تناقض القائلين بالشورى في الحكم هو الذي شيّعني

البريد الإلكتروني طباعة

تناقض القائلين بالشورى في الحكم هو الذي شيّعني

صالح ... صديق من الأصدقاء الذين عرفتهم بعد استقراري بمدينة قابس ، واتّخذته صديقاً بعد أنْ عرفت فيه أكثر من ميّزة وخصلة ، لعلّ أهمها على الإطلاق صبره وأناته وامتلاكه لنفسه عند الغضب ، ممّا أعطاه مكانة متميّزة ليس عندي فقط ، بل عند كلّ الناس الذين يزنون الحياة بميزان العقل ، استبصر نتيجة بحوث ومقارنات ، أفضت به إلى معرفة حقيقة الحكومة الإسلاميّة ، وصفتها بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله ، ولولا ما ميّز نفسه من تعقّل وصبر وهدوء ، لما أمكنه أنْ يصل إلى معرفة حقيقة نظام الحكم في الإسلام لوحده.

دعوته إلى الحضور ; ليقدّم لنا أطوار تساؤلاته ، ونتائج بحوثه ، بخصوص المسألة التي دفعت به إلى اعتناق إسلام الشيعة الاماميّة الاثني عشريّة ، فقبل الدعوة ، وجاء ملبّيا نداء الواجب ; لعلّه يقدّم جزءاً من الجميل إلى أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، على ما قدّموه من أجل هذا الدين الخاتم ، ولمّا جاء دوره في الحديث قال :

منذ أنْ كنت حدثاً ، وفي بداية اعتناقي للإسلام ، راودتني أسئلة عديدة حول الدين ، وما تعلّق به من مسائل مصيريّة وحسّاسة ، لم تدفعني إلى البحث إلّا بعد أنْ وصلتُ إلى المرحلة الختاميّة من التعليم الثانوي ، بسبب البرنامج الذي خصّص لنا في مادة التربية الإسلاميّة ، والذي تناولت بعض دروسه عصر ما سمّي بالخلافة الراشدة ، وكان الدرس الأوّل متضمنا فترة وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله وحادثة السقيفة ، وقد خلص الدرس ، وانتهت مداخلة الأستاذ تعقيباً على ذلك ، إلى اعتبار أنّ الإسلام لم يأخذ مسألة الحكومة بعين الاعتبار ، لا من حيث مبدأ التعيين ، ولا من حيث شروط الاختيار ، وقد ترك أمرها للناس شورى بدليل قوله تعالى : ( وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا ) (1) وقوله أيضاً : ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) (2).

لكنّ عقلي رفض أنْ يتقبّل فكرة الأستاذ ، في ترك مسألة الحكومة الإسلاميّة للناس ، فرفعت يدي إليه ، ولمّا أذن لي في الكلام قلت له : إذاً ، يمكن القول بأنّ الدين الإسلاميّ ، لا يملك في منظومته التي صرّح الوحي بتمامها وكمالها ، في قوله تعالى : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (3) وقوله : ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) (4) نظاماً للحكم فيه ؟ ممّا يعتبر متناقضاً مع البيان الذي صرّحت به الآيتان.

فردّ علي الأستاذ قائلاً : للأسف الشديد أن الاعتقاد بفصل الدين عن أداة الحكم ، يتناقض مع تمام الدين وكماله وشموليّته ، إلّا أنّنا عندما نتناول بالقراءة والتحليل مرحلة ما بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله ، نجد أنّه لم يثبُت نصّ واضح وصريح تعلّق بنظام الحكم في الإسلام ، سوى ما جاء من تطبيق لمبدأ الشورى ، مُجسّداً في حادثة سقيفة بني ساعدة ، والتي انبنى على أساسها نظام الخلافة الإسلاميّة.

قلت : إلّا ترى أن هذه القراءة قد تأسّست على نمط تبريري لأحداث قد وقعت ، ونُظر إليها على أساس أنّها انعكاس صحيح لمفهوم الحكومة الإسلاميّة ؟

قال : هذا ممّا أوحت به الأحداث التي أعقبت وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله ، والتي لم تترك مجالاً للقول بأنّ التشريع قد ترك نظام حكم إسلامي واضح المعالم ، وفي غياب الأدلّة الواضحة على نمط الحكومة الإسلاميّة ، اُعتمد على اجتهادات السلف الصالح للأمّة على أساس سلامة مرجعيّته في ذلك المجال.

قلت : إذاً ، فنظام الحكم في الإسلام بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله لم يكن واضحاً لدى الأمّة ؟

قال : نعم ، في ما عدا الأساس الشوروي الذي أكّده القرآن الكريم ، وعفي عن كيفيّته ومداه وطريقة إقامته.

قلت : إذاً ، عدنا إلى مبدأ الشورى من حيث كونه نظاما عامّاً للحكم في الإسلام ، فإنّنا نجد أن الشورى لا يمكنها أن تشمل التشريع الإلهي ; لأنّها أحكام غير قابلة للأخذ والرد ، فأين ترى يمكن تطبيق هذا المبدأ ؟

قال : في مسألة اختيار وليّ أمور المسلمين مثلاً.

قلت : فهل وقع تطبيق مبدأ الشورى على حقيقته في هذا المنصب ؟

قال : نعم ، ولكن بضرب من النسبيّة ، إذا نحن أخذنا شورى سقيفة بني ساعدة ، وباعتبار أنّ المدينة تعتبر عاصمة المسلمين ، ومركزهم السياسي ، وثقلهم الاجتماعي والاقتصادي والعسكري ، فإنّ سكّانها يعتبرون أهل الحلّ والعقد ، وقراراتهم غير قابلة للرّد أو الرفض.

قلت : طالما أنّ الشورى هي الوسيلة الوحيدة لاختيار وليّ أمر المسلمين وحاكمهم ، فلماذا وقع التخلّي عنها سريعاً ؟

قال : وكيف ذلك ؟

قلت : عندما مات أبو بكر أوصى إلى عمر بن الخطاب ، وكان الكاتب للوصيّة عثمان بن عفان.

قال : لكنّ هنالك رواية تقول : إنّ الخليفة الأول قد أجرى مشورة حول من يكون أهلاً للحكم بعده ، فوجد أكثر الصحابة ميلاً إلى عمر.

قلت : وعلى افتراض أنّ الصحابة كانوا بذلك الميل ، فلماذا لا يتركهم يُتمّمون رغبتهم وحدهم ، ويختارون بأنفسهم بعد موته ، طالما أنّ النبي صلّى الله عليه وآله لم يختر في حياته أحداً ؟ ولماذا تحسّر عمر على فقد صاحب السقيفة الثالث ، أبو عبيدة بن الجراح ، ولو بقيَ حيّاً لولّاه ؟ (5) ولماذا تحسّر بعد ذلك على فقد سالم مولى أبي حذيفة ، الذي كان الساعي لهم بالأخبار من داخل المدينة ، ولو كان حيّاً لولّاه ؟ (6) ولماذا ضيّق عمر الشورى إلى ستّة أشخاص ، وجعل عبد الرحمان بن عوف الفيصل في اختيار الخليفة ؟ (7)

قال : كلّ ذلك أوجده الحرص على سلامة الدولة الفتيّة من أطماع الأعداء ، وكانت تلك اجتهادات مأجورة من قبل أناس هم أهل للاجتهاد.

قلت : فهل كان هؤلاء أحرص من النبيّ صلّى الله عليه وآله ؟

قال : بل إنّ اجتهادهم هو نابع من التربيّة التي ربّاهم عليها النبيّ صلّى الله عليه وآله.

قلت : وهل يوجد تصوّر آخر لنظام الحكم في الإسلام بخلاف هذا التصوّر ؟

قال : يوجد تصوّر آخر خلاف ما نعتقده نحن أهل السنّة والجماعة ، وهو عقيدة الشيعة في النصّ على إمامة عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه والأئمّة من ولده ، وهؤلاء يبنون تصوّرهم على نصوص رأوا فيها بياناً واضحاً يؤكّد عندهم على إمامة أهل البيت رضي الله عنهم.

قلت : وهل انفردت تلك الطائفة بنصوصها وبتأويل تلك النصوص ؟

قال : لا ، فكلّ ما استدلّوا به من نصوص موجودة عندنا ، وهي مدوّنة في أُمّهات كتبنا المعتمدة ، أكثرها صحيح من طرقنا ، وأسانيد رواتنا.

قلت : طالما أنّ النصوص مشتركة النقل ، فلماذا اختلف في مقاصدها ومعانيها ؟

قال : بسبب التأويل الذي سلكه العلماء ، في تحديد معاني المفردات التي وردت في أحاديث النبيّ صلّى الله عليه وآله.

قلت : ولم يكن هناك سبب آخر أسهم في خلق ضبابيّة حالت دون بلوغ مقاصد تلك الأحاديث ؟

قال : ربّما تأخّر تدوين أحاديث النبيّ صلّى الله عليه وآله ، هو الذي أسهم بشكل كبير في خلق حالة من سوء الفهم والتأويل الخاطىء لبعض المصطلحات التي تكلّم بها النبيّ صلّى الله عليه وآله.

إلى هنا انتهى حديث الأستاذ ، ومنه انطلقت في أفق السنّة النبويّة ، والتاريخ ، والسيرة ، أبحث عن قرينة تمكّنني من التعرّف على نظام الحكم الإسلامي الصحيح ، وكان عَلَيّ أوّلاً أنْ أتعرّف على تفاصيل السيرة النبويّة العطرة ، لكنّني اصطدمت منذ الخطوة الأولى بعائق كبير ، تمثّل في طعن الرواة والحفّاظ بعضهم بعضاً ، الأمر الذي دفع المحقّقين إلى التشكيك في صدقيّة أكثر الحفّاظ ، للدور الكبير الذي لعبه سلاطينهم ، في إذكاء روح التفرقة وغرس أسباب الفتنة بين المسلمين ، وفي إجبار عدد كبير من علماء السلطان على تجاهل عدد من الحقائق ، أو توهينها ، والسكوت عنها ، ومن بين تلك الحقائق ، حادثة هامّة ومصيريّة إن صحّ وقوعها ، فإنّها قد تعصف بكلّ البناء الذي أسّسه الاتّجاه الشوروي في الحكم بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله ، الحادثة كما أُخبر عنها ، تمثّلت في أمر النبيّ صلّى الله عليه وآله بتجهيز جيش من الصحابة لمحاربة الروم ، وقد عقد رسول الله صلّى الله عليه وآله ، بيديه الشريفتين لواء تلك السريّة ، وأمّر عليها أسامة بن زيد ، وأشرك فيها كما نصّ على ذلك أغلب أصحاب السيرة والتاريخ ، ووجوه الصحابة منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهم.

لم أجد خلافاً حول بعث أسامة بن زيد في التواريخ والسير ، ولا وجدت عدم توافق في أسماء الذين ذكروا في ذلك التجهيز ، الخلاف الوحيد الذي نشأ تمثّل في اختلاف المحدّثين عن ردّة فعل النبيّ صلّى الله عليه وآله حيال ذلك التمرّد والتقاعس على تأميره لأسامة ، هل لعن المتخلّف عن الجيش ، أو لم يلعنه ؟ (8)

ومهما يكن من أمر ذلك اللعن بالنسبة لي ، سواء صدر أم لم يصدر ، فإنّ مجرد الوقوع في معصية النبيّ صلّى الله عليه وآله تستوجب اللعن والبراءة ، والنعت بالضلال ، قال تعالى : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا ) (9) فقد وقفت على حقيقة وقوع ذلك التعيين ، وقلت في نفسي ، بعد أن وجدت أمامي ازدواجيّة في تواجد عدد من الصحابة المعيّنين من النبيّ صلّى الله عليه وآله في جيش أسامة ، الذين يفترض أن يكونوا خارج المدينة بالجرف ، حيث عسكر أسامة بجيشه ليستكمل عدّته وعدده ، غير أنّ الحاصل خلاف ذلك ، فكان عمر يتوسط جماعة من الصحابة في حجرة النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وعلى مرأى ومسمع منه ، يتصدّى لأمره في كتابة وصيّته ، ويتقوّل عليه بالهذيان ، ويتهمه بالهجر (10) ، وإذا بأبي بكر في المسجد يصلّي بالناس ، فهل استثناهما النبيّ صلّى الله عليه وآله من ذلك الجيش ؟ أو أنّ في الأمر سرّاً مخفيّاً آخر ؟

ولمّا لم يذكر المؤرّخون لذلك الاستثناء أصلاً ، وظهر ما يدعو إلى القول بافتعال أبي بكر ومن كان معه الصلاة بالناس ، لبلوغ غاية ما ، فقد ظهرت بعض الروايات تنوء بتحريف عجيب ، وتحكي حالة فريدة من نوعها في صلاة الجماعة ، في محاولة للتعمية على حقيقة تنحية أبي بكر عن إمامة الصلاة ، فقالوا : صلّى أبو بكر مقتدياً بالنبيّ ، وصلّى الناس مؤتمين بأبي بكر (11) ، فلم أتقبل رواية الصلاة بإمامين ، كما لم يقبل عقلي أن يقتدي الناس بأبي بكر ، ويتركون النبيّ صلّى الله عليه وآله ، في حين أنّ الحقيقة المطموسة تقول : لقد وقعت تنحية أبي بكر عن إمامة الصلاة بالناس ، في وقت ظنّ هو وجماعته أنّ النبي صلّى الله عليه وآله ، لم يعد باستطاعته أنْ يستفيق من إغمائه ، ولا أنْ يعي بما يدور حوله ، فيكون ذلك التقديم وتلك الإمامة ، مبرّراً على طريق استلام الحكم ، وحجّة تمكنه من الادّعاء بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله أمره بالصلاة بالناس.

كما ظهر من خلال تتبّعي لسيرة النبيّ صلّى الله عليه وآله في تعامله مع إمامة الصلاة ، أنّه صلّى الله عليه وآله لم يكن يُعيّن أحداً يُصلّي بالناس في غيابه ، وقد كانت كلمته دائماً : « مروا مَنْ يُصلّي بالناس » (12) وذلك بناء على قاعدة الأعلميّة والتفقّه ، وليس على القاعدة التي اعتمدها أهل الجاهليّة في تنصيب زعمائهم ، وهي اعتبار كبر السن والمكانة الاجتماعيّة والماليّة ، مع أنّه صلّى الله عليه وآله في حياته الشريفة كان ملتفتاً إلى مسألة الإمارة في غيبته عن المدينة ، فأهميّتها كمنصب حسّاس وخطير ، كانت تحتّم عليه تنصيب من يخلفه عليها في غزواته وسفراته ، فعيّن فيمن عيّن عليّاً ، ولم يعيّن أحداً من الذين تولّوا الحكم قبله ، وذلك يدلّ على استحقاقه للإمارة قبل هؤلاء جميعاً.

إحدى الحقائق التي قفزت إلى فكري ، جاءت نتيجة مقارنة بين موقفين وقفهما مؤسّس الانقلاب على إمامة عليّ عليه السلام ، ألا وهو الخليفة عمر بن الخطاب ، ففي غزوة أحد فرّ الرجل مع من فرّ من الصحابة (13) عندما اعتقدوا بمقتل النبيّ صلّى الله عليه وآله ، لمّا راجت إشاعات أكّدت ذلك ، ففي تلك اللحظة وفي ذلك اليوم صدّق عمر أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قد قتل ، وكان من ضمن الفارّين ، واقفاً على صخرة في أعلى الجبل يدرأ عن نفسه غيلة القتل. وعقيدته بأنّ النبيّ بشر يمكن موته وقتله ، هي التي كانت الدافع وراء فراره في محاولة منه للنجاة بنفسه.

والموقف الثاني ، عندما بلغته وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله ، فما كان منه إلّا أنْ سلّ سيفه ، ووقف أمام الوافدين على بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله ، لاستجلاء الخبر ، وإظهار الفجيعة والحزن ، قال : والله ! ما مات رسول الله صلّى الله عليه وآله ; ولا يموت ، حتّى يقطع أيدي أناس من المنافقين كثير ، وأرجلهم ، فقام أبو بكر فصعد المنبر فقال : من كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لم يمت ، ومن كان يعبد محمّداً فإنّ محمّداً قد مات ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) (14) قال عمر : فَلَكأنّي لم أقرأها إلّا يومئذ » (15).

فلم يهدأ الرجل من تهديده ، ولا انقطع وعيده ، ولا سكنت دعايته الغريبة والعجيبة ، إلّا عندما أقبل صاحبه ابن أبي قحافة من خارج المدينة ، وقال كلمته التي أعادت لعمر رشده ، وأطلعته على حقيقة موت النبيّ صلّى الله عليه وآله.

وبالاطلاع على الموقفين لعمر تبيّن لي تناقضهما ; لأنّ موقف قبول مقتله على أيدي المشركين ، وتسليمه بذلك ، وفراره عند سماعه لذلك النبأ ، يختلف تمام الاختلاف مع ما صدر منه عند سماعه لنبأ وفاة النبي صلّى الله عليه وآله ، وتحقّقه من تلك الوفاة بقدومه إلى بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وإشهاره السيف أمامه.

فهمت قطعاً ، وفهم كلّ عاقل مرّت عليه هذه الاستنتاجات ، أنّ عمر كان يدرك جيّداً وقوع الموت على النبيّ صلّى الله عليه وآله وعلى كلّ الناس ، ولشدّة إدراكه لموت النبيّ صلّى الله عليه وآله ، جاء هروبه ، ووقع فراره من أحد لمجرّد إشاعة تناهت إلى أسماعه ، مع أنّه قد يكون من الذين تحدّث عنهم الحلبي الشافعي في سيرته المعروفة بالسيرة الحلبية ، حيث ذكر أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان يناديهم : إليّ يا فلان إليّ يا فلان ، أنا رسول الله ، فما يعرج إليه أحد » (16). ولم يكن موقفه يوم وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله نابعاً من عقيدة تخلّلت عقله ، وغيّرت من اعتقاده ، وإنّما جاءت تنفيذاً لمخطّط يقضي بحصر نبأ وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله ، حتّى لا ينتشر ، فتمتلئ المدينة بالوافدين ; فيكون ذلك عائقاً دون تنفيذ مخطّط الانقلاب على منصب الحكومة الإسلاميّة.

الحقيقة الأخرى التي أطلّت عليّ ، ولم أتبيّنها إلّا فيما بعد هي حركة التمرّد على تأمير النبيّ صلّى الله عليه وآله لأسامة بن زيد ، فمن يكونوا هؤلاء ؟ ولماذا ذلك الطعن ؟ وهل هو متعلّق بشخص أسامة فقط ، أم يتجاوزه إلى أشياء أخرى ؟

فقد ذكر المؤرّخون وأصحاب السير ، أنّ عمر ذهب إلى أبي بكر بعد أنْ تمّ له أمر الحكومة ، وعبّر له عن رغبته في تغيير القائد أسامة بن زيد ، وتكلّم على أساس أنّه مفوّض من قبل عدد من الصحابة ، فردّ عليه قائلاً : « ثكلتك أمّك يابن الخطّاب ، مستعمله رسول الله وتأمرني أنْ أعزله » (17). فلو كان ابن الخطاب يدرك معنى النبوّة والنبيّ صلّى الله عليه وآله وقدسيّته وطاعته حيّاً وميّتاً لدافع عن ذلك التعيين ، ولما احتاج منه الأمر إلى طلب تغيير قائد عيّنه رسول الله صلّى الله عليه وآله ، ولكن ماذا يمكن أن يقال في رجل قضى عمره في مواجهة النبيّ صلّى الله عليه وآله والتصدّي له في كلّ صغيرة وكبيرة ، كأنّما يريد إسقاط مكانته ، والتقليل من قيمته ، ولا شكّ أنّ صلح الحديبيّة شاهد على ما اقترفه الرجل بحقّ النبيّ صلّى الله عليه وآله (18) ، كأنّما هو الوحيد الذي يدرك الحقائق.

وفهمت أنّ الطعن لم يكن بالأساس موجّهاً إلى أسامة ، بقدر ما كان موجّهاً إلى البعث من أساسه ، فالوقت الذي أراده النبيّ صلّى الله عليه وآله للبعث ، أوحى إليهم بأنّ مقصده كان إخلاء المدينة من عناصر ظهرت عليها رغبة وأطماع في السلطة ، وبقاء تلك العناصر ، قد يسبّب مشاكل في المجتمع الإسلامي الفتي وهو في غنى عنها ، وعندما بلغهم أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله يموت ، تحرّك المتمرّدون على أمره وقراره ، فدخلوا المدينة لاستجلاء الأمر ، وتنفيذ ما كان متّفقاً عليه بينهم.

وقد تسبب دخولهم ذلك ، في فرض واقع على الأنصار ، أملاه خوفهم وخشيتهم من تلك التحرّكات التي كانوا ينظرون إليها بقلق كبير ، وفي مضامينها العصيان والتمرّد والتحدّي للنبوّة والنبيّ صلّى الله عليه وآله ، فكانت سقيفة بني ساعدة ملجأهم في البحث عن سبيل لدرء هذا الخطر القادم أمام أعينهم.

كلّ ذلك ما كان له أنْ يوجد لولا انقلاب بعض الصحابة ممّن تحيّن فرصة انشغال أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله ، لينقض على الحكم.

وفوق ذلك فإنّني لا أرى موجباً يسمح بإهمال مسألة نظام الحكم في الإسلام بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله ، ولا مدعاة إلى تركه لأناس مازالوا حديثي عهد بالدين ، لم يفهموا منه أبسط أحكامه ، فضلاً عن استيعاب مبدأ الشورى ، ومعرفة نمط الحكومة.

وقد ورد في القرآن الكريم عدد كبير من الآيات التي ضمّنت من بين مفرداتها مصطلح الحكم وأولي الأمر ، وجاء تعدّدها تأكيداً على أهميّتها ، وضرورتها ، في مجتمع ناشئ في بداية بناء مؤسساته ، ولا شكّ في أنْ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله قد أوضح مفهوم الحكم والحكومة في الإسلام امتثالاً لأمر الله تعالى ، في بيان دينه وشريعته ، وإبلاغها للناس ، وتفسيراً لمقاصد الآيات التي جاءت متضمّنة لمصطلح الحكم ، وولاية الأمر ، فتركُ أمر مهمّ وخطير كالحكومة ، وتجاهل مسألة ولاية الأمر في منصب حسّاس ، تنطلق به مرحلة ما بعد النبوّة ، إهمال لا يمكننا أن نتصوّر وقوعه من النبيّ صلّى الله عليه وآله ، ولا من الله تعالى مشرّع تلك الوظيفة ، ومضمّنها في كتابه العزيز.

إنّ ما حدث في سقيفة بني ساعدة ، لا يمكن وضعه في إطار عملية الشورى التي يدّعيها الفريق القائل بأنّ نظام الحكم في الإسلام يستند على أساسها ، حيث إنّ المكان لا يمكنه أنْ يسع غير عدد قليل من المسلمين ، والزمان لا يحتمل غير انتظار توديع ومواراة النبيّ صلّى الله عليه وآله التراب ، ثمّ الحضور إلى المسجد ، ذلك المكان الطبيعيّ الذي ربّى فيه النبيّ صلّى الله عليه وآله الناس على حزم أمورهم وإبرامها فيه ، وقد أسرف من قال بصحّة ما وقع في تلك الفترة الوجيزة من الزمن ، والتي كان لها الأثر السلبيّ على مفهوم الحاكميّة الصحيح ، فلا القدامى منهم كالأشعريّ ولا المتأخّرين كأبي الأعلى المودودي في كتابه الخلافة والملك ، قد رجّحوا فكرتهم بخصوص نظريّة الحكم في الإسلام ، وجميعهم في ذلك مبرّرون ومثبتون لجملة كلّ تلك التجاوزات التي حصلت ، ومؤسّسون على منوالها نظريّة متهافتة ، وبعيدة عن المنطق القرآني للحكومة الإسلاميّة.

كانت تبريرات الأستاذ مهمّة بالنسبة لي ، ورأيت فيها دافعاً نحو مزيد من البحث عن حقيقة نظام الحكم في الإسلام بعد النبي صلّى الله عليه وآله ، عدت إلى قراءة تلك الحقبة من الزمن في تاريخ الطبري ، الذي يعتبر من أقدم مصادرها في كتب السنّة ، فازددت حيرة من أمري ، ولم يفدني ذلك بشي.

وفي أحد الأيّام ، بينما أنا أتجوّل في أحدى دورات معرض الكتب التي تقام سنويّاً في البلاد ، تراءى لي من أحد أروقة المعرض عنوان لكتاب قد يجيب على تساؤلاتي التي لا تزال قائمة حول نظام الحكم في الإسلام ، يحمل عنوان « السقيفة » ، لصاحبه الشيخ المظفّر ، فانتهيت إليه واستخرجته من الدرج ، وبدأت في تصفحه ، ومن خلال ذلك عرفت أنّ مؤلّفه عالم من علماء الشيعة ، ومع ذلك اقتنيته لقراءة وجهة نظر تلك الطائفة من الحكومة الإسلاميّة.

إنّ مقدّمات أحداث السقيفة ، وما تخللها وتلاها ، يؤكّدان بوضوح على أنّ الذي حصل للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله ، وللإمام عليّ عليه السلام ، لم يكن سوى مؤامرة خسيسة على الدين ، أُريد بها صرف الإمامة عن أهلها ، كما نُقل عن الخليفة الثاني قوله لعبد الله ابن عباس : « كرهوا ـ يعني قريش ـ أنْ يجمعوا لكم النبوّة والخلافة » (19) ، وقريش كما لا يخفى على كلّ ذي بصيرة ليست كلّ المهاجرين من مكّة ، وإنّما أولئك الذين وقفوا للنبيّ صلّى الله عليه وآله يوم الخميس الذي سبق وفاته ، وتطاولوا على مقامه وانتهاك حرمته وحرمة بيته ، بالادّعاء عليه بدعوى لا تجوز على النبوّة والوحي ، حيث نسبوا له الهذيان ، فقالوا : إنّه يهجر والعياذ بالله (20) ، وأولئك الذين تمرّدوا عليه ، ورفضوا الخروج في جيش أسامة (21).

أما ما حاولوا الاحتجاج به على الشورى بما ورد في القرآن من قوله تعالى : ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) (22). وقوله تعالى أيضاً : ( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) (23).

فلم يرد بها المولى سبحانه وتعالى ، غير تربية النبيّ صلّى الله عليه وآله لصحابته ، على مبدأ الشورى فيما يتعلّق بالمسائل الحياتيّة التي تعترضهم ، فلا ينصرف معنى الشورى والتشاور ، إلى ما يتعلق بأحكام الدين وتفاصيل الشريعة ; لذلك فان مقصد الآيتين في هذا الإطار ، ليس احتياج النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى أخذ آراء المحيطين به ، بقدر ما كان يراد به تربية الصحابة ومن سيأتي بعدهم على العمل بذلك المبدأ ، لأنّ علاقة رسول الله صلّى الله عليه وآله بالوحي ، لا تترك له مجالاً حتّى يحتاج إلى أحد يعطيه رأيه في مسألة من المسائل العرضية.

أمّا ما حيك من روايات تُخطّئ النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وترجّح آراء بعض أصحابه عليه ، كرواية أسرى بدر (24) ، فمردود من ناحية كون النبيّ صلّى الله عليه وآله معصوماً عن الخطأ ، ويجب أن يكون دوره دائماً ، هو المصحّح وليس العكس ، مضافاً لصريح القرآن الدالّ على وجوب طاعة النبي مطلقاً.

بعد هذه الحقائق المتتابعة ، هل يصحّ لنا أنْ نقول بأنّ ما أقدم على فعله هؤلاء الصحابة ، يعتبر شورى مستقاة من الدين الحنيف ، وليست ستاراً وهمياً أريد به الاستيلاء على السلطة ؟

أنا لم أجد مسوّغاً واحداً يؤيّد نسبة ما وقع إلى شورى مرجعها الدين الإسلاميّ ; لأنّها في واقع الأمر مجموعة من الأعمال المتناقضة التي هدّمت بعضها بعضاً ، فحصر الشورى في ستّة كان القصد منها تسليم الحكم بطريقة غير شريفة من الصهر ابن عوف إلى صهره ابن عفّان ، وهي رغبة الخليفة الثاني ، والسبب قد يكون إسداء يد لابن عفان مقابل كتابة هذا الأخير لوصيّة الخليفة الأوّل التي نقلها المؤرّخون ، أو قد يكون استمراراً في تنفيذ الاتّفاق الذي أبرمه المتحزّبون على صرف الحكومة عن الإمام عليّ عليه السلام ، وأغلب هؤلاء هم طلقاء النبيّ صلّى الله عليه وآله من بني أميّة. وقد تهاوت نظريّة الشورى بتنصيص أبي بكر على عمر وحصر عمر لها بستّة أشخاص فقط !

وما أنْ تمّ للإمام عليّ عليه السلام أمر الحكومة ، حتّى كشّر أعداءه عن أنيابهم ، ووقفوا في وجهه يحولون دونه والمضيّ بالأمّة في طريق التوحيد والإنابة ، بسبب السياسات الخاطئة التي صدرت عمّن سبقه ، واستطاع الطلقاء أنْ يبنوا قوّة على مدى عشرين سنة ، استكملت عدّتها وعددها ، ووقفت جحافلها تريد صرف الإمامة عن عليّ عليه السلام تحت مبرّر القصاص من قتلة عثمان.

وفي واقع الأمر ، ما كانت المطالبة بدم عثمان ، إلّا تعلّة للخروج على إجماع الأمّة ، وإحداث الفتنة في صفّها ، ومحاولة خبيثة لتحويل الثورة التي قام بها المسلمون الحقيقيّون الغيارى على الدين وأهله من عنت وظلم وبغي بني أميّة ، إلى جريمة ، وقلب حقيقة الخليفة عثمان الذي استغله بنو أبيه ، من حاكم ظالم بدّل وغيّر ، واستنزف الأموال الإسلاميّة في مصالح شخصيّة ، واستعمل المنافقين والفسقة والأدعياء ، أمراء وحكّاماً وقادة على وجوه الأمّة وخيارها ، إلى خليفة مظلوم ، مات شهيداً والمصحفُ بين يديه.

إنّ من يشكّ في إسلاميّة الثورة التي قامت على الخليفة الثالث ، وأحقيّة القائمين بها ، لا يملك من التعقّل والإنصاف شيئا ; لأنّ الدلائل التي وردت في كتب التاريخ تؤكّد مظلوميّة هؤلاء الثوّار وإصرار الخليفة على عدم الاستجابة لهم في مطالبهم التي تقدّموا بها إليه والتي كان فيها الإمام عليّ عليه السلام وسيطاً بين الطرفين ، ولمّا يئس المسلمون من إمكانيّة الإصلاح ، عادوا فحاصروا بيت الخليفة مدّة تجاوزت الأسبوعين ، على مرأى ومسمع ومشاركة من وجوه الصحابة كعمّار ابن ياسر الذي شمله النبيّ صلّى الله عليه وآله بقوله : « أبشروا فإن آل ياسر ، موعدكم الجنّة » (25) ، ولو كان الأمر كما حاول تصويره لنا أتباع خطّ الخلافة ، من استضعاف ومظلمة للخليفة الثالث ، لوجد أنصاراً أشدّاء في المدينة ، كالإمام عليّ عليه السلام ، وشجعان بني هاشم رضوان الله تعالى عليهم ، وأكثريّة الصحابة الذين ما زالت تعجّ بهم المدينة ، ولما بقي الرجل محاصراً تلك المدّة ، ولما قتل تلك القتلة ، ولما بقي في بيته ثلاثة أيّام ، ولما دفن ليلاً على عجل ، وفي مكان لم يسبق للمسلمين أنْ دفنوا موتاهم فيه ، بعد أنْ أصرّ من بالمدينة من صحابة على عدم دفنه في البقيع (26).

الغريب أنّ من ظهر مطالباً بدم عثمان ، كعائشة كانت ممّن ألّب المسلمين عليه ، فهي التي قالت كلمتها الشهيرة : « اقتلوا نعثلا فقد كفر » (27). وكالزبير وطلحة الذين كانوا مع الثوار (28) ، لذلك يمكن القول بأنّ مطالبتهم بدم عثمان من عليّ عليه السلام وأصحابه ، لم يكن إلّا وسيلة قذرة للوصول إلى إزاحة الإمام عليّ عليه السلام ، وتسلّم الحكم بعده.

ولولا تعيين الخليفة الثاني لطلحة والزبير في شورى الستّة المزعومة ، لكانت أطماعهما أقلّ حدة ، ولما خلعا بيعتيهما وانساقا بولديهما وراء مطلب خطير تسبّب في تمزيق أوصال الأمّة إلى اليوم ، فقد أخرجا عائشة على جمل وهي المأمورة بأنْ تقرّ في بيتها ، من مكّة إلى البصرة في محاولة خبيثة لاستنفار الأعراب من حول مكّة والمدينة ، فمن من هؤلاء يسمع بخروج « أمّ المؤمنين » فلم يبادر إلى سيفه وراءها ؟

وأمّا زعيم الطلقاء معاوية بن أبي سفيان لعنهما الله ، قد بنى ملكه على مهل ، وتصرّف في الشام وفلسطين تصرّف المالك ، بفضل إقرار عمر له عليهما ، بعد أنْ كان عيّنه الخليفة الأوّل قائداً للجيش الفاتح لبلاد الروم.

فإذا تهاوت نظريّة الشورى بمعاول مؤسّسيها ، وتركت وراءها أثرين خطيرين ما تزال الأمّة الإسلاميّة تعاني من نتائجهما الخطيرة على الدين والأمّة الإسلاميّة هما :

الأوّل ـ تحوّل وهم الشورى « لأنّ ما وقع إدراجه ضمن إطار شورى الحكم بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله ، لم يجسّد حقيقة الشورى حتّى في أبسط مفاهيمها » إلى ملك غاشم ظلوم خلال فترة قصيرة جدّاً من خوض تلك التجربة.

الثاني ـ فصل الدين عن دوره في الإشراف على كلّ أوجه الحياة ، وتسبّبت تلك الأحداث في فصل الدين عن السياسة خصوصاً والحياة عموماً.

ومقابل الرأي الذي ادّعى إهمال النبيّ صلّى الله عليه وآله لأمر الحكومة الإسلاميّة ، تاركاً شأنها للناس ، جاءت عقيدة أهل البيت عليهم السلام ، لتعكس الواقع الصحيح لحكومة الإسلام بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وهو عدم ترك ذلك المنصب الحسّاس والخطير ، والذي يتوقف عليه مصير الدين بكافّة تشريعاته ، وبقاء مؤسّساته وتماسك مجتمعه ، فإنّ التعيين لمن سيكون وليّ أمور المسلمين من بعد مرحلة النبوّة أمراً لازماً تحتّمه المرحلة التي مرّ بها هذا الكيان الناشئ من بين معتقدات جاهليّة ، ضاربة جذورها في عمق المتديّنين الجدد ، وتحتاج إلى وقت لتغييرها وإحلال بدائل إسلاميّة مكانها ، وتحتّمه تواجد قوّتين معاديتين تترّبصان بالدين الجديد وتريدان الخلاص منه ; لأنّه يشكّل تهديداً مباشراً لها ، مضافاً إلى الأكثر خطراً منهما ، وهو حزب المنافقين الذي أسّسه الطلقاء ، ودخلوا في الدين من خلاله ; ليسيئوا إليه ويقوّضوا أركانه بالكذب والدعاية والبهتان ، فكلّ تلك المخاطر تستوجب عدم ترك الدين الجديد والأمّة بلا راع بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله.

والاعتقاد بحتميّة تعيين من يحكم المسلمين بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله ، أملتها المعطيات التي وفقت إلى الوقوف عليها ، وشواهد تاريخيّة قالت بأنّ التعيين كان سائداً فيمن يتولّى زمام الأمور بعد عصر الأنبياء عليهم السلام.

كما أنّ في قوله تعالى : ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) (29) دليل على أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله ليس له حقّ في التصرّف من تلقاء نفسه ، بل هو في إطار دوره ، ليس إلّا مبلغا عن الله تعالى ، فكيف يكون للناس ما لا يكون للنبيّ صلّى الله عليه وآله في مسألة حسّاسة كالحكومة الإسلاميّة.

وبذلك عرفت أحقيّة أهل البيت عليهم السلام في قيادة الأمّة الإسلاميّة ، واقتنعت بأنّ تكالب أعداء الدين من أجل إحلال الصحابة محلّ هؤلاء الأطهار ، كان مؤامرة خسيسة دُبّرت من أجل صرف الناس عن أبواب الهدى التي أمر الله سبحانه وتعالى بإتيانها ، وأخذ الدين منها ، فلم أتردّد لحظة في موالاة العترة الطاهرة ، فاتّخذتهم أولياء في الدنيا والآخرة والحمد لله ربّ العالمين.

الهوامش

1. الشورى : ٣٨.

2. آل عمران : ١٥٩.

3. الأنعام : ٣٨.

4. النحل : ٨٩.

5. انظر تاريخ المدينة لابن شبة ٣ : ٩٢٢ ، تاريخ الطبري ٣ : ٢٩٢ ، الكامل في التاريخ ٣ : ٦٥.

6. انظر تاريخ المدينة لابن شبة ٣ : ٩٢٢ ، تاريخ الطبري ٣ : ٢٩٢ ، الكامل في التاريخ ٣ : ٦٥.

7. انظر على سبيل المثال تاريخ الطبري ٣ : ٢٩٢ ـ ٢٩٣ ، الكامل في التاريخ ٣ : ٦٥ ـ ٦٦ والمسألة محلّ إجماع لا خلاف فيها.

8. وممّن ذكر اللعن وأقرّ به ، الشهرستاني في الملل والنحل ١ : ٢٣ ، والآمدي على ما نقله الأيجي في المواقف ٣ : ٦٤٩ ـ ٦٥٠ ، وراجع بعث جيش أسامة في صحيح البخاري ٤ : ٢١٣ ، ٥ : ٨٤ ، صحيح مسلم ٧ : ١٣١ ، الطبقات الكبرى لابن سعد ٢ : ٢٤٩ ، ١٩٠ ، تاريخ الطبري ٢ : ٢٤٩ ، الكامل في التاريخ ٢ : ٣١٧. فتح الباري ٨ : ٨١٥ عمدة القاري ١٨ : ٧٦ ، شرح نهج البلاغة ٦ : ٥٢.

9. الأحزاب : ٣٦.

10. وذلك في رزيّة الخميس المشهورة ، وقد تقدّمت في حلقة سابقة.

11. صحيح البخاري ١ : ١٦٢ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٩١.

12. انظر مسند أحمد ٤ : ٣٢٢ ، لكن كالعادة فإن الرواية طعمت بما يخالف ذلك فصورت استياء شديد من النبي صلّى الله عليه وآله لعدم صلاة أبي بكر بالناس ! فلا ندرى لماذا يعمّم النبي صلّى الله عليه وآله القول فيمن يؤمّ الناس ، ثمّ يستاء ذلك الاستياء الشديد لعدم صلاة ابي بكر.

13. انظر فرار عمر في تفسير الفخر الرازي مجلّد ٣ ، ح٩ : ٥٠ ، وشرح نهج البلاغة ١٥ : ٢٤ ، عن الواقدي ، وغير ذلك من المصادر العديدة.

14. آل عمران : ١٤٤.

15. انظر سنن ابن ماجة ١ : ٥٢٠ ، وانظر ترتيب منه في الأحكام ٢ : ٢٣٨.

16. السيرة الحلبية ٢ : ٥٠٥.

17. تاريخ الطبري ٢ : ٤٦٢ ، الكامل في التاريخ ٢ : ٣٣٥ ، تاريخ دمشق ٢ : ٥٠ ، واللفظ للكامل.

18. تقدّمت الإشارة إلى ذلك في حلقة سابقة.

19. تاريخ الطبري ٣ : ٢٨٩ ، الكامل في التاريخ ٣ : ٦٣ ، شرح نهج البلاغة ١٢ : ٥٣.

20. والقائل هو الخليفة عمر وقد هذّبها البعض فقال : إنّه قال : غلب عليه الوجع وقد تقدّم ذلك.

21. تقدّمت الإشارة إلى أولئك فيما تقدّم.

22. آل عمران : ١٥٩.

23. الشورى : ٣٨.

24. وحاصل الرواية أنّ النبي صلّى الله عليه وآله استشار أبو بكر وعمر في شأن أسارى بدر ، فقال أبو بكر : « يا نبيّ الله ، هم بنو العمّ والعشيرة. أرى أنْ تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوّة على الكافر ، فعسى الله أنْ يهديهم للإسلام » أمّا عمر فرفض ذلك وقال : « ما أرى الذي رأى أبو بكر ، ولكنّي أرى أنْ تمكّنا فنضرب أعناقهم ... » فهوى رسول الله صلّى الله عليه وآله ما قال أبو بكر ولم يهو ما قال عمر ، لكنّ الله سبحانه وتعالى خالف الرسول صلّى الله عليه وآله ووافق عمر فنزلت الآية : ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ .. ) [ الأنفال : ٦٧ ] وانظر ما تقدّم في صحيح مسلم ٥ : ١٥٧ ، مسند أحمد ١ : ٣١ ، سنن الترمذي ٤ : ٣٣٦ ، وقد رواه مختصراً ، وانظر عمدة القاري ٤ : ١٤٤ حيث أشار الى القصّة باعتبارها من موافقات عمر.

25. كنز العمال ١١ : ٧٢٧.

26. انظر ذلك في تاريخ المدينة ١ : ١١٣ ، تاريخ الطبري ٣ : ٤٣٨ وما بعدها ، الاستيعاب ٣ : ١٠٤٧ ، المعجم الكبير ١ : ٧٩ ، مجمع الزوائد ٩ : ٩٥ وغيرها الكثير من المصادر.

27. تاريخ الطبري ٣ : ٤٧٧ ، الكامل في التاريخ ٣ : ٢٠٦.

28. راجع سير أعلام النبلاء ١ : ٣٤.

29. آل عمران : ١٢٨.

مقتبس من كتاب : [ نعم لقد تشيّعت ] / الصفحة : 258 ـ 274

 

أضف تعليق


السقيفة والشورى

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية