليّة ، والسدر شجر معروف والتاء للوحدة ، والمنتهى كأنّه إسم مكان ، ولعلّ المراد به منتهى السماوات بدليل أنّ جنّة المأوى عنده والجنّة في السماء ، فينتج إنّ سدرة المنتهى في السماء ، وأمّا كون الجنّة في السماء فبدليل قوله : ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ) ( الذاريات / 22 ) وأمّا ما هو المراد من تلك الشجرة فليس في كلامه سبحانه ما يفسّره ، ويؤيّده قوله : ( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ ) وسيوافيك تفسيره.

15 ـ ( عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ ) والمراد هي جنّة الآخرة التي يأوى إليها المؤمنون. قال تعالى : ( فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَىٰ نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ( السجدة / 19 ). وهي أيضاً في السماء على ما دلّ عليه قوله : ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ).

16 ـ ( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ ) غشيان الشيء الإحاطة به ، وما موصولة والمعنى إذ يحيط بالسدرة ما يحيط بها ، وقد أبهم الله تعالى حقيقة تلك الشجرة كما أبهم ما يغشاها.

17 ـ ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ) زيغ البصر إدراكه المبصر على غير ما هو عليه ، وطغيانه إدراكه ما لا حقيقة له ، والمراد بالبصر بصر النبي ، والمعنى أنّه لم يبصر ما أبصره على غير صفته الحقيقة ، ولا أبصر ما لا حقيقة له بل أبصر إبصاراً لا يشوبه الخطأ.

وقال العلّامة الطباطبائي : إنّ المراد بالإبصار رؤيته بقلبه لا بجارحة العين ، فإنّ المراد بهذا الإبصار ما يعنيه بقوله : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ ) المشير إلى مماثلة هذه الرؤية لرؤية النزلة الاُولى التي يقول فيها : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ ) (8) غير أنّه لا منافاة بين أن يراه بعينه ويراه بقلبه ، فإنّ الرؤية بالجارحة وسيلة والرؤية الحقيقية بالقلب.

18 ـ ( لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ ) فهو رأى بعض آيات ربّه الكبرى ، ورؤية الآيات نوع رؤية لذيها ولا يمكن رؤية ذي الآية أعني ذاته المقدسة بلا توسيط آية. قال سبحانه : ( وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) إلى غير ذلك من الآيات المنكرة لإمكان وقوع الرؤية على ذاته عزّ وجلّ ، والإمعان في مجموع الآيات الواردة حول إسرائه وعروجه ينتهي بنا إلى عدّة اُمور :

1 ـ إنّه قد اُسري بالنبي ليلاً على جهة القطع ، ولكن هل كان عروجه في الليل أيضاً ؟ ليس في الآيات شيء يدل على ذلك ، فلو كان عروجه إلى السماوات متّصلاً بإسرائه فيتّحد معه زماناً.

2 ـ إنّ النبي اُسري وعرج بروحه وجسده ولم يكن ذلك رؤياً.

3 ـ بدأ الإسراء من المسجد الحرام أو مكّة المكرمة على ما مرّ ذكره ، وأمّا مبدأ المعراج فلو كان متّصلاً بالإسراء فيكون مبدؤه من المسجد الأقصى.

4 ـ منتهى الإسراء هو المسجد الأقصى ، وأمّا منتهى المعراج فهو منتهى السماوات كما يفيده قوله : ( عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ ) أي رأى جبرئيل عند شجرة السدرة الواقعة في منتهى السماوات.

5 ـ كان الغرض من الإسراء والمعراج إراءة الآيات كما يتضمّنه قوله : ( لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ) وقوله : ( لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ ).

6 ـ إنّ النبي رآى جبرئيل بصورته الأصليّة مرّتين ، مرّة في بدء الدعوة ومرّة في المعراج.

7 ـ قد دنا جبرئيل من النبي على حد لم يبق بينهما مسافة إلّا مقدار قاب قوسين أو أدنى.

8 ـ لم يكن هناك خطأ في تلك الرؤية ، فما أخطأ فؤاده وما زاغ بصره وماطغى.

كل ذلك ممّا تفيده الآيات وبقيت هنا عدّة اُمور لم يرد في كلامه سبحانه ما يوضحه :

الف ـ ما هو حقيقة شجرة السدرة ؟

ب ـ بماذا غشى السدرة ؟

ج ـ ماذا أوحى إلى النبي في بدء الدعوة ؟

فلابدّ في الوقوف على هذه الاُمور من الرجوع إلى الروايات.

ثمّ إنّ الروايات الواردة في الإسراء ومعراج النبي تنقسم جملتها عن أربعة أوجه :

أوّلاً : ما يقطع بصحّتها لتواتر الأخبار به ولإحاطة العلم بصحّته.

ثانياً : ما ورد في ذلك ممّا تجوّزه العقول ولا تأباه الاُصول ، ونحن نجوّزه ثمّ نقطع بأنّ ذلك كان في يقظته دون منامه.

ثالثاً : ما يكون ظاهره مخالفاً لبعض الاُصول إلّا أنّه يمكن تأويلها على وجه يوافق المعقول ، فالأولى أن نؤوّله إلى ما يطابق الحق والدليل.

رابعاً : ما لا يصحّ ظاهره ولا يمكن تأويله إلّا بالتعسّف البعيد ، فالأولى أن لانقبله.

أمّا الأوّل المقطوع به ، فهو أنّه أسرى به.

وأمّا الثاني فمنه ما روي أنّه طاف في السماوات ورأى الأنبياء والعرش وسدرة المنتهى والجنّة والنار ونحو ذلك.

وأمّا الثالث فنحو ما روي أنّه رأى قوماً في الجنّة يتنعّمون فيها وقوماً في النار يعذّبون فيها ، فيحمل على أنّه رأى صفتهم أو أسماءهم.

وأمّا الرابع فنحو ما روي أنّه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كلّم الله سبحانه جهرة ورآه وقعد معه على سريره ونحو ذلك ممّا يوجب ظاهره التشبيه ، والله سبحانه يتقدّس عن ذلك.

وكذلك ما روي أنّه شقّ بطنه وغسله ، لأنّه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كان طاهراً مطهّراً من كل سوء وعيب ، وكيف يطهر القلب وما فيه من الاعتقاد بالماء ؟ (9)

الهوامش

1. لسان العرب : ج 15 ص 400 مادّة « وفى ».

2. سبحان علم للتسبيح كعثمان للرجل ، وانتصابه بفعل مضمر لا يظهر تقديره يسبّح الله سبحان ، ثمّ نزل سبحان منزلة الفعل وسدّ مسدّه ودلّ على التنزيه البليغ من جميع القبائح التي يضيفها إليه أعداؤه.

3. تفسير الطبري : ج 15 ص 130.

4. الكشّاف : ج 2 ص 223 ( طبع مصر ).

5. تفسير المراغي : ج 15 ، ص 6 ، بتصرّف يسير.

6. مجمع البيان : ج 6 ص 399.

7. نور الثقلين : ج 3 ص 98.

8. الميزان : ج 19 ص 32.

9. مجمع البيان : ج 3 ص 395 ( طبع طهران ).

مقتبس من كتاب : [ مفاهيم القرآن ] / المجلّد : 7 / الصفحة : 201 ـ 217

 

أضف تعليق

الإسراء والمعراج

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية