فَأَسْأَلُ اللهَ الَّذِي أَكْرَمَ مَقامَكَ وَأَكْرَمَنِي بِكَ ..

البريد الإلكتروني طباعة

فَأَسْأَلُ اللهَ الَّذِي أَكْرَمَ مَقامَكَ وَأَكْرَمَنِي بِكَ ..

الشرح : يأتي السؤال في لغة العرب على نحوين : فتارة يتعدّى بنفسه إلى مفعولين واُخرى يتعدّى إلى المفعول الثاني بالمجاوزة أي بحرف « عن » ويكون معناه في الصورة الاُولى الطلب ، يقولون : سألته الدرهم ، وعلى الفرض الثاني يكون السؤال استعلاماً عن الحال أو المكان أو الكيفيّة كما يقولون : سألته عن الدرهم ، عن حاله أو كيفيّته أو جنسه ، وما جاء في القاموس وغيره من أن سألته الشيء وعن الشيء معناهما واحد خطأ محض في ظاهره لأنّ الناظر في مجاري استعمالات العرب يقطع باختلاف هذين الاستعمالين في كلام العرب مِنْ ثَمّ جاء في سورة الأنفال وهي قرائة أهل البيت وغيرهم : « يسألونك الأنفال » وقرأ غيرهم : « يسألونك عن الأنفال » (1).

قال ابن جنّي رحمه الله : القرائة المعروفة هي الأولى لأنّ سؤالهم عن حال الأنفال التي يطلبونها ويريدون حيازتها.

وفي تاج المصادر : إنّ السؤال والمسألة بمعنى الطلب ، وإرادة الجواب على أمرٍ مّا أجلّ لنا أن نقول كلاهما شريكان في الطلب ، والفرق بين الأمرين أنّ أحدهما طلب ذات الشيء والآخر طلب العلم لشيء.

وهذا التوجيه ـ إن صحّ في عبارة بعض اللغويّين الذين فسّروا السؤال بالطلب المطلب ـ فإنّه غير متمشٍّ في كلام الفيروزآبادي ، ولا يبعد أن يكون مخدوعاً بعبارة الجوهري حيث قال : وسألته الشيء وسألته عن الشيء ولم يذكر المعنى فتوهّم أنّ معناهما واحد ، وكانت عادة الجوهري عدم النصّ على المعنى الواضح غالباً ، ويكتفي بذكر مورد الاستعمال والأكثر أنّه ينقل عبارة خاله إبراهيم الفارابي في ديوان الأدب وهذه الالتفاتة الدقيقة لم يدركها الفيروزآبادي ، ومِن ثَمّ توهّم اتحاد المعنى في العبارتين.

وجملة القول إنّ وضوح المسألة يغني عن كثرة التعرّض لها.

الإكرام : الإعظام والتنزيه بحسب الواقع أو السلوك ، ويستعمل التكريم في الاعتبارين.

واستوفينا معنى « المقام » في الفقرات السالفة.

ويحضرني في شرح هذه الفقرة الشريفة مطلبان :

المطلب الأوّل : في إكرام سيّد الشهداء عليه السلام وهو عبارة عن ألطاف إلهيّة جرت في حقّه وهي على ثلاثة أقسام : جنسيّة ونوعيّة وشخصيّة.

القسم الأوّل : من هذه الكرامات ، المقامات المعطاة للأنبياء والأولياء لقربهم من الواحد الأحد من حيث تمكّنهم من التصرّف في هيولات الأشياء من تغيير صورهم وإنشائهم خلقاً آخر بإذن الله تعالى ـ كسائر المعاجز التي جرت على أيديهم ـ المترجم ـ ومثل ذلك يقال في الكمالات النفسانيّة واللذائذ الروحانيّة التي جعلت من نصيبهم ، وللحسين عليه السلام منها الحظّ الأوفى والسهم الأوفر ، وقد ذكرتها كتب العلماء تفصيلاً وهي موجودة هناك.

القسم الثاني : الخصائص التي منحها الله للأئمّة الإثني عشر عليهم‌السلام من السلطان على سائر البشر والحكومة على عامّة الموجودات والإمامة على ما سوى الله تعالى ببركة انتسابهم إلى خاتم الأنبياء صلّى الله عليه وآله ومن هذا اللحاظ تكون خصائصهم وشرفهم الثابتة عندنا سبباً لتفضيلهم على الأنبياء وأوصياء السلف.

وجملة القول أنّ هذه الفضائل عمد علماء الإماميّة بالقدر الممكن إلى جمعها بجدّ وجهد كامل مستقاة من مشكاة ولاية أهل البيت عليهم‌السلام واستمدّوا من عون الله وهمم أولئك السادة المطهّرين فحرّروها في الكتب والطروس والمطوّلات ، وكان الحسين عليه السلام بعد أبيه وأخيه بإجماع الإماميّة بل الاُمّة أفضل من جميع الأئمّة.

القسم الثالث : ما امتاز به الحسين عليه السلام من جلالة القدر ورفعة الشأن وعلوّ المنزلة عن سائر الأئمّة.

وهذه اُمور عدّة عوّضه الله بها عمّا لاقاه من القتل ، وأعطاه في قبال الشهادة التي نالها ، وقد ذكر العلماء أربعة منها بعد التتبّع في الأخبار المأثورة عن معدن الوحي والتنزيل ..

الأوّل : اُبوّة الأئمّة التسعة حيث أعطاه الله هذا الشرف الرفيع والجاه العريض ، وحباه بهذه الفضيلة وخصّه بها كما اُشير إلى ذلك في الأخبار الكثيرة ، ونوّهت هذه الأخبار بالشرف الخاصّ والمزيّة المخصوصة بجنابه عليه السلام.

وروى الشيخ الأجلّ الأقدم عروة الإسلام رئيس المحدّثين رضي الله عنه في كتابه المبارك « علل الشرايع » بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام : « عن عبدالرحمان بن كثير الهاشمي قال : قلت لأبي عبدالله عليه السلام : جعلت فداك ، من أين جاء لولد الحسين عليه السلام الفضل على ولد الحسن وهما يجريان في شرع واحد ؟ فقال : لا أراكم تأخذون به » (1) إنّ جبرئيل نزل على محمّد وما ولد الحسين بعد ، فقال له : يولد لك غلام تقتله اُمّتك من بعدك.

فقال : يا جبرئيل ، لا حاجة لي فيه ، فخاطبه ثلاثاً ثمّ دعا عليّاً فقال له : إنّ جبرئيل عليه السلام يخبرني عن الله عزّ وجلّ أنّه يولد لك غلام تقتله اُمّتك من بعدك.

فقال : لا حاجة لي فيه يا رسول الله ، فخاطب عليّاً ثلاثاً ثمّ قال : إنّه يكون فيه وفي ولده الإمامة والوراثة والخزانة.

فأرسل إلى فاطمة أنّ الله يبشّرك بغلام تقتله اُمّتي من بعدي ، فقالت فاطمة : ليس لي حاجة فيه يا أبة ، فخاطبها ثلاثاً ثمّ أرسل إليها : لابدّ أن يكون فيه الإمامة والوراثة والخزانة ، فقالت له : رضيت عن الله عزّ وجلّ ، فعلقت وحملت بالحسين فحملت ستّة أشهر ثمّ وضعته (3).

وفي تفسير الشيخ الأقدم الأعظم عليّ بن إبراهيم بن هاشم رضي الله عنهما أيضاً في تفسير الآية الكريمة : ( وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ) (4) جاء أنّ الإحسان رسول الله ، وقوله : « بوالديه » إنّما عنى الحسن والحسين ، ثمّ عطف على الحسين فقال : ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ) وذلك أنّ الله أخبر رسول الله صلّى الله عليه وآله وبشّره بالحسين عليه السلام قبل حمله ، وأنّ الإمامة تكون في ولده إلى يوم القيامة ، ثمّ أخبره بما يصيبه من القتل والمصيبة في نفسه وولده ، ثمّ عوّضه بأن جعل الإمامة في عقبه وأعلمه أنّه يُقتل ثمّ يُردّ إلى الدنيا وينصره حتّى يقتل أعدائه (5). والخبر طويل ونقلنا منه محلّ الحاجة.

والظاهر أنّ تحريفاً جرى في الكتاب فوضع « الإحسان » مكان « الإنسان » وفي قرائة أهل البيت « الولدين » بدل « الوالدين » لأنّه بغير هذا التأويل لا تلتئم العبارة ، كما أشار إلى ذلك العلّامة المجلسي قدّس الله سرّه (6).

وفي الكافي أيضاً روى قريباً من هذه الأخبار (7) عن أبي عبدالله الحسين عليه السلام قال : إنّ جبرئيل عليه السلام نزل على محمّد صلّى الله عليه وآله فقال له : يا محمّد ، إنّ الله يبشّرك بمولود يولد من فاطمة تقتله اُمّتك من بعدك ، فقال : يا جبرئيل ، وعلى ربّي السلام ، لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة تقتله اُمّتي من بعدي.

فعرج ثمّ هبط عليه السلام فقال له مثل ذلك ، فقال : يا جبرئيل ، وعلى ربّي السلام ، لا حاجة لي في مولود تقتله اُمّتي من بعدي . فعرج جبرئيل عليه السلام.

وفي الكافي أيضاً بطريق آخر نقل هذه البشارة تعقيباً على قضيّة فطرس (8).

ولا يخفى أنّ هذا الاختصاص للحسين عليه السلام دون الحسن عليه السلام وإن كان هذان السيّدان أنجب خلق الله وأشرف الناس نفساً ونسباً ، فلا جدّ أعظم من جدّهما ، كما ثبت ذلك بالضرورة ، ويمكن أن نقول على ضوء هذه الملاحظة أنّ سيّد الشهداء من حيث المجد وهو شرف مكتسب من الغير خير من جميع البرايا ، لأنّهما شريكان من جهة الآباء والسماء خير ما بها قمراها ، إلّا أنّ شرف الأبناء تفرّد به الإمام الحسين عليه السلام فلا يدانيه أحد من العالمين من هذه الناحية.

منزّه عن شريك في محاسنه

 

فجوهر الحسن فيه غير منقسم

الخصيصة الثانية : الشفاء بتربته المقدّسة ، وما أحسن ما قاله شاعر معاصر :

بر جلاى بَصَر از كحل جواهر چه اثر

 

بايد از كحل در دوست غبارى گيرند

وهل يذهب العمش الاكتحال

 

وإن كنت تكحل بالجوهر

بلى بغبارٍ بباب الحبيب

 

عيونك إن كحلت تبصر

روى ثقة الإسلام قدّس سرّه بسند صحيح في الكافي عن أبي يحيى الواسطي عن رجل قال : قال أبو عبدالله عليه السلام : الطين حرام كلّه كلحم الخنزير ، ومن أكله ثمّ مات فيه لم اُصلّ عليه ، إلّا طين القبر فإنّ فيه شفاءاً من كلّ داء ، ومن أكله لشهوة لم يكن له فيه شفاء .. (9).

وروى ابن قولويه في كامل الزيارة والصدوق في العلل ذات الحديث (10).

وروى ثقة الإسلام أيضاً عن سعد بن سعد قال : سألت أبا الحسن عليه السلام عن الطين ، فقال : أكل الطين حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير إلّا طين قبر الحسين عليه السلام فإنّ فيه شفاءاً من كلّ داء ، وأمناً من كلّ خوف (11).

ورواه الشيخ في التهذيب (12).

ورواه ابن الشيخ المفيد الثاني في الأمالي ، والراوندي في الخرايج بسنده عن الشيخ بطريق الأمالي وفيه اختلاف في الجملة مع طريق الكافي (13).

وفي كامل الزيارة أيضاً عن سماعة بن مهران عن أبي عبدالله عليه السلام قال : كلّ طين حرام على بني آدم ما خلا طين قبر الحسين عليه السلام من أكله من وجع شفاه الله تعالى (14).

وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام حدّث عن المسيّب بن زهير أنّ الإمام موسى بن جعفر بعد أن سُمّ قال : لا تأخذوا من تربتي شيئاً لتتبرّكوا به فإنّ كلّ تربة لنا محرّمة إلّا تربة جدّي الحسين بن عليّ عليهما السلام فإنّه تعالى جعلها شفاءاً لشيعتنا وأوليائنا (15). (16)

وفي كامل الزيارة أيضاً مسنداً عن أحدهما عليهما السلام ـ وفي اصطلاح المحدّثين أنّ الترديد بين الإمامين المروي عنهما يستعمل بين الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام ـ أنّ الله تبارك وتعالى خلق آدم من الطين فحرّم الطين على ولده.

قال : فقلت : فما تقول في طين قبر الحسين عليه السلام ؟

« قال : يحرم على الناس أكل لحومهم ويحلّ لهم أكل لحومنا ، ولكن الشيء اليسير منه مثل الحمّصة ».

واشتملت الرواية على جواز حاصله تجويز أكل القليل قدر الحمّصة (17) ، وصريع الأخبار دالّ على اختصاص الحكم بالحسين عليه السلام كما أنّ ظاهر الفتاوى الاقتصار على طين تربته وإن دلّت بعض الأخبار على سريان الحكم بقبور النبي وسائر الأئمّة عليهم السلام كالخبر الذي رواه في كامل الزيارة مسنداً عن أبي حمزة الثمالي رضي الله عنه إنّه سأل الإمام الصادق عليه السلام ، قال : قلت : جعلت فداك ، إنّي رأيت أصحابنا يأخذون من طين الحائر يستشفون به ، هل في ذلك شيء ممّا يقولون من الشفاء ؟ قال : يستشفى بما بينه وبين القبر على رأس أربعة أميال وكذلك قبر جدّي رسول الله صلّى الله عليه وآله وكذلك طين قبر الحسن وعليّ ومحمّد ، إلى آخر الحديث (18).

والظاهر أنّ قبر أمير المؤمنين عليه السلام سقط من الرواية ؛ لأنّ البحار والوسائل نقلا من كامل الزيارة بهذا السياق والمراد بعليّ زين العابدين عليه السلام ومن محمّد الباقر عليه السلام ولم يذكر قبره إمّا لكونه ما يزال على قيد الحياة أو لاُمور اُخرى.

إذاً ، ظاهر الخبر عموم الحكم الشامل لجميع الأئمّة ؛ لأنّ الحكم إذا سرى إلى الإمام الباقر فإنّ القطع بسريانه ممكن حينئذٍ ولا فرق بينهم عليهم السلام.

وفي كشكول الشيخ البهائي نضّر الله وجهه ، أنّ هذا الحديث نقله جدّه الشيخ محمّد الجبعي من خطّ السيّد الجليل ذي المناقب والمفاخر السيّد رضي الدين عليّ بن طاووس قدّس سرّه ، وأنّ السيّد المعظّم نقل الحديث من الجزء الثاني من كتاب زيارات محمّد بن أحمد بن داود القمّي رضي الله عنه عن أبي حمزة. وسياق الكشكول متفق مع هذا السياق.

وفي كامل الزيارة أيضاً ورجال الكشّي مذيّلاً على حديث مفصّل أنّ الإمام الصادق عليه السلام أعطى محمّداً بن مسلم شراباً لغرض علاجه ، وقال : في هذا الشراب تراب قبور آبائي عليهم السلام.

وهذان الخبران كلاهما غاية في الضعف ؛ لأنّ عدداً من رواته مجهول لا يعرف أو مجروح ، ولو لم يكن فيه إلّا عبدالله الأصمّ الذي قال في حقّه النجاشي : عبدالله ابن عبدالرحمان المسمعي البصري ضعيف غالٍ ليس بشيء ، له كتاب ( المزار )

سمعت ممّن رآه فقال : هو تخليط. وقال العلّامة في حقّه : ضعيف غالٍ ليس بشيء ، له كتاب في الزيارات يدلّ على خبث عظيم ، ومذهب متهافت ، وكان من كذابة أهل البصرة ، لكفى ، وكلا الروايتين مشترك بين الراويين ومن هنا يعلم أنّهما لا يحتجّ بهما.

وإن اعتبر صاحب الجواهر وهنهما من عدم عمل العلماء بهما مع أنّ الأمر بعكس ذلك ، ولا يخلو بحكم المجلسي باعتبار سندهما من إشكال ، ونقلت الإجماعات المتواترة بل الإجماع المحصّل الاستشفاء بطين قبر سيّد الشهداء لكان مورداً لوقوع حكم العمومات من حرمة أكل الطين عليه ، ونحن على سبيل التنازل نجيب عن هذين الخبرين فنقول :

أمّا رواية محمّد بن مسلم فلا دلالة فيها على المدّعى ، لأنّه يحتمل أن يكون المراد من قول الإمام : « قبر آبائي » قبر سيّد الشهداء عليه السلام ، والذي كثر اُنسه بأساليب استعمالات اللغة العربيّة لا يدفع هذا الاستعمال ، مع تصريح هذه الرواية بمزجه بالماء وحينئذٍ لا مانع منه ، فتبيّن من هذا أنّ الاستشهاد به على تعميم المدّعى لا وجه له وإن ذكر ذلك في الوسائل والجواهر.

وأمّا رواية أبي حمزة الثمالي فلم تتعرّض لخصوص الأكل ليس فيه إلّا ذكر الشفاء ، ولا جرم من جواز ذلك بحمله واستصحابه فيكون موجباً للشفاء والبركة بل لا يبعد مزجه بالماء وشربه بحيث لا يصدق عليه أكل الطين إذا لا تزول آثاره الواقعيّة بزوال صدق الإسم العرفي عليه ، وهذا حمل قريب للغاية ووجيه جدّاً ، مِن ثمّ مال إليه المحقّق المجلسي واختاره ، ومثله فعل المحقّق النراقي.

وقال في الجواهر : يمكن حمل هذا الخبر بناءاً على جواز أكل التراب مطلقاً على حلّ أكل تراب القبور المقدّسة لأجل الاستشفاء وليس الطين ، ولا يخلو هذا الكلام من وجود الخلل ، هذا وإن كان جواز أكل التراب والحجر لاختصاص الأدلّة ومعاقد الإجماع وظواهر الفتاوى به وأنّ المقصود به الطين وهو عبارة عن التراب الممزوج بالماء سواء كان رطباً أو جافّاً بدليل صحّة التقسيم.

ولو قلنا بموافقة الحكم للاستعمال لكان لا يخلو من قوّة ، ومن هذه الجهة كانت فتوى الشيخ قدّس سرّه في الجواهر موافقاً للمحقّق الأردبيلي والفاضل النراقي بجواز أكلهما مع أنّ تعدّي الحكم من الطين إلى التراب بدعوى اتحاد المناط بل عدم الالتفات إلى خصوصيّة في الاستعمال قول وجيه ، ولكن مع فرض عدم التعدّي اقتصاراً على النصوص وعملاً بالاُصول كما هو الأقوى ، فلا وجه في حمل الطين على التراب في خبر أبي حمزة مع ردّ السياق لهذا التأويل ، والله أعلم.

ومن خواصّ هذه التربة التي استنبطناها من تتبّع الأخبار وفتاوى الفقهاء اُمور :

أ ـ استحباب تحنيك المولود ، وهو تدليك باطن فمه بالتربة كما روى الشيخ في التهذيب عن الحسين بن أبي العلاء أنّه قال : سمعت الإمام الصادق عليه السلام يقول : حنّكوا أولادكم بتربة الحسين عليه‌السلام فإنّها أمان (19).

ب ـ استحباب حمل التربة دفعاً للخوف ، كما روى الشيخ في التهذيب وابن قولويه في كامل الزيارة عن الحسن بن عليّ بن المغيرة أنّه روى عن بعض أصحابنا ، وفي أمالي ابن الشيخ قدّس سرّهما بطريق آخر نصّ على الحارث بن المغيرة والسند غاية في الاعتبار للتكرار وغير ذلك بل الحكم بصحّته لاحتمال أخذه من الكتاب وتواتره مع وجود طرق صحيحة اُخرى لا تخلو من قوّة.

ومجمل القول بأنّ الحارث يقول : قلت لأبي عبدالله عليه السلام : إنّي رجل كثير العلل والأمراض وما تركت دواءاً إلّا تداويت به ، فقال لي : وأين أنت عن طين قبر الحسين عليه السلام فإنّ فيه شفاءاً من كلّ داء ، والأمن من كلّ خوف ، فقل إذا أخذته : « اللهمّ إنّي أسألك بحقّ هذه الطينة ، وبحقّ الملك الذي أخذها ، وبحقّ النبيّ الذي قبضها ، وبحقّ الوصيّ الذي حلّ فيها صلّ على محمّد وأهل بيته واجعل فيها شفاءاً من كلّ داء ، وأماناً من كلّ خوف ».

ثمّ قال : أمّا الملك الذي أخذها فهو جبرئيل عليه السلام أراها النبيّ صلّى الله عليه وآله فقال : هذه تربة ابنك تقتله اُمّتك من بعدك. والنبيّ الذي قبضها محمّد صلّى الله عليه وآله ، والوصيّ الذي حلّ فيها فهو الحسين سيّد شباب الشهداء.

قلت : قد عرفت الشفاء من كلّ داء ، فكيف الأمان من كلّ خوف ؟

قال : إذا خفت سلطاناً أو غير ذلك فلا تخرج من منزلك إلّا ومعك من طين قبر الحسين عليه السلام ، وقل إذا أخذته : « اللهمّ إنّ هذه طينة قبر الحسين وليّك وابن وليّك أخذتها حرزاً لما أخاف وما لا أخاف » فإنّه يرد عليك ما لا تخاف.

قال الرجل : فأخذتها كما قال لي ، فأصحّ الله بدني وكان لي أماناً من كلّ خوف ممّا خفت وما لم أخف كما قاله . قال : فما رأيت بعدها مكروهاً (20).

والأخبار من هذا النمط الدالّة على أنّ التربة أمان من الخوف كثيرة ولكنّ أكلها دفعاً للخوف غير جائز إلّا أن يكون الخوف نفسه مرضاً.

ج ـ استحباب صنع مسبحة منه كما ورد ذلك في أخبار كثيرة منها مزار البحار ومن المزار الكبير أخذ ذلك بسنده عن إبراهيم الثقفي أنّ أباه روى عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّها عقدت خيطاً من الصوف وجعلته سبحة تعدّ بها التكبير ، فلمّا استشهد الحمزة سيّد الشهداء اتخذت من تراب قبره مسبحة ، وكان الناس يستعملونها ، فلمّا استشهد الحسين عليه السلام عاد الأمر إليه واستعمل الناس تربته لفضلها على غيرها .. (21). (22)

وفي التهذيب وساق السند إلى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام قال ـ الراوي ـ دخلت عليه ، فقال : لا تستغني شيعتنا عن أربع : خمرة يصلّي عليها ، وخاتم يتختّم به ، وسواك يستاك به ، وسبحة من طين قبر أبي عبدالله عليه السلام فيها ثلاث وثلاثون حبّة ، متى قلّبها ذاكراً لله كتب له بكلّ حبّة أربعون حسنة ، وإذا قلّبها ساهياً يعبث بها كتب له عشرون حسنة (23).

وفي التهذيب أيضاً مسنداً أنّ الحميري سأل الفقيه (24) تحريراً قال : كتبت إلى الفقيه عليه السلام أسأله : هل يجوز أن يسبّح الرجل بطين قبر الحسين عليه السلام ؟ وهل فيه فضل ؟ فأجاب وقرأت التوقيع ومنه نسخت : يسبّح به ، فما في شيء من التسبيح أفضل منه ، ومن فضله إنّ المسبّح ينسى التسبيح ويدير السبحة فيكتب له في ذلك التسبيح (25).

د ـ استحباب وضعه مع الميّت ومزجه بحنوطه كما جاء في ذيل هذا الخبر أنّ الحميري قال : كتبت إلى الفقيه أسأله عن طين القبر يوضع مع الميّت في قبره هل يجوز ذلك أم لا ؟ فأجاب وقرأت التوقيع ومنه نسخت : يوضع مع الميّت في قبره ويخلط بحنوطه إن شاء الله (26).

ومن فحوى السؤال يعرف بأنّ هذا الفعل كان متداولاً بين الشيعة ومشتهراً عندهم وهو نفسه دليل آخر على المدّعى ، وكذلك يستحبّ كتابة الآيات والشهادة بالتوحيد على كفن الميّت من تراب قبر سيّد الشهداء عليه السلام.

وفي المدارك منقولاً عن الذكرى أنّ امرأة قذفها القبر مراراً لفاحشة كانت تصنع ( فأمر بعض الأولياء بوضع تراب من قبر صالح معها ، فاستقرّت .. ونقل الفاضل ) أنّها كانت تزني وتحرق أولادها ، وإنّ اُمّها أخبرت الصادق عليه السلام ، فقال : إنّها كانت تعذّب خلق الله بعذاب الله ، اجعلوا معها شيئاً من تربة الحسين عليه السلام ، فاستقرّت (27).

هـ ـ استحباب السجود عليه ، كما طابق النصوص ووافق الفتاوى ، بل هو شعار الإماميّة في هذه الأعصار ، بل كان في السابق هو الكاشفة القطعيّة عن هويّة التشيّع بناءاً على السيرة المحقّقة .. وعزى ابن بابويه رضي الله عنه في الفقيه على نحو الإرسال وهو لا يقلّ قبولاً عن غالب مسانيده أنّه قال : السجود على طين قبر الحسين عليه السلام ينوّر إلى الأرض السابعة ، ومن كان معه سبحة من طين قبر الحسين عليه السلام كتب مسبّحاً وإن لم يسبّح بها (28).

ونقل الشيخ الثقة الأمين أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسي قدّس سرّه عن الحميري في كتاب الاحتجاج وهو على التحقيق من مؤلّفاته كما عدّه من مصنّفاته ابن شهرآشوب في معالم العلماء وهو من تلامذته ، وهذا الأمر وإن كان بيّناً واضحاً اشتبه على الملّا محمّد أمين الاسترآبادي مع ما يدّعيه من معرفة الحديث ومع ما كان يثيره من الصخب والضجيج حول إحاطته بفنونه فنسبه إلى أمين الإسلام صاحب ( مجمع البيان ) رضي الله عنه في الفوائد المدنيّة.

وجملة القول إنّه في الكتاب المزبور قال : سأل الحميري من إمام العصر روحنا له الفداء عن السجدة على لوح من طين القبر وهل فيه فضل ـ يقصد باللوح التربة المتّخذة في هذا العصر ـ فأجاب عليه السلام : يجوز ذلك وفيه الفضل (29).

والظاهر في تعريف الفضل أنّه دائر فيما بين التربة وما يصحّ السجود عليه.

وفي التهذيب بسند صحيح عن معاوية بن عمّار قال : كان لأبي عبدالله ـ صادق آل محمّد ـ خريطة ديباج صفراء فيها تربة أبي عبدالله عليه السلام ، فكان إذا حضرته الصلاة صبّه على سجّادته وسجد عليه ، ثمّ قال : السجود على تربة أبي عبدالله عليه السلام يغرق الحجب السبع (30).

وظاهر الحديث أنّ هذا كلام معاوية بن عمّار ولكنّه بعيد ولو كان كذلك فهو حجّة أيضاً ؛ لأنّ محدّثاً عظيم الشأن كهذا المحدّث يعزب عن كلام ـ وإن كان هذا الكلام بنفسه شاهداً على صدوره عن الإمام ـ بدون سماعه وتلقّيه عن الإمام.

وفي الوسائل والإرشاد للديلمي : كان الصادق عليه السلام لا يسجد إلّا على تربة الحسين (31).

والمراد من الحجب السبعة في حديث معاوية بن عمّار السماوات السبع والمقصود عروج الصلاة إلى الملأ الأعلى وبلوغ القرب الحقيقي أو المعاصي السبع المانعة من قبول الأعمال وحجابها وتلك هي المعاصي التي رأى جماعة انحصار الكبائر بها كما ذكر ذلك في الكتب الفقهيّة : أ ـ الشرك ، ب ـ قتل النفس ، ج ـ قذف المحصنة ، د ـ أكل مال اليتيم ، هـ ـ الزنا ، و ـ الفرار من الزحف ، ز ـ عقوق الوالدين.

ومعنى الخرق (32) لهذه الحجب أنّه إن كان مقروناً بالتوبة الصادقة والعزم الثابت فإنّ الله تعالى يعفو عن الذنوب السالفة يمحوها ببركة هذه التربة المقدّسة.

ويمكن أن يكون المراد بالحجب السبعة طبقاً لاصطلاح أهل الأخبار الأدناس وجنود الجهل ، بناءاً على ما ذهب إليه جماعة من أهل العلم بأنّ كلّيّات الرذائل منحصرة في سبعة أجناس وتتفرّع عنها سائر ملكات الرذائل ؛ لأنّ اُصول الملكات العادلة أربعة : العدالة والعفّة والشجاعة والحكمة ، ولكلّ واحد منها ضدّان ما عدا العدالة فإنّ لها ضدّاً واحداً ، فضدّ العفّة الشره والخمود ، وضدّ الشجاعة الجبن والتهوّر ، وضدّ الحكمة البلاهة والجربزة ، وضدّ العدالة الظلم (33) وهذه الصفات السبعة هي في الحقيقة طرق جهنّم نعوذ بالله منها.

وقال أحد أهل العلم :

همه اخلاق نيكو در ميانه

 

كه از افراط وتفريطش كرانه

ميانه چون صراط المستقيم است

 

كه هر دو جانبش قعر جحيم است

به باريكىّ وتيزى موى شمشير

 

نه روى كشتن وبدون بر او دير

عدالت چون يكى دارد ز اضداد

 

همين هفت آمد اين اضداد ز اعداد

به زير هر عدد سرّى نهفته است

 

از آن درهاى دوزخ نيز هفت است

چنان گر ظلم دوزخ شد مهيّا

 

بهشت آمد هميشه عدل را جا

ظهور نيكوئى از اعتدال است

 

عدالت جسمم را اقصى الكمال است

الترجمة (34) :

وإنّما أوسط الأخلاق أكملها

 

فاحذر بفعلك إفراطاً وتفريطا

صراطها مستقيم في جوانبه

 

جهنّم تغتلي كالقدر مسيوطا

كأنّها شفرة الصمصام صفحته

 

قد أصبح القتل في حدّيه مربوطا

إن كان للعدل ضدّ واحد فلما

 

ذكرت ضدّان مشروحاً ومخطوطا

وتحتها تختفي الأسرار معلنة

 

عن اللظى سبعة أبوابها احتيطا

إن كان للظلم نار الله موصدة

 

كان النعيم لعدل المرء مشروطا

إنّ الجميل من العدل الذي هو في

 

ظلّ الكمالات ممدوداً ومبسوطا

مثل العدالة حيث الله جسّدها

 

في الخير لا في ضمير الحكم مغلوطا

ولكن التحقيق يقضي بأنّ للعدالة ضدّين أيضاً : الأوّل الظلم الذي سمعته ، والثاني الانظلام ، ويعبّر عنه بالضيم لكي تتحقّق الوسيطة ، لأنّ الوسط دونما طرق محال بالضرورة كما تقرّر في البرهان أنّ الوسط والطرف من براهين إبطال التسلسل ، وشرح هذه المسألة بصورة مبسوطة خارج عن مهمّة هذا المقام ، وإنّي قد بيّنت في بعض مسودّاتي شرحاً تامّاً لهذه المسألة.

وبناءاً على مذهب طائفة من الحكماء المسلمين الذين يحسبون على أهل العرفان يمكن أن يكون المراد من الحجب السبعة الحجب النورانيّة المسمّاة بمدن المحبّة ومراتب الولاية ومنازل سفر الأولياء الباطني ، وهذه مقامات سبعة :

أ ـ مقام النفس ، ب ـ مقام القلب ، ج ـ مقام العقل ، د ـ مقام الروح ، هـ ـ مقام السرّ ، و ـ مقام خفي ، ز ـ مقام أخفى.

وهذه الاُمور تكون باعتبار الثبات والملكة مقاماً ، وباعتبار الزوال والتجدّد حالاً ، ولعلّ المناجاة الشعبانيّة المعروفة التي ذكرها ابن طاووس رضي الله عنه عن ابن خالويه تشير إلى هذا المعنى .. واعترف العلّامة المجلسي باعتبار سندها ، وكان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام والأئمّة من بعده عليهم السلام يديمون قرائتها ، وهي هذه :

« وَأَنِرْ أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتّى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك » (35).

وبناءاً على ما تقدّم إنّ كلّ من انعتق من ذاته بسرّ الصدق وباب الصفاء وتوجّه توجّهاً تامّاً وإقبالاً كاملاً في الصدق وكان متمسّكاً بحبل ولاية سيّد الشهداء عليه السلام ويعفّر جبينه بتراب قبره ساجداً على تربته رفع الحجاب عنه وشاهد بعين البصيرة وحقيقة الإيمان جمال المحبوب الحقيقي ، ومن بلغ هذه المرتبة فقد بلغ رتبة البركة منه.

از ره گذر خاك سر كوى شما بود

 

هر نافه كه در دست نسيم سحر افتاد

ما عطر الريح من مسكٍ سرى سحراً

 

ترب المواكب قد مرّت بواديكا

وهذا هو تقرير الاحتمال على نهج هذه الطريقة وإن كان في نفسه محلّ إشكال ، ولكن من حقّ العلم أن يؤدّىٰ بلسان أهله من كلّ طريقة فلا يزيد فيه ولا ينقص منه . ثمّ تذكر بعد ذلك المؤاخذات عليه ، ولا يقتضي المقام بسط الكلام فيه بل مرادنا شرح فضائل التربة المقدّسة الحسينيّة ، فهي الحصى الذي يجري عليه ماء السلسبيل ، ونور جناح جبرئيل ، ونميرة ماء الحيوان ، ونكهة حديقة الرضوان ، وكحل عيون الولدان ، وغاية طرر الحور العين في الجنان.

لمؤلّفه :

فيالها تربة يرقىٰ بسجدتها

 

أقصى معارج توحيد وعرفان

يضوع المسك من ذكرى نوافجها

 

ولا تضوعه من ذكر نعمان

فمن يرصع بها اكليل سؤدده

 

بنعله رصّعت تيجان خاقان

ولو تأمّلها خضر العيون رأى

 

مرآة اسكندر في عين حيوان

كأنّما مسحت يوماً بها فبدت

 

بيضاء لامعة كفّ ابن عمران

فمن يشاهد بها الأسرار كان على

 

ملك الحقائق أعلى من سليمان

فارغب إليها ولا تطلب لها بدلاً

 

في سلسبيل ولا في روض رضوان

فذاك ماء وكالصداء ليس وذا

 

مرعىً ولكنّه لا مثل سعدان (36)

ومجمل القول أنّ الإشارة جرت عن هاتين الخاصّتين في دعاء الثلاث من شعبان الشريف الذي ذكر في المصباح الكبير وإقبال السيّد ومنهما أخذ بحار الأنوار من أنّ التوقيع الوقيع صدر من الإمام العسكري خرج إلى وكيل الناحيه المقدّسة أبي القاسم ( القاسم ـ المؤلّف ) بن العلاء ( الهمداني ) أنّ مولانا الحسين ولد يوم الخميس لثلاث خلون من شعبان فصُمهُ وادْعُ فيه بهذا الدعاء وساق الدعاء إلى قوله في وصف سيّد الشهداء :

« المفوَّض عن قتله أنّ الأئمّة من نسله والشفاء في تربته ... » إلى آخر الدعاء (37).

ونحن وإن أطنبنا في ذكر أحكام التربة وخالفنا طريقة الاختصار إلّا أنّك عندما تدرك قدر هذه التربة المقدّسة وشرفها عند الله تعالى ، وتعرف كيف أعزّها الله وجعلها محترمة ، وصيّر الإنسان محتاجاً إليها من ولادته إلى مابعد وفاته سوف تلم أنّ اختصاراً أشدّ من هذا مخلّ بفضلها ولا وجه له على الإطلاق.

الأمر الثالث : استجابة الدعاء تحت قبّته وحول القبر الطاهر المقدّس كما جاء في الأخبار المتواترة عن العترة الطاهرة والمأثورة ، نحن نذكر خبراً أو خبرين منها :

روى الشيخ المعظّم ابن قولويه رضي الله عنه وأرضاه في مزاره وساق السند إلى أبي هاشم قال : بعث إليّ أبوالحسن عليه السلام في مرضه وإلى محمّد بن حمزة ، فسبقني إليه محمّد بن حمزة فأخبرني أنّه ما زال يقول : ابعثوا إلى الحائر ( ابعثوا إلى الحائر ) ـ أي ابعثوا إلى الحائر من يدعو لي ـ فقلت لمحمّد : ألا قلت له أنا أذهب إلى الحائر ؟ ثمّ دخلت عليه ، فقلت له : جعلت فداك ، أنا أذهب إلى الحائر ، فقال : اُنظروا في ذلك ـ الظاهر أنّ الأمر منه عليه السلام إلى الحجاب والخدم ليعدّوا العُدّة ويهيّئوا أهبة الرحيل له ـ ثمّ قال : ابعثوا رجلاً إلى حائر الحسين عليه السلام يدعو لي ويسأل الله شفائي عنده ، اُنظروا في ذلك أي تفكّروا وتدبّروا فيه بأن يقع وجه لا يطّلع عليه أحد للتقيّه ، محمّداً ليس له سرّ من زيد بن عليّ وأنا أكره أن يسمع ذلك ـ كناية على أنّه ليس من الشيعة .. المؤلّف ـ.

قال ـ الجعفري ـ : فذكرت ذلك لعليّ بن بلال ، فقال : ما كان يصنع بالحائر وهو الحائر ؟! فقدمت العسكر فدخلت عليه ، فقال لي : اجلس حين أردت القيام ، فلمّا رأيته أنس بي ذكرت قول عليّ بن بلال ، فقال لي : ألا قلت له : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان يطوف بالبيت ويقبّل الحجر وحرمة النبيّ صلى الله عليه وآله والمؤمن أعظم من حرمة البيت ، وأمره الله أن يقف بعرفة ، إنّما هي مواطن يحبّ الله أن يذكر فيها ، والحائر من تلك المواضع (38) و « وأنا اُحبّ أن يُدعى لي في المواطن التي يحب الله أن يُدعى بها ، والحائر من هذه المواضع ».

ونقل نفس الخبر بتغيير يسير في المتن والسند ، ورواه عنه متأخّرو العلماء مثل المجلسي والشيخ الحرّ العاملي وغيرهما.

وروى الشيخ الفقيه الزاهد العارف أحمد بن فهد الحلّي رضي الله عنه في كتاب « عدّة الداعي » أنّ الصادق عليه السلام أصابه وجع فأمر من عنده أن يستأجروا له أجيراً يدعو له عند قبر الحسين عليه السلام ، فخرج رجل من مواليه فوجد آخر على الباب فحكى له ما أمر به ، فقال الرجل : أنا أمشي لكن الحسين عليه السلام إمام مفترض الطاعة وهو أيضاً إمام مفترض الطاعة فكيف ذلك ؟ فرجع إلى مولاه وعرّفه قوله ، فقال : هو كما قال ، لكن ما عرف أنّ الله تعالى بقاعاً يستجاب فيها الدعاء ، فتلك البقعة من تلك البقاع (39).

وفي كامل الزيارات وساق السند إلى شعيب العقرقوفي عن أبي عبدالله قال :

قلت له : من أتى قبر الحسين عليه السلام ماله من الثواب والأجر جعلت فداك ؟ قال : يا شعيب ، ما صلّى عنده أحد ( إلّا قبلها الله منه ) ولا دعا عنده أحد دعوة إلّا استجيب له عاجله وآجله (40).

وفي كامل الزيارات أيضاً عن المفضّل بن عمر قال : قال الصادق عليه السلام : زائر الحسين لا يسأل حاجة من حوائج الدنيا إلّا أعطاه (41).

والأخبار من هذه المقولة خارجة عن حدّ الإحصاء ، بل ثبت بالضرورة في مذهب الإماميّة ـ ضاعف الله اقتدارها وكثر أنصارها ـ أنّ استجابة الدعاء والشفاء في تربته ، وهذا من مذهبها في غاية الوضوح وكمال الظهور ، بل لا يقلّ ظهوراً عن الخصيصة الاُولى وهي كون الأئمّة من نسله ، فلا حاجة إلى الاستشهاد بالأخبار والاستمداد من كلمات العلماء الأخيار « وقد أشرت إلى هذه الخواصّ الثلاث في قصيدة حسينيّة ، ومدحتُ التربة المباركة الزكيّة بما لم أعرف السبق إليه ، فلا بأس بنقل ما يتعلّق بذلك تطريزاً لديباجة الكتاب وادّخاراً لجزيل الأجر والثواب ، وهو : » (42)

ومن فوّض الله أمر الوجود

 

قبضاً وبسطاً إلى راحته

ومن عوّض الله عن قتله

 

بأنّ الأئمّة من عترته

وأن يستجاب دعاء الصريح

 

إذا ما دعا الله في قبّته

وإن جعل الله فضلاً عليه

 

شفاء البريّة في تربته

فيا طيبها تربة أخجلت

 

نوافج للمسك في نفحته

أرى الخضر قد دسّ منها بما

 

استقاه فعمّر في مدّته

ترى القدس منها لنيل الفخار

 

يرصّع تاجاً على قمّته

ويغبطها العرش شوقاً كما

 

يقاسي المقيم من صبوته

لقد عفّر البدر فيها الجبين

 

وها أثر الترب في جبهته (43)

الخصيصة الرابعة : أنّ أيّام زيارته لا تُعَدّ من أعمار زائريه كما جاء في أمالي ابن الشيخ رضي الله عنهما وساق السند إلى محمّد بن مسلم ، قال : سمعت أبا جعفر وجعفر بن محمّد عليهما السلام يقولان : إنّ الله تعالى عوّض الحسين عليه السلام من قتله أن جعل الإمامة في ذرّيّته ، والشفاء في تربته ، وإجابة الدعاء عند قبره ، ولا تُعدّ أيّام زائريه جائياً وراجعاً من عمره (44).

ومحصّل ما مرّ أنّ الله عوّض الحسين عن القتل بهذه الخصال الأربع ، وقد مرّ ثلاث منها ، والرابع عدم عدّ أيّام الزيارة ذهاباً وإياباً من عمر الزائر.

وقال ابن فهد رحمه الله في عُدّة الداعي والشيخ الحرّ العاملي نقل منه في الوسائل : روي أنّ الله عوّض الحسين من قتله أربع خصال : جعل الشفاء في تربته ، وإجابة الدعاء تحت قبّته ، والأئمّة من ذرّيّته ، وأن لا تُعَدّ أيّام زائريه من أعمارهم (45).

ومرويّ في الأخبار الكثيرة من كامل الزيارة والمصباح والتهذيب والبحار والوسائل وغيرها (46) أنّ ترك زيارته موجب لقصر العمر كما أنّ زيارته توجب طوله وبُعد الأجل ، وبما أنّ أخبار هذه الخصيصة فيها إشكال بحسب الظاهر ، حضرتني عدّه أجوبة عنها :

منها : أنّ رزقه في هذه الأيّام لا يحسب من رزقه المقدّر ولا تكتب ذنوبه فيكون نفي العمر عنه مجازاً بنفي لوازمه ، ويؤيّده الأخبار الدالّة على عدم كتابة ذنوب الزائرين.

الثاني : أنّ الزيارة سبب في طول العمر ، مثل صلة الرحم والصدقة ، فكأنّما هذه الأيّام لا تحسب من العمر ، ويؤيّده أنّ الأخبار الواردة عن الصادق عليه السلام أنّه نظر إلى أصحابه وقال : ولو قلت إنّ أحدكم ليموت قبل أجله بثلاثين سنة لكنت صادقاً وذلك لأنّكم تتركون زيارة الحسين .. (47) وهذا محصّل ما يدور بخاطري من الروايات وأصل الخبر موجود في كتب المزار.

الثالث : أنّ لفظ آجالهم في الخبر بمعنى آجال الموت أي إنّهم لا يموتون أيّام السفر ، وهذا التوجيه مبنى على لفظ آجال الوارد في الخبر وليس الأعمار وما كتبت إلّا الذي رأيته (48).

الرابع : لا تعرض هذه الأيّام ـ أيّام الزيارة ـ في معرض الحساب يوم القيامة ، وهذا في الواقع شيء واحد مع التوجيه سالف الذكر ، والأولى هو التوجيه الثاني ، وهذا وإن بدى في ظاهره على طرف الإشكال لأنّ اللازم لهذا القول أن لا يلحق الموت أحداً من الزائرين وهذا خلاف المحسوس والمشاهد ، ولكن جوابه :

أوّلاً : إنّ هذه الاُمور المستحبّة والمكروهة التي نسب إليها لوازم من المنافع والمضارّ ما هي إلّا مجرّد مقتضيات وليست عللاً تامّة مِن ثَمّ لم يرد إلزام في مورد ما نسب إليها ، ولا يستحيل في العقل عدم الوقوع ، فما المانع أن تقترن في بعض الموارد بالدفع لآثارها ، أو تقترن بما يضادّ تلكم الآثار فيكون سبباً لنقص العمر مثل قطع الرحم وترك الصدقة والظلم.

وثانياً : يمكن أن يقال أنّ خواصّ المستحبّات وآثارها التي تذكر مجتمعة لا تجري جميعها في الموارد كلّها بل ربّما كان لكلّ واحد منها مورد يجري فيه ، مثلاً يأتي بعضها بسعة الرزق ، والآخر بخشوع القلب ، وثالث بطول العمر ، ورابع برفع البلاء ، بحسب تفاوت المصالح واختلاف الاستعدادات ، وهكذا قد يؤدّي البعض منها إلى حصول الاثنين والأكثر ، أو حصول الكلّ. وبناءاً على هذا لا يكون الاقتضاء متيقّناً في جميع الموارد ، واحتمال وجود المقتضي وعدم حصول المانع كافٍ في الفعل وتحريكه.

ثالثاً : إنّ أسباباً من هذا النوع على فرض تسليمها خاصّة بالاُمور المقدّرة في لوح المحور والإثبات لا المقدّرات الحتميّة ، ومن هذا القبيل الصدقة والدعاء فإنّ تأثيرهما في كثير من المقدّمات تأثير مشهود ولا مانع بل الأولى في زيارة سيّد الشهداء أن يكون لها هذا الأثر ، ونحن بحمد الله في العلوم العقليّة وفي الموضع المناسب منها حللنا عقدة هذا الإشكال بأحسن وجه وأبين نوع ، ولا يقتضي المقام الدخول في هذا السياق.

تتمّة مهمّة

لمّا كانت الأخبار تتضمّن أحياناً ذكر الحائر وأحياناً ذكر القبر وأحياناً يأتي التعبير عن ذلك بألفاظ اُخرى ، ولم يبيّن لهذه المواضع حدّ معلوم يحتوي في داخله على التربة والدعاء ، وكان هذا الإيهام سبباً لحيرة جماعة من المحقّقين وذلك لاختلاف الأخبار ونزاع العلماء في تحديد الحائر لا سيّما مسألة التقصير والإتمام التي يكون المكلّف مخيّراً بينهما في الأماكن الأربعة وهي من مهمّات المسائل الفقهيّة ، ومن أسرار الأئمّة وخواصّ الإماميّة ، رأيت من اللايق بي بقدر الوسع والطاقة واتساع هذا المختصر أن اُشير إلى تحقيق المسألة : اعلم أنّ الحائر في اللغة المكان المطمئنّ يجتمع فيه الماء فيتحيّر لا يخرج منه (49). كما ذكر ذلك ابن إدريس في السرائر ولعلّه مأخذو من الحور بمعنى العمق والقعر ، لأنّ الأرض الواطئة لابدّ أن تكون بالنسبة لما ارتفع عنها عميقة. وموضع قبر الحسين عليه السلام لمّا كان في أرض منخفضة كما يظهر ذلك من الصحن المقدّس ويشهد ذلك من جانب باب الزينبيّة وباب القبلة ، لهذا اُطلق عليه اسم الحائر ، ولا وجه لما قيل من سبب تسميته بأنّ المتوكّل أمر بحرث القبر وأرسل عليه الماء فلم يصل إليه ، ويستظهر هذا السبب من كتاب الذكرى ، لأنّ في الأخبار الكثيرة الصادرة قبل خلق المتوكّل يوجد فيها اسم الحائر ، وهذا من الوضوح بمكان حيث لا يمكن أن يستعمل هذا الاسم بناءاً على تلك الواقعة المتأخّرة. ولا شبهة بأنّ المراد من الحائر قبر سيّد الشهداء عليه السلام.

واختلفت الأخبار في تحديده ؛ ففي كامل الزيارة عن عبدالله بن سنان ونقل ذلك بطريقين ، قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : قبر الحسين بن عليّ عليهما السلام عشرون ذراعاً في عشرين ذراعاً مكسّراً روضة من رياض الجنّة (50).

ورواه الشيخ في التهذيب.

وفي الكافي وثواب الأعمال وكامل الزيارة ومصباح المتهجّد جميعاً عن إسحاق بن عمّار عن الصادق عليه السلام قال : سمعته يقول : لموضع قبر الحسين حرمة معلومة من عرفها واستجار بها اُجير.

قلت : صف لي موضعها.

قال : امسح من موضع قبره اليوم خمسة وعشرين ذراعاً من قدّامه وخمسة وعشرين ذراعاً عند رأسه ، وخمسة وعشرين ذراعاً من ناحية رجليه ، وخمسة وعشرين ذراعاً من خلفه .. الحديث (51).

وفي كامل الزيارة والمصباح عن الصادق عليه السلام أنّه قال : حرمة قبر الحسين فرسخ في فرسخ من أربعة جوانب القبر (52).

وفي الكامل والمصباح عن صادق آل محمّد صلّى الله عليه وآله أنّه قال : حريم قبر الحسين خمس فراسخ من أربع جوانب القبر .. (53).

والصدوق رحمه الله عبّر بنفس الرواية وقال : حريم قبر الحسين خمسة فراسخ من أربعة جوانبه (54).

وساق الشيخ ـ الطوسي .. المترجم ـ السند إلى صادق آل محمّد أنّ « التربة من قبر الحسين على عشرة أميال » (55).

وفي كامل الزيارة رفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام : حريم قبر الحسين فرسخ في فرسخ في فرسخ (56).

وفي الكامل ورفعه إلى الإمام الصادق عليه السلام قال : لو أنّ مريضاً من المؤمنين يعرف حقّ أبي عبدالله وحرمته وولايته أُخذ له من طينه على رأس ميل كان له دواءاً وشفاءاً (57).

وفي رواية اُخرى وقد اُشير إليها سابقاً ، قال : يستشفى بما بينه وبين القبر على رأس أربعة أميال (58).

وفي الكافي وكامل الزيارة ومصباح المتهجّد وبحار الأنوار ومصباح الزائر رفعوه جميعاً إلى الإمام الصادق عليه السلام : يؤخذ من طين قبر الحسين من عند القبر على سبعين ذراعاً (59).

وروى الخبر نفسه في كامل الزيارة بطريق آخر وتغيير يسير « وعلى سبعين باعاً في سبعين باعاً » (60).

وفي البحار ومصباح الزائر رواى أنّه قال بعد هذا الحديث : وروي في حديث آخر مقدار أربعة أميال ، وروي فرسخ في فرسخ (61).

وظاهر خبر أبي سعيد العصفري المنقول في أصله ، وفي الكافي والتهذيب نقلاً عنه في فخر أرض كربلاء : « الشفاء في تربتي » (62).

هذا ويعتبر الاستشفاء في مطلق تراب كربلاء وإن لم توجد هذه الفقرة في نفس الأصل الشريف الذي يوجد بحوزتي ، ولابدّ من كونها قد حذفت ، وتوجبه اختلاف الأخبار في تحديد البقعة التي يشملها اسم تربته عليه السلام بعد كون الغالب منها معتمداً ومعتبراً إمّا لتكرار إسناده أو وثاقة رواته أو كثرة وجوده في الكتب المعتمدة أو اشتمال الكتب الأربعة عليه أو اتفاق مضامينها مع مؤدّى الأخبار الاُخرى.

أقول : يمكن توجيه الاختلاف هذا أنّ المسافة التي تناط بها الحرمة من موضع القبر إلى خمسة فراسخ فإنّها مورد الاحترام وتنجيسها حرام ، وقد يؤدّي إلى الكفر أعاذنا الله إذا كان يقصد الإهانة ، وكلّما دنت المسافة من القبر ازداد الفضل والحرمة حتّى تصل إلى عشرين ذراعاً في مثلها ، بل التراب الواقع على القبر الشريف أفضلها بالضرورة. ولكن من أجل امتداد رقعة التربة الأفضل بلغوا بها إلى ذلك الحدّ ومن بعده الخمس والعشرون ، ومن بعدها السبعون ، ومن بعدها السبعون باعاً ، ومن بعدها الميل ، ومن بعده الفرسخ ، ومن بعده أربعة أميال وهكذا دواليك.

وأشار شيخ الطائفة قدّس الله ضريحه في التهذيب والمصباح (63) إلى هذا الوجه ، ويمكن أن يراد من لفظ الحائر الوارد في بعض الأخبار أرض كربلاء مطلقاً وإن كانت في الأصل لا تعدو موضع القبر المقدّس أو خصوص الحرم من الخزانة إلى المنحر كما هو ظاهر عبارة السرائر من أنّه « ما دار سور المشهد والمسجد عليه » (64) أو أنّه مطلق الصحن الشريف كما قال به جماعة ، أو أنّه خصوص القدر الذي يحتويه الجانب القبلي وجانب اليمين واليسار باستثناء باب السدر كما نقل ذلك في البحار عن السيّد الفاضل الأمير شرف الدين المجاور في النجف الأشرف وهو من مشايخ صاحب البحار ، والسيّد المذكور نقل عن المعمّرين من أهل كربلاء.

وشاهد صدق هذه الدعوى إطلاق العامّة اسم كربلاء على هذا الموضع لأنّهم يستعملون لفظ كربلاء في الحائر ، وهذا الاستعمال وإن كان مجازاً فلا مانع بعد شيوعه من الحمل عليه في مقام جميع الأخبار .. وكان هذا الاستعمال مثبتاً على ألسنة القدماء ومعاصري الأئمّة أو القريبين من عصرهم ، بل ربّما وجد الشاهد على ذلك من أهل أهل البيت عليهم السلام.

وجملة القول : إذا تمّ هذا التقريب فإنّ رفع اختلاف الأخبار يكون سهلاً ، ففي بعضها جاء التعبير بحرم الحسين مثل صحيحة عليّ بن مهزيار ، وفي بعض الأخبار عند قبر الحسين ، وفي غيرها حائر الحسين.

ولا شبهة أنّ المراد من حرم الحسين عليه السلام ليس خصوص تلك البقعة المقدّسة لأنّ سعة الحرم دليل على جلالة صاحبه ، ولا يتلائم ما للحسين من جلالة القدر مع ما لحرمه من الضيق إذا اعتبر خصوص القبّة والمشهد ، وقد سمعت تحديده إلى خمسة فراسخ كما مرّت عليك أدلّة تحديده بفرسخ.

والتعبير عن مكّة والمدينة كما في صحيحة عليّ بن مهزيار بحرم الله وحرم رسوله كما أنّ الكوفة وكربلاء حرم أمير المؤمنين وحرم الحسين ، والتفكيك بين هذه المدن الأربع بإرادة نفس البلدين من الأوّلين والمسجد والقبّة وحدهما من الأخيرين غاية في الركّة ، إذاً الظاهر من هذا الخبر جواز الإتمام في البلد كلّه ، وعند قبر الحسين لفظ مجمل وهو يصدق على الكثير والقليل ، ويختلف المراد منه بحسب اختلاف عبارات الأخبار ، فإذا قالوا مثلاً : أقام عند قبر الحسين ليلاً فلا مانع من إرادتهم كربلاء ، بل الظاهر من أخبار الباب هذا المعنى كما يبيّن ذلك من مراجعتها في الجوامع السبع العظام وغيرها.

ولفظ « الحائر » كما علمت يستعمله العرب في هذا العصر بمعنى كربلاء ، ويستفاد من عبارة السرائر حيث قال : « والمراد بالحائر ما دار سور البلد عليه لأنّ ذلك هو الحائر حقيقة » (65) والتقييد بالحقيقة يدلّ على أنّ الاستعمال على غير وجه الحقيقة ، ويستشمّ هذا المعنى من عبارة القاموس حيث قال : الحائر موضع قبر الحسين ، ومثله الخبر الذي رواه الشيخ قدّس سرّه عن الصادق عليه السلام : من خرج من مكّة أو المدينة أو مسجد الكوفة أو حائر الحسين عليه السلام قبل أن ينتظر الجمعة نادته الملائكة : أين تذهب لا ردّك الله (66). وهو يدلّ على نفس المعنى لأنّ الخروج من القبّة لا معنى له بل المراد الخروج من البلدة المقدّسة.

وجملة القول : إنّ هذا احتمال قويّ وعلى فرض منعه نقول : إنّ الحكم لا يدور مدار ما يصدق عنوان الحائر عليه بل ذكر الحائر من قبيل العنوان الخاصّ الموافق للعام ولا تنافي بينهما ، ويقدّم ظهور خبر عليّ بن مهزيار على غيره وإصالة عدم جواز الإتمام في السفر ينقطع بهذا العموم ، إذاً فالاقتصار على القدر المتيقّن لا وجه له ، والأقوىٰ جواز الإتمام في أرض كربلاء كلّها كما صرّح بذلك النراقي الثاني ومحكي المحقّق في كتاب « السفر » ويحيى بن سعيد ، ويحتمل ذلك من عبارة كامل الزيارات وهو المنقول عن السيّد والإسكافي ، حيث عبّروا بالمشاهد ، وتحقيق هذه المسألة لا يتّسع لها صدر المقام .. وكتبنا هذا المقدار بعنوان الاستطراد ولا حاجة إلى تعيين مراتب الاحتياط حتّى يصل إلى عشرين ذراعاً حول القبر المقدّس بعد مراجعة ما سلف ، والله العالم بحقائق أحكامه.

المطلب الثاني : إكرامنا بسيّد الشهداء ، وهذا على ثلاثة أقسام :

الأوّل : إكرامنا بنعم الوجود ، فما يصل إلى كلّ واحد من هذه النعم فببركة وجوده وجوده عليه السلام.

الثاني : الإكرام بالإسلام والإيمان والعلم والإيقان ، فما جرى من ينبوع الكمال في حياض قلوب أهل اليقين متشعّب من بحر فضله.

الثالث : الخصوصيّات التي نالها المؤمنون من جنابه كثواب البكاء وثواب الرثاء وثواب الإبكاء وثواب الزيارة واستجابة الدعاء تحت قبّته وكون الشفاء في تربته المقدّسة حيث يكون بعضها ببركة وجوده المقدّس لا سيّما ما يصل الشيعة منها ، وتفاصيل هذه النعم تجدها متفرّقة في الكتب المفصّلة ، ولا حاجة للإطناب بعد الالتفات لما ذكرناه من الإجمال حول ذلك.


مقتبس من كتاب : شفاء الصدور في شرح زيارة العاشور / المجلّد : 1 / الصفحة : 405 ـ 435


1. الأنفال : 1.

2. ترك المؤلّف العبارات التي جعلناها بين قوسين فلم يذكرها. ( المترجم )

3. علل الشرايع 1 : 205. ( المترجم ) و 1 : 196 ، وبحار الأنوار 43 : 245 . ( هامش الأصل )

 4. الأحقاف : 15.

 5. تفسير القمّي 2 : 296. ( المترجم ) وبحار الأنوار 43 : 246 ط طهران. ( هامش الأصل )

 6. بحار الأنوار 43 : 247 ط طهران ، كامل الزيارة مثله بحار الأنوار 44 : 233. ( هامش الأصل )

 7. الكافي 1 : 464 باب 116 ، وكامل الزيارة : 57 ، بحار الأنوار 44 : 232 . ( هامش الأصل ) وطابقنا بالكافي وأخذنا الرواية منه ، 1 : 464. ( المترجم )

 8. فهبط جبرئيل على النبيّ صلّى الله عليه وآله فهنّأه كما أمره الله عزّ وجلّ ، فقال له النبيّ صلّى الله عليه وآله : تقتله اُمّتي ؟ فقال له : نعم يا محمّد ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : ما هؤلاء باُمّتي ، أنا بريء منهم ، والله عزّ وجلّ بريء منهم ، قال جبرئيل : وأنا بريء منهم .. الحديث [ الشيخ الصدوق ، كمال الدين وتمام النعمة : 283 ]. ( المترجم ) كمال الدين 1 : 398 ، بحار الأنوار 43 : 248 ، وهذا الحديث أخذه المؤلّف من بحار الأنوار وسمّى الكافي خطأً بدلاً من كمال الدين للصدوق. ( هامش الأصل )

 9. الكافي 6 : 265. ( المترجم ) الكافي 6 : 265 باب 18 حديث 1. ( هامش الأصل )

 10. كامل الزيارة : 285 باب 95 ، علل الشرايع : 532 ط النجف ، بحار الأنوار 101 : 129. ( هامش الأصل )

 11. الكافي 6 : 266 باب 18 و 378 كتاب 24 باب 143 ذيل حديث 2.

 12. تهذيب الأحكام 9 : 89 باب 2 حديث 112.

 13. الأمالي 1 : 326 ، بحار الأنوار 101 : 120 رقم 7.

 14. كامل الزيارة : 286 باب 96. ( هامش الأصل ) وص 479. ( المترجم )

 15. عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 96. ( المترجم ) 1 : 104 حديث 6 وبحار الأنوار 101 : 118. ( هامش الأصل )

 16.

 شبى در يك عبادتگاه مُهرى

ز يارى باصفا آمد بدستم

چو گل بوئيدم وبوسيدم او را
هنوز از عطر روح افزاش مستم

بگفتم از كدامين خاك پاكى
كه دل اى مُهر بر مهر تو بستم

بگفت از تربت پاك حسينم
كه در دامان احسانش نشستم

كمال همنشين در من اثر كرد
وگرنه من همان خاكم كه هستم

 ( المحقّق )

 والأبيات المنظومة بالفارسيّة تكرّر معناها كثيراً ولكن رأيت أن أنقل صورة منها بالعربيّة تقرب من معناها وإن لم تستوعبه :

 تناولت من كفّ الحبيب بمسجدِ
تراباً عليه الخلق لله تسجدِ وقبّلته

لمّا شممت عبيره
عبيراً يغار الورد منه ويحسد

فأسكر روحي العطر حتّى سمّىٰ بها
إلى دارة الأفلاك يعلو وتصعد

فقلت له من أيّ ترب مطهّر
إلى عطره الأكباد تهفو وتعقد فقال

أنا من تربة الطفّ بضعة
وإنّي لعين الدهر كحل وأثمد

تراب حسين طهّر الله قدسه
تراب به باهى النبيّ محمّد حضنت

حسيناً فامتزجت بطيبه
فأيّ وجود من وجودي أسعد

ولولا كمال نلته بجواره
فما أنا إلّا رملة تتبدّد

 ( المترجم )

 17. مابين القوسين عبارة الرواية وأعرض عنها المؤلّف فذكرنا بعدها عبارته : ص 479.

18. كامل الزيارة : 467. ( المترجم ) وص 280 و 93. وبحار الأنوار 101 : 126. ( هامش الأصل )

 19. تهذيب الأحكام 6 : 74. ( المترجم ) كامل الزيارات : 282 باب 93 ، مصباح الطوسي : 512 ، بحار الأنوار 101 : 139 ، التهذيب 6 : 74 باب 22. ( هامش الأصل )

 20. تهذيب الأحكام 6 : 74 و 75 واللفظ له. ( المترجم ) كامل الزيارات : 282 باب 93 ، تهذيب الأحكام 2 : 26 ، أمالي ابن الشيخ : 201 ، الوسائل أبواب المزار : 411 ، بحار الأنوار 101 : 118. ( هامش الأصل )

 21. المزار الكبير : 119 ، بحار الأنوار 101 : 132 ط طهران. ( هامش الأصل )

22. إنّ أوّل من صنع تربة للسجود عليها من قبر الحسين عليه السلام ومسبحة الإمام زين العابدين. [ منتهى الآمال : 29 باب شهادة عليّ بن الحسين عليه‌السلام ]. ( المحقّق )

 23. تهذيب الأحكام 6 : 75. ( المترجم ) نفسه وبحار الأنوار 101 : 132 رقم 61. ( هامش الأصل )

 24. كناية عن صاحب الزمان. ( المؤلّف )

25. التهذيب 6 : 75. ( المترجم ) نفسه وبحار الأنوار 101 : 133 رقم 62. ( هامش الأصل )

 26. التهذيب 6 : 76. ( المترجم ) نفسه وبحار الأنوار 101 : 133. ( هامش الأصل )

 27. الشهيد الأوّل ، الذكرى : 66.

 28. من لا يحضره الفقيه 1 : 268. ( المترجم ) 1 : 86 ، الوسائل 2 : 207 باب استحباب السجود على تربة الحسين عليه السلام.

 29. الاحتجاج 2 : 489. ( المترجم ) مصباح الطوسي : 514 ، بحار الأنوار 101 : 135 ، الاحتجاج : 274 ، الوسائل باب الصلاة 2 : 608. ( هامش الأصل )

 30. مصباح المتهجّد : 733 و 734. ( المترجم ) نفسه : 511 ، بحار الأنوار 101 : 135 رقم 74 ، الوسائل ، الصلاة ، أبواب ما يسجد عليه 1 : 608 ، والرواية في مصباح الطوسي وأخطأ المصنّف في نسبتها إلى التهذيب. ( هامش الأصل )

 31. الإرشاد : 141 ، الوسائل : باب استحباب السجود على تراب قبر الحسين عليه السلام 11 : 605. ( هامش الأصل )

 32. مرّ عليك أنّ العبارة هي غرق لا خرق ، ولعلّ الحقّ مع المؤلّف. ( المترجم )

 33. يقول الفلاسفة : الفضيلة وسط بين رذيلتين فلا مناص من وجود ضدّ آخر للعدالة وهو الغلوّ بها حتّى تخرج عن حدّ الاعتدال. ( المترجم )

 34. ألمّت الترجمة بمجمل المعنى وليست حرفيّة لأنّ ذلك صعب المنال إلّا على من يتفرّغ لها ويبذل وسعه في هذا السبيل. ( المترجم )

 35. بحار الأنوار باب الأدعية والمناجاة 94 : 99 ط طهران ، مفاتيح الجنان أعمال شعبان المشتركة. ( هامش الأصل )

36. قسم من هذا الشعر مذكور في ديوان المؤلّف : 344. ( هامش الأصل )

37. بحار الأنوار 53 : 95. ( المترجم ) مصباح الطوسي : 574 ، الإقبال : 185 ، بحار الأنوار 101 : 347. ( هامش الأصل )

38. كامل الزيارات : 459. ( المترجم ) نفسه : 273 باب 90 ، بحار الأنوار 101 : 112. ( هامش الأصل )

 39. عدّة الداعي : 57. ( المترجم ) نفسه : 36 ، الوسائل أبواب المزار : 421 باب 76 حديث 2. ( هامش الأصل )

40. كامل الزيارات : 252. ( المترجم ) نفسه وبحار الأنوار 101 : 83. ( هامش الأصل )

 41. كامل الزيارات : 135 من حديث طويل. ( المترجم ) نفسه : 251 ، بحار الأنوار 101 : 82. ( هامش الأصل )

 42. ما وضعناه بين الأقواس هو من نثر المؤلّف العربي. ( المترجم )

 43. ديوان المؤلّف : 58.

 44. أمالي الطوسي : 317. ( المترجم ) نفسه : 201 ، الوسائل كتاب الحجّ أبواب المزار : 329 حديث 34. ( هامش الأصل )

 45. عُدّة الداعي : 57. ( المترجم ) نفسه : 35 ، الوسائل أبواب المزار : 421 باب 76. ( هامش الأصل )

 46. كامل الزيارة : 150 باب 61 ، بحار الأنوار 101 : 46 ، الوسائل أبواب المزار : 335. ( هامش الأصل )

47. كامل الزيارة : 151. ( المترجم ) نفسه : 5 وبحار الأنوار 101 : 47. ( هامش الأصل )

 48. بالإسناد عن هيثم بن عبدالله الرمّاني ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام عن أبيه عليه السلام : قال أبو عبدالله جعفر بن محمّد الصادق عليهما السلام : لا تحسب من أعمارهم ولا تُعَدُّ من آجالهم. [ كامل الزيارة : 136 باب 51 ]

49. لسان العرب ، مادة حير. ( المترجم )

 50. كامل الزيارات : 113. ( المترجم ) نفسه : 112 ، بحار الأنوار 101 : 106 ، التهذيب 6 : 72 ، بحار الأنوار 6 : 108. ( هامش الأصل )

51. الكافي 4 : 588 واللفظ له. ( المترجم ) كامل الزيارة : 272 ، مصباح المتهجّد : 509 ، مصباح الكفعمي : 508 ، الكافي 4 : 580 ، ثواب الأعمال : 85 ، بحار الأنوار 101 : 110. ( هامش الأصل )

 52. كامل الزيارات : 271. ( المترجم ) بحار الأنوار 101 : 111. ( هامش الأصل )

 53. بحار الأنوار 101 : 111 رقم 27 و 28. ( هامش الأصل )

 54. الرواية في التهذيب 4 : 225 وليس فيه ذكر الصدوق. ( المترجم ) نفسه 6 : 72 ، بحار الأنوار 101 : 116. ( هامش الأصل )

 55. التهذيب 6 : 72. ( المترجم ) نفسه وبحار الأنوار 101 : 116. ( هامش الأصل )

56. كامل الزيارة : 271 والرواية عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام. ( المترجم ) عن أبي عبدالله عليه السلام : فرسخ في فرسخ من أربعة جوانبه. كامل الزيارة ، المصباح ، بحار الأنوار 101 : 111 رقم 25 و 26 وص 114 رقم 35. ( هامش الأصل )

 57. كامل الزيارة : 275 ، مكارم الأخلاق : 189 ، بحار الأنوار 101 : 124 رقم 20 و 21.

 58. كامل الزيارة : 280 ، بحار الأنوار 101 : 127 حديث 23 . ( هامش الأصل )

 59. الكافي 4 : 588 ، كامل الزيارة : 285 ، مصباح الطوسي : 510 ، مصباح الزائر : 136 ، بحار الأنوار 101 : 130 رقم 50 ـ 53. ( هامش الأصل )

 60. كامل الزيارة : 281 و 136 ، بحار الأنوار 101 : 131 رقم 55. ( هامش الأصل )

 61. بحار الأنوار 101 : 131 رقم 54. ( هامش الأصل )

62. كامل الزيارات : 270 ، بحار الأنوار 101 : 110 رقم 17 : وأشهد أنّها تربة الحسين شفاء من كلّ داء.

 مكارم الأخلاق عن أبي عبدالله عليه السلام : 189 ، بحار الأنوار 101 : 132 رقم 6 ، مصباح الطوسي : 511 ، مصباح الزائر : 136 عن الصادق أنّ تربة الحسين من الأدوية ، بحار الأنوار 101 : 135 رقم 73 ، المزار الكبير عن الإمام الباقر عليه السلام قال : عليك بتربة الحسين عليه السلام ... بحار الأنوار 101 : 138 رقم 83 ، أمالي الطوسي 1 : 326 عن الصادق عليه السلام أنّ الله جعل تربة جدّي الحسين شفاءاً من كلّ داء ، بحار الأنوار 101 : 119 ، أمالي : 201 ، بحار الأنوار 44 : 221 محمّد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر وجعفراً بن محمّد يقولان : عوّض الحسين من قتله أن جعل الإمامة في ذرّيّته والشفاء في تربته ...

 63. التهذيب 6 : 72 ، مصباح الطوسي : 509 ، بحار الأنوار 101 : 112.

 64. السرائر : 78 ، بحار الأنوار 101 : 117.

65. والمراد بالحائر ما دار سور المشهد والمسجد ـ السرائر. ( هامش الأصل ) تجد العبارة في السرائر ضدّ ما قاله المؤلّف : والمراد بالحائر سور المشهد والمسجد عليه دون ما دار سور البلد عليه لأنّ ذلك هو الحائر حقيقة [ 1 : 342 ]. ( المترجم )

 66. التهذيب 2 : 37 ، الوسائل أبواب المزار باب 78 ص 426. ( هامش الأصل )

 

 

أضف تعليق

زيارة عاشوراء

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية

ثلاثة + سبعة =