ما المراد من قول أمير المؤمنين عليه السلام : ... تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ فَوَاللهِ مَا كَانَ يُلْقَى ...

البريد الإلكتروني طباعة

السؤال :

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على محمّد وآل محمّد وعجّل فرجهم

السادة العلماء المشرفين على الموقع السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، دمتم بالعزّ والهنا.

ارفع إلى مقامكم العالي السؤال والاستفار الآتي ، ونأمل من جنابكم الإجابة والتوضيح والتوجيه في الفهم سؤالي عن كلام مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه في نهج البلاغة ، باب المختار من كتب مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، رقم 62 من كتاب له صلوات الله عليه إلى أهل مصر مع مالك الأشتر ، لما ولّاه إمارتها :

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً ـ صلّى الله عليه وآله ـ نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ وَمُهَيْمِناً عَلَى الْمُرْسَلِينَ فَلَمَّا مَضَى ـ عليه السلام ـ تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ فَوَاللَّهِ مَا كَانَ يُلْقَى فِي رُوعِي وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِي أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ ـ صلّى الله عليه وآله ـ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَلَا أَنَّهُمْ مُنَحُّوهُ عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ فَمَا رَاعَنِي إِلَّا انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلَانٍ يُبَايِعُونَهُ فَأَمْسَكْتُ يَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَيْنِ مُحَمَّدٍ ـ صلّى الله عليه وآله ـ فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَتِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَزَهَقَ وَاطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهْنَهَ.

وأمّا السؤال : في هذة الخطبة كلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه يتقاطع مع ما حدث ، فلم يزح الباطل ، ولم يمت ، والدين لم يطمئن ، ولم يثبت ويستقرّ ، بل دين حزب السقيفة هو الذي ثبت واستقرّ بلا إمامة الهدى ، إمامة أمير المؤمنين صلوات الله عليه ؛ فان كان المقصود عليه السلام : « حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَيْنِ مُحَمَّدٍ ـ صلّى الله عليه وآله ـ » ، قيام مسيلة الكذّاب ومدّعي النبوّة وأشباه ذلك ؛ فقد تآمر على الإسلام من هو أخطر من مسيلمة الكذّاب ، كما توضحة الزيارة الجامعة : « حَتّى نَقَضُوا عَهْدَ المُصْطَفى فِي أَخِيهِ عَلَمِ الهُدى وَالمُبَيِّنِ طَرِيقَ النَّجاةِ مِنْ طُرُقِ الرَّدى ، وَجَرَحُوا كَبِدَ خَيْرِ الوَرى فِي ظُلْمِ ابْنَتِهِ وَاضْطِهادِ حَبِيبَتِهُ وَاهْتِضامِ عَزِيزَتِهِ بَضْعَةِ لَحْمِهِ وَفِلْذَةِ كَبِدِهِ ، وَخَذَلُوا بَعْلَها وَصَغَّرُوا قَدْرَهُ وَاسْتَحَلُّوا مَحارِمَهُ وَقَطَعُوا رَحِمَهُ وَأَنْكَرُوا أُخُوَّتَهُ وَهَجَرُوا مَوَدَّتَهُ وَنَقَضُوا طاعَتَهُ وَجَحَدُوا وِلآيَتَهُ وَأَطْمَعُوا العَبِيدَ فِي خِلافَتِهِ وَقادُوهُ إِلى بَيْعَتِهِمْ مُصْلِتَةً سَيُوفَها مُقْذِعَةً أَسِنَّتَها ، وَهُوَ ساخِطُ القَلْبِ هائِجُ الغَضَبِ شَدِيدُ الصَّبْرِ كاظِمُ الغَيْظِ يَدْعُونَهُ إِلى بَيْعَتِهِمُ الَّتِي عَمَّ شُؤْمُها الإسْلامَ وَزَرَعَتْ فِي قُلُوبِ أَهْلِها الاثامِ ، وَعَقَّتْ سَلْمانَها وَطَرَدَتْ مِقْدادَها وَنَفَتْ جُنْدُبَها وَفَتَقَتْ بَطْنَ عَمّارِها ، وَحَرَّفَتِ القُرْآن وَبَدَّلَتِ الاَحْكامَ وَغَيَّرَتْ المَقامَ وَأَباحَتِ الخُمْسَ لِلْطُّلَقاءِ وَسَلَّطَتْ أَوْلادَ اللُّعَناءِ عَلى الفُرُوجِ وَالدِّماءِ وَخَلَطَتِ الحَلالَ بِالحَرامِ وَاسْتَخَفَّتْ بِالإيْمانِ وَالإسْلامِ ، وَهَدَّمَتْ الكَعْبَةَ وَأَغارَتْ عَلى دارِ الهِجْرَةِ يَوْمَ الحَرَّةِ وَأَبْرَزَتْ بَناتَ المُهاجِرِينَ وَالاَنْصارِ لِلْنَّكالِ وَالسَّوْرَةِ وَأَلْبَسَتْهُنَّ ثَوْبَ العارِ وَالفَضِيحَةِ ، وَرَخَّصَتْ لاَهْلِ الشُّبْهَةِ فِي قَتْلِ أَهْلِ بَيْتِ الصَّفْوَةِ وَإِبادَةِ نَسْلِهِ وَاسْتِئْصالِ شَأْفَتِهِ وَسَبْيِ حَرَمِهِ وَقَتْلِ أَنْصارِهِ وَكَسْرِ مِنْبَرِهِ وَقَلْبِ مَفْخَرِهِ وَإِخْفاءِ دِينِهِ وَقَطْعِ ذِكْرِهِ » ؛ فلا باطل قد زاح ، ولا دين أطمأنّ وتنهنه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجواب :

ما ذكرته هو الصحيح.

مراد الإمام عليه السلام على تقدير صحّة نسبة الكتاب إليه ، هو إزاحة الباطل وثبوت الحقّ في الجملة لا بالجملة ، حيث انّ الإمام عليه السلام كان يرى ان له خيارين :

الأوّل : ان يطالب بحقّه الإلهي في الإمامة والولاية والخلافة ؛ فيرجع أكثر الناس عن الاسلام ، حيث كان يعلم انّ في صدور القوم ـ وهم حديثوا عهد بالإسلام ـ أحقاد بدريّة واُحديّة وخيبريّة وحنينيّة ؛ فقد قتل آباءهم وأجدادهم وإخوانهم وبني عمومتهم حتّى استقرّ أساس الاسلام ، فلم يكونوا يطيقون حكمه وإمامته ، ولأجل ذلك بايعوا غيره وقدّموه عليه. مضافاً إلى انّه كان يرى اليهود والمشركون والمنافقون يتربّصون الدوائر بالمسلمين بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وآله ، وكانوا ينتظرون وقوع الحرب بين المسلمين حتّى يتمكّنوا من القضاء عليهم ، ولأجل ذلك عرض أبوسفيان نصرته ونصرة بني اُميّة على الإمام علي عليه السلام ، لا لأجل حبّه لعلي عليه السلام وميله إليه ، بل لأجل ان يقع خلاف ونزاع شديد بين المسلمين ، ويحصل الضعف في صفوفهم ، ويتمكّن من القتال معهم ، وينتصر هو وحزبه عليهم ، فيقضى على الاسلام والمسلمين ، ويرجع الناس إلى جاهليّتهم ؛ وقد عرف الإمام عليه السلام نواياه الخبيثة ، فردّه أشدّ الردّ.

الثاني : ان لا يقوم بكفاح مسلّح ضدّ غاصبي الخلافة ، فيقع الناس في ضلالة ، لكن يحفظ أصل الاسلام وبيضته.

وقد اختار الخيار الثاني ، فلم يجاهدهم ولم يحاربهم كي لا يقع حرب بين المسلمين ، ولا يحصل ضعف يستغلّه الكفّار والمنافقون.

ولحرصه الشديد على حفظ كيان الاسلام لم يأل جهداً في حلّ مشاكل المسلمين ، وردّ شبهات اليهود والكفّار ، وإبطال كيدهم ومكرهم ضدّ الاسلام والمسلمين ؛ فهذا هو مراده من إزاحة الباطل ، أيّ الحيلولة دون وقوع الارتداد الجماعي عن الاسلام ، ورجوع الناس إلى جاهليّتهم بسبب صبره وتحمّله وتدبيره.

وقد ورد في الرواية عن الباقر عليه السلام قال : « انّ علياً عليه السلام لم يمنعه من ان يدعو الناس إلى نفسه إلّا انّهم إن يكونوا ضلالاً لا يرجعون عن الإسلام أحبّ إليه من ان يدعوهم فيأبوا عليه فيصيرون كفّاراً كلّهم ».

وعن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا قال : قلت لأبي عبدالله الصادق عليه السلام : لم كفّ علي عليه السلام عن القوم ؟

قال عليه السلام : « مخافة ان يرجعوا كفّاراً ».

وعن زرارة قال : قلت لأبي عبدالله عليه السلام : ما منع أميرالمؤمنين عليه السلام ان يدعو الناس إلى نفسه ؟

قال عليه السلام : « خوفاً ان يرتدّوا ».

قال علي بن حاتم : واحسب في الحديث « ولا يشهدوا انّ محمّداً رسول الله ».

 
 

أضف تعليق


نهج البلاغة

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية