أهل البيت عليهم السلام في موقع الدفاع عن ( التوحيد ) و ( العدل )

البريد الإلكتروني طباعة

أهل البيت عليهم السلام في موقع الدفاع عن ( التوحيد ) و ( العدل )

وفي ما يلي نحاول أن نجمع ونصنف الاُصول الفكرية التي طرحها أئمة أهل البيت عليهم السلام لإزالة هذه الغشاوة والالتباس عن التصور الإسلامي وهذه الاُصول عشرة نقدمها واحداً بعد آخر.

1 ـ نظام القضاء والقدر في الكون :

النظام الحاكم علىٰ هذا الكون نظام ( ضروري حتمي ) و ( متقن ودقيق ) ولا يمكن أن يحدث في نفس الظروف والعوامل إلّا ما حدث . وهذا النظام قائم علىٰ أساس نظام العلّية والمعلوليّة الساري في كلّ الكون ولا يختص هذا النظام بالعالم المادي الفيزياوي وإنّما يشمل عالم ما وراء المادة والفيزياء ( الميتافيزيقي ) كذلك.

ونظام ( العلّية ) هو نظام القضاء والقدر. فإنّ من اُصول العلّية ( حتمية ) وجود المعلول عند وجود العلّة و ( تشخّص ) المعلول من حيث الكم والكيف . فإنّ احتكاك عود الثقاب بالغشاء الكبريتي يُولد الحرارة والنار بالضرورة ( لولا الموانع ) وبشكل حتمي وقطعي كما أنّ كمية الحرارة المنبعثة من هذا الاحتكاك كمية محدودة معروفة مشخّصة تناسب عود الثقاب ودرجة الاحتكاك والغشاء الكبريتي ، وحتمية حدوث المعلول هي ( القضاء ) ، وتشخّص المعلول من حيث النوع والكم والكيف هي ( القدر ). فإنّ ( القضاء ) بمعنىٰ الحتم والحكم الالزامي ، و ( القدر ) بمعنىٰ التقدير والمقدار.

روىٰ الكليني عن يونس بن عبد الرحمن ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : « يا يونس ... فتعلم ما القدر » ؟ قلت : لا. قال عليه السلام : « هي الهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء ».

ثمّ قال : « والقضاء هو الإبرام ... » (1).

إذن هذا الكون مجموعة منظمة مرتبة من حلقات متسلسلة والقانون العام الذي يجري في هذا الكون هو الحتمية والضرورة والتقدير والتحديد.

وحياة الإنسان الفردية والاجتماعية ليست بدعاً ولا استثناءً في هذا الكون. وإنّما يعمه ما يعم الكون ، من الاُصول والقوانين ، فيدخل الإنسان وفعله وحركته الفردية والاجتماعية في دائرة القضاء والقدر. فإذا نَصَرَ الله وأعطىٰ وضحّىٰ نصره الله ، قال تعالىٰ : ( إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ) ( محمّد 47 : 7 ) ، وإذا تخاذل وتهاون أوكله الله إلىٰ نفسه ، وإذا تحرّك ونشط وعمل أغناه الله ، وإن كسل وضعف أوكله الله إلىٰ ضعفه وكسله ، وإذا صدق وفّقه الله وأعانه ، وإذا كذب وتحايل أوكله الله إلىٰ كذبه وتحايله ومكره وخداعه . وكل ذلك من سنن الله وقضائه وقدره. والإنسان يعيش في دائرة قضاء الله وقدره بشكل كامل ، بما للقضاء والقدر من حتمية ونظام وتقدير.

روىٰ محمّد بن يعقوب الكليني مرفوعاً قال : كان أمير المؤمنين عليه السلام جالساً بالكوفة بعد منصرفه من صفين إذ أقبل شيخ فجثى بين يديه وقال : يا أمير المؤمنين ، أخبرنا عن مسيرنا إلىٰ أهل الشام أبقضاء من الله وقدر ؟ فقال أمير المؤمنين عليه‌ السلام : « أجل يا شيخ ، ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلّا بقضاء من الله وقدر ». فقال له الشيخ : عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين. فقال له : « مَه يا شيخ ، فو الله لقد عظّم الله لكم الأجر في مسيركم وأنتم سائرون ، وفي مقامكم وأنتم قائمون (2) ، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليه مضطرين ». فقال له الشيخ : وكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرين وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا ؟

فقال عليه السلام : « وتظنُّ أنّه كان قضاء حتماً وقدراً لازماً ؟ ! إنّه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي ، والزجر من الله ، وسقط معنىٰ الوعد والوعيد ، فلم تكن لائمة للمذنب ولا محمدة للمحسن ، ولكان المذنب حسن أولىٰ بالاحسان من المحسن ، ولكان المحسن أولىٰ بالعقوبة من المذنب ، تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان ، وخصماء الرحمن ، وحزب الشيطان ، وقدرية هذه الاُمّة ومجوسها ، إنّ الله تبارك وتعالىٰ كلّف تخييراً ، ونهى تحذيراً ، وأعطىٰ علىٰ القليل كثيراً ، ولم يُعصَ مغلوباً ، ولم يُطعْ مكرهاً ، ولم يُملّك مفوّضاً ، ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً ، ولم يبعث النبيين مبشرين ومنذرين عبثاً ، ذلك ظنُّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ». قال : فنهض الشيخ وهو يقول :

أنت الإمام الّذي نرجو بطاعته

 

يوم النجاة من الرحمن غفراناً

أوضحت من أمرنا ما كان ملتبساً

 

جزاك ربّك بالإحسان إحساناً (3)

والشطر الأول من النص هنا ظاهر في عموم القضاء والقدر ، وشموله لكل فعاليات الإنسان وحركته وهو قوله عليه السلام : « أجل يا شيخ ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلّا بقضاء من الله وقدر ».

2 ـ القضاء والقدر هو النظام الإلهي في الكون وحياة الإنسان :

هذا النظام بكل تفاصيله من خلق الله تعالىٰ وإبداعه. وهو تجسيد لإرادة الله ومشيئته . وما نجد في الكون كله وفي حياة الإنسان من فعل وإنفعال وحركة وولادة وهلاك ونمو وضعف إنّما يجري بموجب إرادة الله تعالىٰ ومشيئته في دائرة القضاء والقدر . ونظام السببية الساري في الكون.

ومن العجب أن بعض الناس يبحثون دائماً عن الله تعالىٰ وفعله في اختراق هذا النظام الكوني فقط وليس في أصل النظام وكأن هذا النظام يجري من جانب آخر غير جانب الله تعالىٰ ، وفعل الله تعالىٰ في هذا النظام هو اختراقه وإيقافه وتبديله . يقول صدر المتألهين رحمه‌الله في مناقشة فخر الدين الرازي : ( وأعجب الأمور أنّ هؤلاء القوم متى حاولوا إثبات أصل من اُصول الدين ، كإثبات قدرة الصانع ، أو إثبات النبوّة والمعاد ، اضطروا إلىٰ إبطال خاصية الطبائع ونفي الرابطة العقلية بين الأشياء والترتيب الذاتي الوجودي والنظام اللائق الضروري بين الموجودات التي جرت سنّة الله
عليها ولا تبديل لها ).

وهذه عادتهم في إثبات أكثر الاُصول الاعتقادية ، كما فعله هذا الرجل إمام أهل البحث والكلام ( أي الرازي صاحب التفسير الكبير ).

والإيمان بأنّ كلّ ما يجري في الكون وفي حياة الإنسان من خير وشر من قضاء الله تعالىٰ وقدره ولا يجري في الكون شيء إلّا بقضاء من الله وقدره من الإيمان الذي لا بدّ منه في عقيدة الإنسان المسلم.

روىٰ الصدوق عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : « لا يؤمن أحدكم حتّىٰ يؤمن بالقدر خيره وشرّه وحلوه ومرّه » (4).

وروىٰ الكليني في الكافي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول : « لا يجد عبد طعم الإيمان حتّىٰ يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وأنّ الضارّ النافع هو الله عزّ وجلّ » (5).

وعن الصدوق في التوحيد عن علي بن موسى الرّضا عليه السلام عن أبيه عن آبائه عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول :
« قال الله جلّ جلاله من لم يرض بقضائي ولم يؤمن بقدري فليلتمس إلهاً غيري » (6).

3 ـ القيمومة الإلهية الدائمة علىٰ نظام القضاء والقدر في الكون :

قد يتصور البعض أنّ الله تعالىٰ أبدع نظام القضاء والقدر في الكون ، وفي حياة الإنسان وانفصل عنه بعد ذلك ويجري ويتحرك هذا النظام في الكون والمجتمع كما يتحرك ويعمل المعمل الذي أنشأه المهندس الذي صمّمه وصنعه من دون حاجة إلىٰ حضوره هو في تشغيله وحركته.

والكون كذلك يجري بموجب نظام القضاء والقدر الذي أبدعه الله تعالىٰ غير أنّ ارتباط هذا النظام كان بالله تعالىٰ في مرحلة الحدوث ثمّ انفصل عنه تعالىٰ بعد ذلك واستقل.

وكذلك الإنسان يختار ويعمل في دائرة نظام القضاء والقدر مستقلاً عن إرادة الله تعالىٰ ومشيئته ، وإن كان هذا النظام من إرادة الله ومشيئته في حال حدوثه وخلقه وهو تصور قديم لليهود في انقطاع سلطان الله ونفوذه في الكون بعد أن خلق الكون ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ) ( المائدة 5 : 64 ).

والتصور القرآني يختلف اختلافاً جوهرياً عن التصور المتقدّم ويتلخّص هذا التصور : في قوله تعالىٰ : ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) ، وفي أنّ الله هو الحي القيّوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ولا تنقطع قيمومته عن هذا الكون إطلاقاً. إذن هذا النظام يجري في الكون والمجتمع بإرادة الله تعالىٰ ومشيئته ، ولا ينفصل الإنسان ولا الكون عن إرادة الله ومشيئته لحظة واحدة.

حتىٰ أنّ مشيئة الإنسان تجري بمشيئة الله . يقول تعالىٰ ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) ( التكوير 81 : 29 ).

( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ) ( الانسان 76 : 30 ).

روىٰ الصدوق عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال : « عن الله أروي حديثي : إنّ الله تبارك وتعالىٰ يقول : يا بن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء ، وبإرادتي كنت أنت الذي تريد لنفسك ما تريد ، وبفضل نعمتي عليك قويت علىٰ معصيتي ، وبعصمتي وعوني أديت إليّ فرائضي ... الخ » (7).

وفي حديث لأمير المؤمنين إلىٰ الشيخ الّذي سأله عليه السلام عن مسيرهم إلىٰ صفّين « ولم يملّك مفوّضاً » بمعنىٰ أنّ الله تعالىٰ لم يفوّض أحداً في ملكه وسلطانه ، بل هو قائم عليه قيم به ، وهو الحي القيّوم ، والّذي يتصور أنّ الله تعالىٰ فوّض إليه أمره ، ورفع عنه قيمومته واستقل عن الله تعالىٰ في فعله واختياره ، فقد أوهن الله عزّ وجلّ في سلطانه كما ورد في النص.

عن الصدوق عن حريز بن عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : « إنّ الناس في القدر علىٰ ثلاثة أوجه : رجل يزعم أنّ الله عزّ وجلّ أجبر الناس علىٰ المعاصي ، فهذا قد ظلم الله في حكمه ، فهو كافر ، ورجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليه ، فهذا قد أوهن الله عزّ وجلّ في سلطانه ، فهو كافر ، ورجل يزعم أنّ الله كلّف العباد ما يطيقون ولم يكلّفهم ما لا يطيقون ، وإذا أحسن حمد الله ، وإذا أساء استغفر الله ، فهذا مسلم بالغ » (8).

فلا يوجد في هذا الكون ولا في حياة الإنسان قبض وبسط وسعة وضيق ويسر وعسر إلّا بحكم الله ومشيئته.

عن أبي عبد الله عليه السلام قال : « ما من قبض ولا بسط إلّا ولله فيه مشيئة وقضاء وابتلاء » (9).

إذن لله تعالىٰ الحضور الدائم المتّصل في هذا الكون كلّه ، وفي كلّ مساحة القضاء والقدر ، لا يغيب عنه شيء ، ولا يجري في هذه المساحة بشيء من دون حضوره ، وله قيمومة دائمة علىٰ كلّ الكون وهو الحيّ القيّوم ( اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ) ( البقرة 2 : 255 ).

4 ـ تتمّ المعاصي من الناس بقضاء الله وقدره ولا يُعصىٰ مغلوباً :

وإذا كان كلّما يجري في هذا الكون وفي حياة الإنسان يجري بقضاء وقدر. وإذا كان ما يجري من القضاء والقدر بإرادة الله ومشيئته ، فلا محالة تجري أفعال الإنسان جميعاً من خير وشرّ ، وطاعة ومعصية بإذنه وإرادته ، ولا يمكن أن يقع من الإنسان عصيان أو ذنب خارج دائرة سلطانه وقضاءه وقدره وإذنه . يقول تعالى : ( وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ) ( البقرة 2 : 102 ).

( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ) ( الأنعام 6 : 137 ).

( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا ) ( البقرة 2 : 253 ).

( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ) ( البقرة 2 : 20 ).

فإذا عصى الإنسان ربّه عزّ وجلّ فإنّما يعصيه بما آتاه من سلطان وحول وقوة ، ولو أنّ الله تعالىٰ سلب عنه حوله وقوّته لم يتمكّن من معصية الله ، وهي حقيقة يقرّها القرآن ولا بدّ من الاعتراف بها. رغم مناقشات الأشاعرة الطويلة حول هذا الموضوع.

روى الكليني رحمه الله عن حمزة بن حمران قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن
الاستطاعة فلم يجيبني ، فدخلت عليه دخلة أُخرى ... فقلت : أصلحك الله ، إنّي أقول : إنّ الله تبارك وتعالىٰ لم يكلّف العباد ما لا يستطيعون ، ولم

يكلّفهم إلّا ما يطيقون ، وإنّهم لا يصنعون شيئاً من ذلك إلّا بإرادة الله ومشيئته وقضائه وقدره.

قال : فقال عليه السلام : « هذا دين الله الّذي أنا عليه وآبائي » (10).

وروىٰ علي بن إبراهيم الهاشمي قال : سمعت أبا الحسن موسىٰ بن جعفر عليه السلام يقول : « لا يكون شيء إلّا ما شاء الله ، وأراد وقدّر وقضىٰ » (11).

وروىٰ الصدوق في التوحيد باسناده عن علي بن يقطين عن أبي إبراهيم عليه السلام قال : « مرّ أمير المؤمنين عليه السلام علىٰ جماعة بالكوفة وهم يختصمون في القدر ، فقال لمتكلّمهم : أبالله تستطيع أم مع الله ، أم من دون الله تستطيع ؟ فلم يدر ما يردّ عليه ، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : إنّك إن زعمت أنّك بالله تستطيع فليس لك من الأمر شيء ، وإن زعمت أنّك مع الله تستطيع ، فقد زعمت أنّك شريك معه في ملكه ، وإن زعمت أنّك من دون الله تستطيع فقد ادّعيت الربوبية من دون الله عزّ وجلّ » (12).

وروىٰ الكليني ، عن علي بن الحكم ، وعبد الله بن يزيد جميعاً ، عن رجل من أهل البصرة ، قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الاستطاعة ، فقال عليه السلام : « أتستطيع أن تعمل ما لم يكوّن » ؟ قال : لا ، قال عليه السلام : « فتستطيع أن تنتهي عمّا قد كوّن » ؟ قال : لا ، قال : فقال له أبو عبد الله عليه السلام : « فمتىٰ أنت مستطيع » ؟ قال : لا أدري ، قال : أبو عبد الله عليه السلام : « إنّ الله خلق خلقاً فجعل فيهم آلة الاستطاعة ثمّ لم يفوّض إليهم ، فهم مستطيعون للفعل وقت الفعل مع الفعل إذا فعلوا ذلك الفعل ، فإذا لم يفعلوه في ملكه لم يكونوا مستطيعين أن يفعلوا فعلاً لم يفعلوه ، لأن الله عزّ وجلّ أعزّ من أن يضادّه في ملكه أحد » ، قال البصري : فالناس مجبورون ؟ قال عليه السلام : « لو كانوا مجبورين كانوا معذورين » ، قال : ففوّض إليهم ؟ قال عليه السلام : « لا » ، قال : فما هم ؟ قال عليه السلام : « عَلِمَ منهم فعلاً فجعل فيهم آلة الفعل ، فإذا فعلوا كانوا مع الفعل مستطيعين ». قال البصري : أشهد أنّه الحقّ وأنّكم أهل بيت النبوّة والرسالة (13).

روىٰ الكليني رضي الله عنه عن محمّد بن أبي عبد الله ، عن سهل بن زياد ، وعلي ابن إبراهيم ، عن أحمد بن محمد ، ومحمّد بن يحيىٰ ، عن أحمد بن محمّد جميعاً ، عن علي بن الحكم ، عن صالح النيلي قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام : هل للعباد من الاستطاعة شيء ؟ قال : فقال لي عليه السلام : « إذا فعلوا الفعل كانوا مستطيعين بالاستطاعة الّتي جعلها الله فيهم ». قال : قلت : وما هي ؟ قال عليه السلام : « الآلة مثل الزاني إذا زنىٰ كان مستطيعاً للزناً حين زنىٰ ، ولو أنّه ترك الزنا ولم يزن كان مستطيعاً لتركه إذا ترك ـ قال : ثمّ قال ـ ليس له من الاستطاعة قبل الفعل قليل ولا كثير ، ولكن مع الفعل والترك كان مستطيعاً ». قلت : فعلىٰ ماذا يعذّبه ؟ قال عليه السلام : « بالحجّة البالغة والآلة التي ركّب فيهم ، إنّ الله لم يجبر أحداً على معصيته ، ولا أراد ـ إرادة حتم ـ الكفر من أحد ، ولكن حين كفر كان في إرادة الله أن يكفر ، وهم في إرادة الله وفي علمه أن لا يصيروا إلىٰ شيء من الخير ». قلت : أراد منهم أن يكفروا ؟ قال عليه السلام : « ليس هكذا أقول ، ولكنّي أقول : علم أنّهم سيكفرون ، فأراد الكفر لعلمه فيهم وليست هي إرادة حتم إنّما هي إرادة اختيار » (14).

وروىٰ الصدوق عن حفص بن قرط عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال :

« قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : من زعم أنّ الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب علىٰ الله ، ومن زعم أن الخير والشرَّ بغير مشيئة الله فقد أخرج الله من سلطانه ، ومن زعم أنّ المعاصي بغير قوّة الله فقد كذب علىٰ الله ، ومن كذب علىٰ الله أدخله الله النار » (15).

روي في الصحيح من طريق الصدوق رضي الله عنه في التوحيد والعيون أنّه قال : حدّثنا أبي قال : حدّثنا سعد بن عبد الله قال : حدّثنا أحمد بن محمّد ابن خالد البرقي عن أبيه عن سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام قال : ذكر عنده الجبر والتفويض فقال : « ألا اُعطيكم في هذا أصلاً لا تختلفون فيه ولا تخاصمون عليه أحد إلّا كسرتموه » ؟ قلنا : إن رأيت ذلك. فقال عليه السلام : « إنّ الله عزّ وجلّ لم يُطَعْ بإكراه ، ولم يُعصَ بغلبة ، ولم يهمل العباد في ملكه ، هو المالك لما ملّكهم ، والقادر علىٰ ما أقدرهم عليه ، فإنّ ائتمر العباد بطاعته لم يكن الله عنها صاداً ولا منها مانعاً ، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل ، وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الّذي أدخلهم فيه. ثمّ قال عليه السلام : من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه » (16).

وروىٰ الكليني عن إسماعيل بن جابر قال : كان في مسجد المدينة رجل يتكلّم في القدر والناس مجتمعون ، قال فقلت : يا هذا أسألك ؟ قال : سل ، قلت : يكون في ملك الله تبارك وتعالىٰ ما لا يريد ؟ قال : فأطرق طويلاً ثمّ رفع رأسه إليّ فقال : يا هذا ! لئن قلت : إنّه يكون في ملكه ما لا يريد ، إنّه لمقهور ، ولئن قلت : لا يكون في ملكه إلّا ما يريد أقررت لك بالمعاصي ، قال : فقلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : سألت هذا القدري فكان من جوابه كذا وكذا ، فقال عليه السلام : « لنفسه نظر أما لو قال غير ما قال لهلك » (17).

وروىٰ الصدوق في التوحيد بإسناده عن عليّ بن موسىٰ الرضا عليه السلام قال : « حدّثنا أبي عن آبائه عن الحسين بن علي عليهم السلام قال : سمعت أبي عليّ ابن أبي طالب عليه السلام يقول : الأعمال علىٰ ثلاثة أحوال :

1 ـ فرائض.

2 ـ وفضائل ( نوافل ).

3 ـ ومعاصي.

فأمّا الفرائض : فبأمر الله عزّ وجل وبرضا الله وبقضاء الله وتقديره ومشيّته وعلمه.

وأمّا الفضائل : ـ النوافل ـ فليست بأمر الله ، ولكن برضاء الله وبقضاء الله وبقدر الله وبمشيّته وبعلمه.

وأمّا المعاصي : فليست بأمر الله ، ولكن بقضاء الله وبقدر الله وبمشيّته وبعلمه ، ثمّ يعاقب عليها » (18).

وهذا النصّ واضح في أنّ ما يجري من الإنسان من المعاصي والذنوب هي بقضاء الله وقدره وعلمه ، وليست بأمر الله.

5 ـ التفكيك بين إرادة الله التكوينية والتشريعية :

وإذا كان الله تعالىٰ لا يعصى مقهوراً ، فلا بدّ أن تكون المعصية بإذنه ومشيئته وإرادته. وهذه حقيقة لا بد أن ننتهي إليها. وعندئذ من الحقّ أن نتسائل : كيف يريد الله معصية الله ، وهو ينهىٰ عنها ولا يرضاها ولا يريدها ؟ وهذه ( عقدة ) كان يقف عندها غالباً الحوار الّذي يجري بين الأشاعرة والمعتزلة في التاريخ.

يقول ابن الخيّاط : إنّ هشام بن عبد الملك لمّا بلغه قول غيلان ( الدمشقي ) بالاختيار ، قال : ويحك يا غيلان ! لقد أكثر الناس فيك ، فنازعنا في أمرك ، فإنّ كان حقّاً اتّبعناك . فاستدعىٰ هشام ميمون بن مروان ليكلّمه ، فقال له غيلان : أشاء الله أن يعصىٰ ؟ فأجابه ميمون : أفعصي كارهاً ؟ فسكت غيلان ، فقطع هشام بن عبد الملك يديه ورجليه (19).

وقيل إنّ ( غيلان الدمشقي ) الّذي كان يذهب مذهب الاختيار وقف علىٰ رأس ( ربيعة الرأي ) الذي كان يذهب مذهب ( الجبر ) في القضاء والقدر. فقال : أنت الّذي يزعم أنّ الله يحبّ أن يعصىٰ ؟ فقال له ربيعة : أنت الّذي يزعم أنّ الله يعصىٰ قهراً (20).

وتنحل هذه العقدة العجيبة بالتفكيك بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية ، وهو ما صنعه أهل البيت عليهم السلام في حلّ هذه المشكلة ، ولربّما لاوّل مرّة في التاريخ العقلي الإسلامي. وعندئذ يكون جواب غيلان لميمون بن مروان أو لربيعة الرأي واضحاً ، ولن يطول تردّده طويلاً في الاجابة القاطعة علىٰ هذا التساؤل الغريب.

والجواب : إنّ الله لا يعصى كارهاً ولا مقهوراً ، إذا كان المقصود من الكراهية والقهر ( الإرادة التكوينية ) وإنّما يعصى بإرادته سبحانه وتعالىٰ من دون كراهية وقهر كما بيّنا ذلك بوضوح في الفقرة السابقة.

وأمّا إن كان المقصود منها ( الإرادة التشريعية ) فليس من بأس أن يعصىٰ الله تعالىٰ وهو يكره المعصية ، فإنّ الناس يكثرون من معصية الله تعالىٰ ، والله تعالىٰ يكره معصيتهم ويمقتها ويغضب عليهم من أجلها ، وإن كانت هذه المعاصي تجري جميعاً بإرادته وإذنه ، وفي ملكه وسلطانه ، وبما أتىٰ عباده من حول وقوّة وطول. واختلاف الإرادتين في الإذن وعدم الإذن ليس من التناقض في شيء ، إذا ميّزنا بشكل دقيق بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية ، ولسنا نعلم هل كان التفكيك بين الإرادتين والتمييز بينهما معروفاً في هذا التاريخ أم لا.

ويغلب علىٰ الظنّ أنّ هذا التفكيك لم يكن معروفاً. وإلّا لم يتوقّف ( غيلان الدمشقي ) يومذاك عن جواب ميمون ، أو ربيعة الرأي ، إذا صحّت الرواية.

وعلىٰ أيّ ، فلنتأمّل في النصوص الواردة عن أهل البيت عليهم السلام في التفكيك بين هاتين الإرادتين :

روىٰ الكليني بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال :

سمعته يقول : « أمر الله ولم يشأ ، وشاء ولم يأمر. أمر إبليس أن يسجد لآدم ، وشاء أن لا يسجد ، ولو شاء لسجد . ونهىٰ آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل منها ، ولو لم يشأ لم يأكل » (21).

ومنها ما روي من طريقه رضي الله عنه أيضاً عن علي بن إبراهيم ، عن المختار بن محمّد الهمداني ومحمّد بن الحسن ، عن عبد الله بن الحسن العلوي جميعاً ، عن الفتح بن يزيد الجرجاني ، عن أبي الحسن عليه السلام قال : « إنّ لله إرادتين ومشيئتين : إرادة حتم ، وإرادة عزم ، ينهي وهو يشاء ويأمر وهو لا يشاء ، أو ما رأيت انّه نهىٰ آدم وزوجته أن يأكلا من الشجرة وشاء ذلك ، ولو لم يشأ أن يأكلا لما غلبت مشيئتهما مشيئة الله تعالىٰ. وأمر إبراهيم أن يذبح إسماعيل ولم يشأ أن يذبحه ، ولو شاء لما غلبت مشيئة إبراهيم مشيئة الله تعالىٰ » (22).

6 ـ حرّية الاختيار لدىٰ الإنسان داخل الدائرة الحتمية للقضاء والقدر :

وهذه النقطة بالذات هي عقدة البحث ، فإذا انحلّت هذه النقطة واتّضحت اتضح ما قبلها وبعدها.

إنّ الإنسان يملك بصريح الوجدان والقرآن كامل حرّيته في الاختيار والفعل وإمارة حريته في الاختيار تردده في الانتخاب. ومسؤوليته عن فعله وإحساسه بالندم والراحة عند انتخاب ما يصلح وما لا يصلح.

والوجدان أقوى شاهد علىٰ هذه الحقيقة. وقد رأينا في موضع سابق من هذا البحث أنّ القرآن يقرر حرّية اختيار الإنسان في طوائف كثيرة من الآيات. ولسنا بصدد إثبات هذه الحقيقة الآن أكثر من ذلك. واختيار الإنسان يقع علىٰ مفترق طرق يقف عنده الإنسان غالباً أو دائماً. ولأيّ سبيل من هذه السبل يختاره الإنسان حكم قطعي وحتمي في دائرة القضاء والقدر المحكم والمتقن الّذي شرحناه من قبل.

فليس من سبيل للإنسان أن يخرج عن دائرة ( القضاء والقدر ) وحكمه القطعي المتقن والدقيق ، وهو لا محالة يعيش ويتحرّك ويعمل ويختار في هذه كما ذكرنا. ولكنه يملك مطلق الاختيار دائماً أو غالباً في اختيار سبيل من هذه السبل المختلفة الّتي يجدها أمامه عن معرفة ووعي.

المريض إذا اهتم بمرضه وراجع الطبيب واتّخذ العلاج يشفىٰ ، وإن أهمل مرضه يتضاعف المرض عنده. والطالب إذا نشط واجتهد ينجح وإذا كسل وأهمل دروسه يفشل. والعامل إذا عمل وتحرّك في السوق ، يغنيه الله ، وإذا تهاون في البحث عن العمل يفتقر. والإنسان إذا عاشر الصالحين يصلح ويأخذ منهم الصلاح. وإذا عاشر الفاسدين يأخذ منهم الفساد.

وكلّ هذه النتائج من القضاء والقدر الحتم والمتقن الّذي لا سبيل للتشكيك فيه. فإنّ الإنسان الّذي يجتهد في طلب العلم يكون عالماً بالضرورة والحتم ، وهذا هو ( القضاء ) وتكون معرفته في الحقل الّذي اجتهد فيه ، دون غيره من الحقول ، وبمقدار اجتهاده ودراسته ، وهذا هو ( القدر ).

إنّ اختيار الإنسان في المبادئ دائماً والأحكام الفعلية الّتي قلنا إنّها من القضاء والقدر هي في النتائج دائماً.

وهذه المباديء تستتبع هذه النتائج دائماً بصورة قطعية ومتقنة. ولا سبيل للإنسان للتخلّص من هذه النتائج القطعية ، وإن كان له مطلق الحرية في اجتناب واحد أو أكثر من هذه السبل في البدء.

ولعلّ الآية الكريمة من سورة الرعد ، لا تكون بعيدة عن هذا المعنىٰ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) ( الرعد 13 : 11 ) وبهذه الصورة نرىٰ أنّ الله تعالىٰ مكّن الإنسان أن يمارس اختياره وحرّيته في وسط نظام محكم ومتقن من القضاء والقدر في الحياة الاجتماعية وفي الكون . فلا يضرّ الاختيار بحتمية القضاء والقدر ولا يمس القضاء والقدر من حرّية الإنسان في الاختيار علىٰ الإطلاق. وإلىٰ هذا المعنى الدقيق يشير حديث أمير المؤمنين عليه‌السلام مع الشيخ الّذي سأله عن مسيرهم إلىٰ أهل الشام بعد منصرفه من صفّين. وقد قدّمنا هذا الحديث في النقطة الأولى من هذه النقاط. ففي بدء الحديث يقول له الإمام عليه السلام : « أجل يا شيخ ما علوتم من تلعة ولا هبطتم بطن واد إلّا بقضاء من الله وقدر » وهذه الفقرة واضحة أنّهم في خروجهم إلى صفّين ومحاربتهم لمعاوية وعودتهم إلىٰ الكوفة ، كانوا يتحرّكون في دائرة القضاء والقدر ولم يخرجوا من دائرة القضاء والقدر إطلاقاً.

فلمّا فهم الشيخ من كلام الإمام عليه السلام إنّ هذه الحتمية ( القضاء ) كان في مرحلتي المباديء والنتائج معاً ، وأنّهم لم يملكوا من أمرهم شيئاً في هذه المرحلة الطويلة ، فقال : ( عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين ) وضّح له الإمام عليه السلام ما اشتبه عليه من الأمر فقال : « أتظنّ قضاءً حتماً وقدراً لازماً ؟! لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي ... إنّ الله تعالىٰ كلّف تخييراً ونهى تحذيراً ».

إنّ القضاء والقدر لن يكون إلّا حتماً ومقدّراً بصورة دقيقة ، ولكن الّذي يملك الاختيار في المباديء يملك الاختيار في النتائج بالضرورة. فإنّ النتائج تتبع المباديء ، فإذا مكّن الله الإنسان من المباديء مكّنه من النتائج أيضاً ، وإن احتفظت النتائج بصفتها الحتمية والمقدّرة في ظروفها وشروطها. وهذا هو معنى كلام الإمام عليه السلام للشيخ السائل « أتظنّ قضاءً حتماً وقدراً لازماً ؟ لو كان كذلك لبطل الثواب ».

وتعبير القرآن عن هذا التراوح الّذي يتمّ بين الاختيار في عمل الإنسان والحتمية في النتائج المترتبة علىٰ عمله ... تعبير دقيق يقول تعالىٰ : ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) ( المدّثر 74 : 38 ).

فالعمل الّذي يعمله الإنسان ويكسبه لنفسه باختياره وحرّيته ، ولكنّه لا يملك التخلّص من النتائج القطعية المترتبة علىٰ هذا العمل فيبقىٰ ( رهيناً ) له.

إذن الإنسان وإن كان يعيش في وسط نظام محكم متقن ، ولكن بامكانه أن يتحوّل من قضاء إلىٰ قضاء ، ومن قدر إلىٰ قدر.

روىٰ الأصبغ بن نباته أنّ أمير المؤمنين عليه السلام عدل من عند حائط مائل إلىٰ حائط آخر ، فقيل له : يا أمير المؤمنين أتفرّ من قضاء الله ؟

قال عليه السلام : « أفرّ من قضاء الله إلى قدر الله عزّ وجلّ » (23).

وروىٰ الصدوق باسناده عن أبي الحسن علي بن موسىٰ الرضا عليه السلام عن أبيه عن آبائه عليهم السلام عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « في كلّ قضاء الله خيرة للمؤمنين » (24).

وروىٰ الصدوق رحمه الله في الاعتقادات : انّه سئل الصادق عليه السلام عن الرُقىٰ هل ترفع من القدر شيئاً ؟ فقال عليه السلام : « هي من القدر ».

وروي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه سُئل هل يغني الدواء والرُقية من القدر ؟ فقال لمن سأله : « الدواء والرُقية من قدر الله » (25).

الله أرحم من أن يعذّب خلقه علىٰ ما أكرههم عليه :

ولمّا كانت هذه النقطة بالذات محور الصراع والخلاف الفكري مع الأشاعرة الّذين كانوا يذهبون إلىٰ حتمية السلوك لدىٰ الإنسان ، ويسلبون منه الإرادة والاختيار فقد ورد التأكيد عليه كثيراً في نصوص أهل البيت ، كما ورد التأكيد كثيراً في النقطة المقابلة لها ، وهي رفض استقلال الإنسان ورفض التفويض الّذي كانت المعتزلة تذهب إليه ، وهي النقطة الثالثة من هذه المجموعة من النقاط.

روىٰ الكليني في الكافي ، والصدوق في التوحيد عن يونس بن عبد الرحمن عن غير واحد عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا : « إنّ الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه علىٰ الذنوب ثمّ يعذّبهم عليها ، والله أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون » (26).

وروىٰ الكليني رحمه الله عن الحسين بن علي الوشّاء ، عن حمّاد بن عثمان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : « من زعم أنّ الله يأمر بالفحشاء فقد كذب علىٰ الله ، ومن زعم أنّ الخير والشرّ إليه فقد كذب علىٰ الله » (27) والنقطة الأولىٰ إشارة إلىٰ الاتّجاه الجبري الّذي كان يتبنّاه الأشاعرة حيث ينسبون ما يأتي من الإنسان من المعاصي إلىٰ الله تعالىٰ مباشرة. والنقطة الثانية إشارة إلىٰ ما يتبنّاه المفوّضة من نسبة قضاء الخير وقضاء الشرّ إلىٰ الإنسان مباشرة.

والنصوص عن أهل البيت عليهم السلام كثيرة بهذا الصدد.

7 ـ مسؤولية الإنسان في فعله :

وهذه النقطة تتبع النقطة السابقة ، والإنسان لو كان هو الّذي يختار ( في مرحلة المباديء ) السبيل الّذي يسلكه يتحمّل بالضرورة ، نتائج ومسؤوليات كلّ ما يترتّب علىٰ فعله من آثار ونتائج قطعية ومتقنة.

والمسؤولية هي نتيجة الاختيار ، وفي نفس الوقت فإنّ الاحساس الوجداني الواضح عند الإنسان بالمسؤولية هو أمارة الاختيار والقرآن يعمّق الاحساس بالمسؤولية عند الإنسان يقول تعالىٰ :

( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ‎) ( الصافّات 37 : 24 ).

( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) ( الأعراف 7 : 6 ).

( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ‎) ( الحجر 15 : 92 ).

( وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) ( النحل 16 : 93 ).

( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) ( التكاثر 102 : 8 ).

إذن لوجود عامل الاختيار في سلوك الإنسان تنسب أعمال الإنسان إليه ، كما يتحمّل هو مسؤولية نتائج أعماله.

روىٰ الكليني في الكافي والصدوق رضي الله عنه في التوحيد عن الحسين بن علي الوشّاء ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال سألته : فقلت : الله فوّض الأمر إلىٰ العباد ؟ قال عليه السلام : « الله أعزّ من ذلك ».

قلت : فجبرهم علىٰ المعاصي ؟

قال عليه السلام : « الله أعدل وأحكم من ذلك ».

ثمّ قال عليه السلام : « قال الله عزّ وجلّ : يا ابن آدم ، أنا أولىٰ بحسناتك منك ، وأنت أولىٰ بسيّئاتك منّي. عملتَ المعاصي بقوّتي الّتي جعلتها فيك » (28).

8 ـ الهيمنة الإلهية علىٰ حركة القضاء والقدر في الكون والتاريخ :

عرفنا من قبل أنّ نظام ( القضاء والقدر ) هو النظام الحاكم علىٰ الكون والتأريخ. وبعد ذلك عرفنا أنّ هذا النظام هو نظام ربّاني من خلق الله تعالىٰ وإبداعه . ثمّ قلنا إنّ هذا النظام قائم بالله تعالىٰ في كلّ لحظة ، وفي كلّ حال ، ولم ينفصل ولم يستقلّ عن الله في لحظة واحدة والله تعالىٰ هو القيّوم والقيّم علىٰ هذا النظام ويتّصل سلطانه ونفوذه وقيمومته علىٰ الكون . هذا ما ذكرناه من قبل ، والآن نقول : إنّ علاقة الله تعالىٰ بالكون لا تقف عند حدود القيمومة ، وحفظ النظام ولكن الله تعالىٰ هو ( المهيمن ) علىٰ الكون.

وتحتاج هذه الفقرة إلى شيء من التوضيح : أنّ نظام القضاء والقدر الحاكم في الكون ليس نظاماً ذا بعد واحد وإنّما هو نظام متعدّد الابعاد ، وكلّ بُعد منه يجري بموجب النظام بشكل قطعي ومتقن. والله تعالىٰ مهيمن علىٰ هذه الأبعاد جميعاً. يمحو منها ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب.

إذن : نظام القضاء والقدر في الوقت الّذي لا يتخلّف ولا يتزعزع ، نظام خاضع لسلطان الله تعالىٰ وهيمنته بالمحو والاثبات ، فيثبت منه ما يشاء ويمحو منه ما يشاء ويغيره ، وليس معنىٰ المحو إلغاء نظام القضاء والقدر أو تعطيله ، وإنّما معناه تبديله بغيره. وهذا أمر يدخل في حيّز سلطان اله تعالىٰ المطلق. يقول تعالىٰ : ( يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) ( الرعد 13 : 39 ) والإنسان يتعامل مع نظام القضاء والقدر ، ويتحرّك ويعمل ، ويختار ضمن هذا النظام الخاضع لقيمومة الله تعالىٰ وهيمنته المطلقة. فلا يمكن أن ينفصل أو يستقلّ عن إرادة الله ومشيئته في حركته وعمله في دائرة هذا النظام. كيف وهذا النظام وسيط متّصل بالله تعالىٰ. وخاضع لقيمومته ، وهيمنته في كلّ لحظة.

روىٰ الصدوق في ( التوحيد ) عن عبد الله بن ميمون القداح ، قال : دخل علىٰ أبي عبد الله الصادق عليه السلام أو أبي جعفر الباقر عليه السلام رجل من أتباع بني أميّة فخفنا عليه ، فقلنا له : لو تواريت ، وقلنا : ليس هو هٰـهنا. قال عليه السلام : « بل أئذنوا له فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : إنّ الله عزّ وجلّ عند لسان كلّ قائل ويد كلّ باسط. فهذا القائل لا يستطيع أن يقول إلّا ما شاء الله ، وهذا الباسط لا يستطيع أن يبسط يده إلّا بما شاء الله ». فدخل عليه فسأله عن أشياء وآمن بها وذهب (1).

9 ـ قانون الإمداد والخذلان الإلهي في حياة الناس :

 لا شكّ أنّ الله تعالىٰ وهب أفراد الإنسان الاختيار في الفعل عند مفارق الطرق ، ووهبهم العقل والوعي والتمييز ، وأتاهم البيّنات ، كلّ ذلك صحيح . ولسنا نتصور رحمة فوق هذه الرحمة ، ولكنّ الله تعالىٰ وهو المهيمن علىٰ الكون ، والإنسان ، يمد الإنسان عند كلّ مفترق طريق ، وكلّما يشقّ علىٰ الإنسان الاختيار ، وعند كلّ خيار صعب من خيارات الهدىٰ ... يمده من عنده بالتوفيق والتأييد والتسديد إذا أراد الطاعة.

وإذا أراد المعصية لم يتركه لنفسه ، وانما يخذله عن المعصية ، ويدفعه عنها.

فإذا أصرّ وأبىٰ وركب رأسه وعاند تخلّىٰ عنه وأوكله إلىٰ نفسه وأضلّه الله تعالىٰ.

روىٰ الصدوق رضي‌الله‌عنه في ( عيون أخبار الرضا ) عن تميم القرشي ، عن أبيه ، عن أحمد بن علي الانصاري ، عن يزيد بن عمير بن معاوية الشامي ، قال : دخلت علىٰ علي بن موسىٰ الرضا عليه السلام بمرو فقلت له : يا بن رسول الله روي لنا عن الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام انّه قال : « لا جبر ولا تفويض بل أمرٌ بين أمرين » فما معناه ؟ فقال عليه السلام : « من زعم أن الله يفعل أفعالنا ثمّ يعذّبنا عليها فقد قال بالجبر ، ومن زعم أنّ الله عزّ وجلّ فوّض أمر الخلق والرزق إلىٰ حججه عليهم السلام فقد قال بالتفويض ، فالقائل بالجبر كافر ، والقائل بالتفويض مشرك ». فقلت له : يا بن رسول الله فما أمر بين أمرين ؟ فقال عليه السلام : « وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به وترك ما نهوا عنه ». فقلت له : فهل لله عزّ وجلّ مشيئة وإرادة في ذلك ؟ فقال عليه السلام : « أمّا الطاعات فارادة الله ومشيئته فيها الامر بها والرضا لها والمعاونة عليها ، وإرادته ومشيئته في المعاصي النهي عنها والسخط لها والخذلان عليها ».

 قلت : فللّه عزّ وجلّ فيها القضاء ؟ قال عليه السلام : « نعم ، ما من فعل يفعله العباد من خير وشرّ إلّا ولله فيه قضاء ». قلت : فما معنىٰ هذا القضاء ؟ قال عليه السلام : « الحكم عليهم بما يستحقّونه علىٰ أفعالهم من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة ، ولكن العبد إذا أصرّ علىٰ العصيان والتمرّد أحاله الله تعالىٰ إلىٰ نفسه ، وأوكله إليها ، وحجبه عن الايمان ».

 روي من طريق الصدوق رضي الله عنه في ( العيون ) أنّه قال : حدّثنا عبد الواحد ابن محمد بن عبدوس العطار رضي الله عنه قال : حدّثنا محمّد بن علي بن قتيبة النيسابوري ، عن حمدان بن سليمان النيسابوري قال : سألت الرضا عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ : ( فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ) ( الانعام 6 : 125 ) قال عليه السلام : « من يرد الله أن يهديه بإيمانه في الدنيا إلىٰ جنّته ودار كرامته يشرح صدره للتسليم لله والثقة به والسكون علىٰ ما وعده من ثوابه حتى يطمئن إليه ومن يرد أن يضله عن جنته ودار كرامته في الآخرة لكفره به وعصيانه له في الدنيا يجعل صدره ضيّقاً حرجاً ، يشكّ في كفره ، ويضطرب من اعتقاده قلبه حتىٰ يصير كأنّما يصّعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس علىٰ الذين لا يؤمنون » ، وقد عرفت فيما مضىٰ المراد من شرح الصدر وضيقه.

الهوامش

1. اُصول الكافي 1 : 121 / 4 باب الجبر والقدر ، والأمر بين الأمرين ـ كتاب التوحيد ، منشورات المكتبة الإسلامية 1388 هـ.

2. في نسخة : مقيمون.

3. اُصول الكافي 1 : 119 ـ 120 / 1 باب الجبر والقدر ، والأمر بين الأمرين ـ كتاب التوحيد ، المكتبة الإسلامية 1388 هـ . والتوحيد ، للصدوق : 380 / 28 مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم.

4. التوحيد ، للصدوق : 380 / 27 ( مؤسسة النشر الإسلامي قم ).

5. الكافي 2 : 58 / 7 باب فضل اليقين.

6. التوحيد ، للصدوق : 371 / 11 باب القضاء والقدر.

7. التوحيد ، للصدوق : 340 / 10 ، 338 / 6 ، ط 1398 هـ. وانظر اُصول الكافي 1 : 142 / 6 باب المشيئة والارادة ـ كتاب التوحيد ، ط 1388 هـ. وبحار الأنوار 5 : 57 / 104.

8. بحار الأنوار 5 : 9 ـ 10 / 14 عن الخصال للصدوق.

9. الكافي 1 : 152 / 1 باب الابتلاء والاختيار ـ كتاب التوحيد.

10. أُصول الكافي 1 : 124 / 4 باب الاستطاعة ـ كتاب التوحيد . والتوحيد ، للصدوق : 346 / 3.

11. اُصول الكافي 1 : 150 / 1 باب المشيئة والارادة ـ كتاب التوحيد.

12. اُصول الكافي 1 : 161 ـ 162 / 2 باب الاستطاعة ـ كتاب التوحيد ، ط دار الاضواء ـ بيروت . التوحيد ، للصدوق : 352 / 23 ط 1398 هـ. وبحار الأنوار 5 : 39 / 61.

13. أُصول الكافي 1 : 123 / 2 ط 1388 هـ.

14. اُصول الكافي 1 : 123 / 3 باب الاستطاعة ـ كتاب التوحية ، ط 1388 هـ.

15. الكافي 1 : 158 / 6 باب الجبر والقدر ، والأمر بين الأمرين ـ كتاب التوحيد . التوحيد ، للصدوق : 359 / 2. وبحار الأنوار 5 : 52 / 85.

16. التوحيد ، للصدوق : 361 / 7 . وبحار الأنوار 5 : 16 / 22.

17. الكافي 1 : 159 / 7 باب 30 كتاب التوحيد.

18. التوحيد ، للصدوق : 369 / 9 . وبحار الأنوار 5 : 29 / 36.

19. الانتصار ، للخياط : 179 ـ نقله عن منية الامل : 30 ـ 32.

20. الإنسان والقدر ، الشيخ المطهري : 38.

21. اُصول الكافي 1 : 117 / 3 باب المشيئة والارادة ـ كتاب التوحيد ، المكتبة الإسلامية ط 1388 هـ.

وبمضمونه التوحيد ، للصدوق : 343 / 12 ، ط 1398 هـ.

22. أُصول الكافي 1 : 117 / 4 باب المشيئة والارادة ـ كتاب التوحيد.

23. التوحيد ، للصدوق : 369 / 8.

24. التوحيد ، للصدوق : 371 / 11.

25. المختار في الجبر والاختيار ، للسيد محمد علي الصادقي : 123.

26. أُصول الكافي 1 : 121 / 9 باب الجبر والقدر ، والأمر بين الأمرين ـ كتاب التوحيد ، المكتبة الإسلامية 1388 هـ.

27. أُصول الكافي 1 : 120 / 2 باب الجبر والقدر ، والأمر بين الأمرين ـ كتاب التوحيد ، المكتبة الإسلامية 1388 هـ.

28. الكافي 1 : 157 / 3 باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ـ كتاب التوحيد.

29. التوحيد ، للصدوق : 337 / 3.

مقتبس من كتاب : الأمر بين الأمرين / الصفحة : 73 ـ 97

 

أضف تعليق

القضاء والقدر

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية

خمسة + سبعة =