لِمَ نشارك في المجالس الحسينيّة ؟

البريد الإلكتروني طباعة

لِمَ نشارك في المجالس الحسينيّة ؟

إقامة مجالس الحسينيّة والمشاركة فيها من أفضل الأعمال والقربات ولها أجر كثير ، ولكن اليوم تواجه تحدّيات ومشاكل لإقامتها في هذا الظرف الخاصّ ، حيث توجد هناك آراء مختلفة في هذا الصدد ؛ فيعتقد البعض أن المجالس ينبغي أن تُعقد كما هو المعهود وتحت أيّ ظرف من الظروف ، والبعض يقول إنّه ينبغي إغلاق الاجتماعات الحسينيّة دون قيد أو شرط. لكن النظريّة المعتدلة بين هذين الرأيين هي : يجب أن نقيم المجالس مع مراعات الإجراءات الصحيّة التي عيّنتها خلية الأزمة لجميع الاجتماعات المماثلة.

هنا نقول في جواب من يدّعي أن إقامة المجالس يكون السبب في انتشار وشيوع هذا الوباء المستجد ولأجل النجاة من هذه الفاجعة يجب علينا عدم إقامة أي مجلس لهذه السنة.

فنجيب عليه بجوابين أحدهم نقضي والآخر حلّي :

الجواب النقضي : إن إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام والتوسّل به يقضي على جميع البلاياء والأمراض وتنفّس عن جميع الكربات ، كما نقل لنا المرجع الديني الراحل السيّد محمّد رضا الكلبيكاني رحمه الله : عندما اكتسح الوباء قبل مائة سنة إيران ، أقام الشيعة مجالس النوح والبكاء على سيّد الشهداء في بيوتهم والحسينيّات والمساجد كما يفعلوه في أيّام محرّم الحرام ، فنزلوا إلى الشوارع لإحياء الشعائر الحسينيّة وإقامة مراسيم العزاء وتوسّل لله تعالى ببركة هذه المجالس أن يرفع ويدفع عنهم هذا المرض ؛ فاستجيب لهم ورفع عنهم الوباء والمرض.

والجواب الحلّي : نحن نوجّه خطابنا إلى الذين يعارضون إقامة المجالس الحسينيّة بجميع أنواعها ؛ فهولاء الأشخاص هم على قسمين :

القسم الأوّل : هم المعارضون لإقامة الشعائر الحسينيّة في جميع الأحوال ، وأنّهم لا يحضرون هذه المجالس في جميع حياتهم ، فهولاء هل يحقّ لهم أن يتكلّموا في هذا الأمر ؟ كما أنّهم في كلّ سنة يرفعون أبواقهم ؛ ليصرخوا فيها ضدّ إقامة الشعائر الحسينيّة ، ويلعبون بعقول الناس البسطاء لصدّهم عن المشاركة ، واليوم قد رفعوا علم وباء كورونا ؛ لكي يصدّوا الناس عن إقامة المجالس.

وأمّا القسم الثاني : فهم مجموعة من المتديّنين الذين ليس لديهم المعرفة الكافية والدقيقة لمكانة وحساسيّة المجالس الحسينيّة ، ويعتقدون بأنّ تعطيل المجالس للمصلحة العامّة لا تعني قضيّة مهمّة ، بينما لا يوجد هناك مصلحة في تعطيل المجالس، والمفسدة المترتّبة عن هذا الأمر والانكسار الحاصل منه لا يمكن لنا أن نعوضه ونجبره بأيّ شيء آخر.

إقامة الشعائر الحسينيّة من أفضل المستحبّات التي تحت ظلّها تتبلور وتتحقّق الواجبات ويظهر معناها الحقيقي.

عندما يواجه خطر على حياة الإنسان أو على ماله ويخاف أن يهلك في أداء الواجبات الإلهيّة يسقط عنه حكم وجوب ذلك العمل ، كما هو المشهود في الحجّ ، الذي هو من فروع الدين ومن الشعائر الإسلاميّة المهمّة والواجبة على جميع المسلمين عند الاستطاعة القيام به ، والاستطاعة تشمل أربعة موارد في المال ، والأمان ، وصحّة الجسد ، وسعة الوقت.

فالاستطاعة المالية هي القدرة على دفع نفقات السفر إلى مكّة ، وتأمين نفقات من يتولّى أمرهم. وأمّا الاستطاعة من الناحية الأمنيّة أن يكون له الأمان في ماله ونفسه وعرضه في فترة سفره إلى مكّة وحين إقامته هناك. والاستطاعة الجسديّة هي القدرة على أداء أعمال الحجّ. وأمّا المقصود من سعة الوقت أيّ لديه وقت كاف للسفر إلى مكّة وأداء مناسك الحجّ.

فإذا اختلّ أحد أمور الاستطاعة يسقط الحجّ عن رقبة المكلّف ، ولكن تعال إلى زيارة سيّد الشهداء عليه السلام وانظر كيف شجّع أئمّة أهل البيت عليهم السلام شيعتهم على زيارته وإقامة مجالسه ، وحثوهم على البكاء والتباكي عند ذكر مصيبته ، حتّى في الظروف الصعبة التي تسقط الواجب ؛ ففي قضيّة كربلاء يستثنى ذلك.

مجموعة الشهيد : نقلاً من كتاب الأنوار لأبي علي محمد بن همام ، حدثنا أحمد بن أبي هراسة الباهلي قال : حدثنا ابراهيم بن اسحاق الأحمري قال : حدثنا حمّاد بن اسحاق الأنصاري ، عن ابن سنان ، عن جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) ، قال : « نظر النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى الحسين بن علي ( عليهما السلام ) وهو مقبل ، فأجلسه في حجره وقال : إنّ لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً ، ثم قال ( عليه السلام ) : بأبي قتيل كلّ عبرة ، قيل : وما قتيل كلّ عبرة يابن رسول الله ؟ قال : لا يذكره مؤمن إلّا بكى ». (1)

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّزَّازُ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْمُسْتَرِقِّ ، عَنْ أُمِّ سَعِيدٍ الْأَحْمَسِيَّةِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ عليه السلام قَالَتْ : قَالَ لي : يَا أُمَّ سَعِيدٍ تَزُورِينَ قَبْرَ الْحُسَيْنِ ؟ قَالَتْ : قُلْتُ : نَعَمْ ، فَقَالَ لِي : زُورِيهِ ؛ فَإِنَّ زِيَارَةَ قَبْرِ الْحُسَيْنِ وَاجِبَةٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. (2)

حَدَّثَنِي أَبِي ؛ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رحمهما الله جَمِيعاً ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَتِّيلٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْكُوفِيِّ ، عَنْ عَليِّ بْنِ حَسَّانَ الْهَاشِمِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ مَوْلَى أَبِي جَعْفَرٍ [ عليه السلام ] ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ عليه ‌السلام قَالَ : لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ حَجَّ دَهْرَهُ ، ثُمَّ لَمْ يَزُرِ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ عليهما‌ السلام لَكَانَ تَارِكاً حَقّاً مِنْ حُقُوقِ اللهِ وَحُقُوقِ رَسُولِ اللهِ صلّى ‌الله‌ عليه‌ وآله ؛ لَإِنَّ حَقَّ الْحُسَيْنِ فَرِيضَةٌ مِنَ اللهِ، وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. (3)

وورد عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال : مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين عليه السلام ، فان اتيانه يزيد في الرزق ويمد في العمر ويدفع مدافع السوء ، واتيانه مفترض على كل مؤمن يقرّ له بالامامة من الله. (4)

فزيارة الإمام الحسين عليه هي الحضور والتواجد في حرمه الشريف ، والقيام بأعمال : كالسلام ، وقراءة نصّ الزيارة ، وصلاة الزيارة عنده.

وفي بعض الموسوعات الحديثيّة هناك أبواب خصّصت للزيارة تحت عنوان وجوب زيارة الإمام الحسين عليه السلام ، وعلى سبيل المثال : ما ورد في كتاب المزار للشيخ المفيد (5) ، وقد أورد الشيخ الحرّ العاملي أيضاً في كتابه وسائل الشيعة روايات حول الوجوب الكفائي لزيارة الإمام الحسين عليه السلام (6).

وذهب الشيخ خضر بن شلال في كتابه أبواب الجنان إلى وجوب زيارة الإمام الحسين عليه السلام ولو في العمر مرّة واحدة :

فلا غروَ أَن كانت زيارتُهُ شِعارَ الإِماميّة واجبةً على كلِّ مسلم ومسلمة في العمر مرّةً على من استطاع إليه سبيلاً كالحجّ ، الّذي قد تواترت الأخبار بمزيد فضلِ مندوبِ زيارةِ الحسين عليه السلام على واجبِهِ. (7)

جاء في مقاتل الطالبيين :

وكان المتوكل شديد الوطأة على آل أبي طالب ، غليظاً على جماعتهم مهتماً بأمورهم شديد الغيظ والحقد عليهم ، وسوء الظنّ والتهمة لهم ، واتفق له أن عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزيره يسيء الرأي فيهم ، فحسن له القبيح في معاملتهم ، فبلغ فيهم ما لم يبلغه أحد من خلفاء بني العباس قبله ، وكان من ذلك أن كرب قبر الحسين وعفّى آثاره ؛ ووضع على سائر الطرق مسالح له لا يجدون أحداً زاره إلا أتوه به فقتله أو أنهكه عقوبة. ! (8)

واضح من النصّ المتقدّم أنّ الزائر الحسيني يتعرض إلى القتل ، أو العقوبة بشدةٍ فائقة ، فقد تصل إلى قطع عضو منه ، ولكن لم يستطيعوا أن يمنعوا الزيارة وإقامة المجالس ، وعلى مرّ التاريخ لم تستطيع الطغاة محو ذكر الإمام الحسين عليه السلام وزيارته.

فهذا ما فعلته الشيعة في تلك الفترة العصيبة ، حيث ضحّت بجميع ما تملك لإقامة ذكر مجالس الحسين وزيارته ، فهل ترى ؟ ماذا يكون موقفنا يوم القيامة عندهم لمجرّد احتمال خطر على صحّتنا فقد تركنا المجالس وعطّلناها ؟ هيهات !

فمجالس الإمام الحسين عليه السلام كأنّها روضة من رياض حرمه الشريف ، وإحياؤها إحياء لمعالم الإسلام ، وكما قال سماحة المرجع الديني الكبير الشيخ حسين وحيد الخراساني : « إن أصغر كلمة تؤدي إلى تضعيف الشعائر الحسينيّة ، سوف تكسر ظهر خاتم الأنبياء صلّى الله عليه وآله ، فيجب إقامة مجالس اللطم ومواكب ضرب السلاسل في أعلى مراتبها » (9).

ويقولون : أنّ الإمام الحسين عليه السلام ليس منحصر في مكان أو زمان خاصّ فنقيم مجالسه في وقت آخر غير محرم الحرام لهذه السنة.

فنجيب على هذا القول : من الواضح أنّ الإمام الحسين عليه السلام لا ينحصر في زمان ومكان خاصّ فقط كأيّام عاشوارء ، فإن ذكره وحقيقته واضحة كوضوح الشمس في رابعة النهار لا يمكن لأيّ أحد ينكره ؛ فالبكاء عليه سنّة مستحبّة مؤكّدة قد جاءت به جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين كما جاء في الخبر :

وروى صاحب الدُّرِّ الثّمين في تفسير قوله تعالى : ( فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ ) (10) أنّه رأى ساق العرش وأسماء النبيِّ والأئمّة عليهم السلام فلقّنه جبرئيل قل : يا حميد بحقِّ محمّد ، يا عالي بحق عليّ ، يا فاطر بحقِّ فاطمة ، يا محسن بحقِّ الحسن والحسين ومنك الإحسان.

فلمّا ذكر الحسين سالت دموعه وانخشع قلبه ، وقال : يا أخي جبرئيل في ذكر الخامس ينكسر قلبي وتسيل عبرتي ؟ قال جبرئيل : ولدك هذا يصاب بمصيبة تصغر عندها المصائب ، فقال : يا أخي وما هي ؟ قال : يقتل عطشاناً غريباً وحيداً فريداً ليس له ناصر ولا معين ، ولو تراه يا آدم وهو يقول : واعطشاه واقلّة ناصراه ، حتّى يحول العطش بينه وبين السّماء كالدُّخان ، فلم يجبه أحدٌ إلّا بالسّيوف ، وشرب الحتوف ، فيذبح ذبح الشاة من قفاه ، وينهب رحله أعداؤه وتشهر رؤسهم هو وأنصاره في البلدان ، ومعهم النسوان ، كذلك سبق في علم الواحد المنّان ؛ فبكى آدم وجبرئيل بكاء الثكلى. (11)

وجميع الأنبياء لهم وقفة في كربلاء مع مصائب الإمام الحسين عليه السلام ، وحازوا على أجر البكاء والمواساة لخاتم الأنبياء صلّى الله عليه وآله في مصيبة سبطه قبل أن يولد بمئات السنين.

والكلّ يعلم أن مجالس الحسين عليه السلام غير منحصرة في أيّام محرّم الحرام ، ولكنّها تتبلور وتشع أكثر في هذه الأيّام ؛ لأنّ العالم كلّه يكون في حداد لا يوصف على مصائب كربلاء.

كما ورد في الخبر عن الإمام الرضا عليه السلام قال :

كان أبي ( صلوات الله عليه ) إذا دخل شهر المُحرّم لا يُرىٰ ضاحكاً ، وكانت الكآبة تَغْلِبُ عليه حتّى يمضي منه عشرة أيام ، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مُصِيبته وحُزنه وبُكائه ، ويقول : هو اليوم الذي قُتِل فيه الحسين ( صلوات الله عليه ). (12)

ويقولون : إن في ظرف جائحة فيروس كورونا من الجيّد ان نستبدل الرواديد ومجالس العزاء وضرب السلاسل بأن ندعوا المفكّرين والمثقّفين وننظّم ندوات ؛ لكي نأمر بالمعروف وننهي عن المنكر ، ونستنكر ما يحدث في العالم من عمل إجرامي و ...

فنقول : فكأنّما لا يوجد وقت لإقامة هذه الندوات إلّا في أيّام محرّم الحرام ، فمجالس الإمام الحسين عليه السلام تشعّ القيم الإنسانيّة ، وتبثّ روح الشجاعة والتضحية وتهيج العواطف في نفوس أصحاب القلوب الطاهرة ، فالقيم الإنسانيّة وروح التضحية المستلهمة من العواطف الصادقة من أجل الحقّ ، ركنين أساسين نستلهمهما من المجالس الحسينيّة ، فلا نستطيع أن نجازف بأحدهما في تعطيل المجالس الحسينيّة.

ففي مجالس الحسينيّة يتبلور الفكر والعاطفة ، فكلّما يزداد الإنسان من هذين الركنين الأساسين يستطيع أن يضحي من أجل الحقّ ولا يبالي بالعواقب كما حصل هذا الأمر ، وظهر في شخصيّة أصحاب الإمام الحسين عليه السلام في ليلة عاشوراء :

وقال مسلم بن عوسجة وقال والله لو علمت اني اقتل ثم احيا ثم احرق ثم احيا ثم احرق ثم اذرى يفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك حتى القى حمامي من دونك وكيف لا افعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا.

وقام زهير بن القين رحمه الله فقال والله لوددت اني قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى اقتل هكذا الف مرة وان الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن انفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك لفعلت وتكلم بعض اصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً في وجه واحد فجزاهم الحسين (ع) خيراً وانصرف الى مضربه. (13)

وفي يوم عاشوراء من شدة تعقّله وتأثّره بالقيم ومعرفته بمحبوبه ضحّى عابس تلك التضحية التي لا مثيل لها للحسين عليه السلام.

قال ربيع بن تميم : فلمّا رأيته مقبلا عرفته وقد كنت شاهدته في المغازي ، وكان أشجع الناس ، فقلت : أيّها النّاس هذا أسد الاُسود ، هذا ابن [ أبي ] شبيب لا يخرجنّ إليه أحد منكم ، فأخذ ينادي : ألا رجل ؟ ألا رجل ؟

فقال عمر بن سعد : ارضخوه بالحجارة من كلِّ جانب ، فلمّا رأى ذلك ألقى درعه ومِغفَره ثمَّ شدَّ على الناس ... (14)

فما تنشأ من العواطف اتجاه مصيبة الإمام الحسين عليه السلام من البكاء والتباكي ، والصراخ من شدّة المصيبة ، ولطم الرؤوس والصدور وضرب الظهور بالسلاسل وإقامة سائر الشعائر الحسينيّة المقدّسة كلّها من أعظم القربات وأجرها عظيم ، حيث إتيانه يزيد الرّزق ، ويمدّ في العمر ، ويدفع مدافع السّوء ، وما لها من منافع عظيمة في الدنيا والآخرة (15). فعندما نريد من أهل المجالس أن يسيطروا على إحساستهم ولا ينفعلوا من شدّة المصاب ، فهنا نريد ان نمنعهم من فعل الخير والقرآن الكريم يلوم هؤلاء الأشخاص المانعين حيث يقول في هذا الصدد : ( مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ ) (16).

ويقولون : إنّ المجالس الحسينيّة يجب أن تُحصر في هذا العام عبر الفضائيّات ومواقع التواصل الاجتماعي فقط ، ولا يحضر الجمهور في المأتم.

نقول : إنّ المجالس الحسينيّة هي ليس بمؤتمر ، ولا لقاء ، ولا بجسلة حواريّة في أجواء هادئة ورومانسيّة ، لكي تنقل عبر الشاشات مع عدم حضور الجمهور ، ويحضرها المثقّفون ، ومن ثمّ يؤيّدون قيام الإمام الحسين عليه السلام ، ويقبّحون فعلة يزيد ، وفي آخر المؤتمر يصدر بيان ، ومن بعده يقفون ، ويسكتون لمدّة دقيقة واحدة ، متأثّرين من مصائب تلك الفاجعة العظمى التي اقشعرّت لها أظلّة العرش ، ثم يذهبون إلى بيوتهم بكلّ هدوء.

فالشعائر الحسينيّة لا تكون إلّا بطبيعة الحرارة التي أودعتها فاجعة كربلاء في قلوب المؤمنين ، وهذه الحرارة تزداد لهيباً في أيّام محرّم الحرام ، وتحتاج إلى الصياح والعويل والبكاء والجزع والفزع.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنّ لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً. (17)

حَدَّثَنِي أَبِي رحمه الله ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِاللهِ ،عَنْ أَبِي عَبْدِاللهِ الْجَامُورَانيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَليِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِاللهِ عليه السلام قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : إِنَّ الْبُكَاءَ وَالْجَزَعَ مَكْرُوهٌ لِلْعَبْدِ في كُلِّ مَا جَزِعَ مَا خَلا الْبُكَاءَ وَالْجَزَعَ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍ عليهما السلام ، فَإِنَّهُ فِيهِ مَأْجُورٌ. (18)

وهنا نذكر كلام شيخ خضر بن شلال في هذا الباب في كتابه « أبواب الجنان وبشائر الرضوان » :

دلّ على جواز زيارته ، ولو مع الخوف على النفس جوازُ اللَّطم عليهِ الجزعِ لمصابه بأيِّ نحوٍ كان ، ولم علم أنّه يَمُوتُ من حينه ، فضلاً عمّا لا يُخشَى منه الضّرر على النفسِ ، التي قد تكون عند كثيرٍ من الناس أهونَ من المال الذي قد قامت ضرورةُ المذهب على مزيد فضل بذله في مصابه وزيارته.

وكفاك لطمُ بناتِ الحسين عليه السلام وأخواته ، وخمشُ وجوههنّ ، وشقٌّ جيوبهنّ ، وإظهارُ الجزع ، مع احتمالِ عصمة بعضهنّ ، وعدمِ النكير ممّن شاهد ذلك من ذوي العصمة. (19)

ويقولون : إنّ الشعائر الحسينيّة وإقامة المجالس بهذه الصورة مع إظهار الجزع والفزع لا تكون مفيدة ولا تنفع المذهب بشيء.

نقول : ردّاً على من يدّعي هذا الأدعاء الفارغ في عزاء طویريج كان الرجال يسيرون حفاة الأقدام ، حاسري الرؤوس ، وهم يلطمون أنفسهم بقوّة وحرارة على وقع المراثي كالمفجوعين توّاً ، ممّا يزيد الأسى واللوعة بمصاب سيد الشهداء عليه السلام ، كما إنّ مدينة كربلاء المقدّسة تتحوّل إلى حالة من الحزن والأسى في كلّ أرجائها من وقع هذا الموكب وصداه.

لقد شارك في هذا العزاء علماء كبار وهم يلطمون روؤسهم وصدورههم وينادون يا حسين كما فعل ذلك المرجع الديني السيّد مهدي بحر العلوم حيث شارك المعزّيين مهرولاً بينهم ، وعندما سألوه عن سبب مشاركة الناس أجابهم : بأنّه رأى الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف في هذا العزاء وبهذه الحالة.

فمجالس الحسينيّة يجب أن تقام بهذه الصورة مع إظهار الجزع والفزع والبكاء والعويل والصراخ ، كما جاء التأييد بذلك من الإمام الصادق عليه السلام في دعائه دبر صلاته ، وترحّم على من يفعل هذه الأمور :

... ، فَارْحَمْ تِلْكَ الْوُجُوهَ الَّتِي غَيَّرَتْهَا الشَّمْسُ ، وَارْحَمْ تِلْكَ الْخُدُودَ الَّتِي تَتَقَلَّبُ عَلَى قَبْرِ أَبِي عَبْدِاللهِ الْحُسَيْنِ عليه السَّلام ، وَارْحَمْ تِلْكَ الأعْيُنَ الَّتِي جَرَتْ دُمُوعُهَا رَحْمَةً لَنَا ، وَارْحَمْ تِلْكَ الْقُلُوبَ الَّتِي جَزِعَتْ وَاحْتَرَقَتْ لَنَا ، وَارْحَمْ تِلْكَ الصَّرْخَةَ الَّتِي كَانَتْ لَنا ، ... (20)

اليوم الجميع يعلم بمدى خطورة فيروس كورونا الذي بدأ العالم يتأقلم ويعيش معه ضمن إجراءات التعايش مع فيروس كورونا ، وما تتضمّنه من ضوابط احترازيّة ، وهذا هو الحلّ الأفضل الذي وصل له جميع علماء العالم وعقلائها ؛ وأنّ الحجر الصحّي ومنع التجوال ليس هو الحلّ في مواجهة هذه الجائحة التي ستبقى معنا لمدّة من الزمن.

فاليوم لم تعطل النشاطات الإجتماعيّة في جميع الأماكن ، فالسماح بفتح المجمّعات التجاريّة والأسواق وبرك السباحة والصالات الرياضيّة والبنوك ووسائل النقل العامّة والمطارات وغيرها من النشاطات المهمّة ، فمجالس الحسينيّة من النشاطات الشيعيّة المهمّة فلا يصحّ تعطيلها وتضعيفها ؛ لأنّها هي العنصر الأساسي في المذهب الشيعي ، وعلى المؤمنين أن يذهبوا للمجالس على وعي تامّ ، ويعرفوا ما يحصل في العالم ، فكما جاء عن العلماء مع الالتزام بالضوابط الطبّية المتّفق عليها يمكن إقامة الشعائر الحسينيّة الشريفة من المجالس والمواكب وغيرها ممّا اعتاد على إقامته الحسينيّون.

الهوامش

1. مستدرك الوسائل « للطبرسي » / المجلّد : 10 / الصفحة : 318 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم.

2. كامل الزيارات « لابن قولويه » / الصفحة : 236 ـ 237 / الناشر : جعفري راد ـ تهران.

3. كامل الزيارات « لابن قولويه » / الصفحة : 237 / الناشر : جعفري راد ـ تهران.

4. تهذيب الأحكام « للطوسي » / المجلّد : 6 ، الصفحة : 42 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 3.

راجع : كامل الزيارات « لابن قولويه » / الصفحة : 235 / الناشر : جعفري راد ـ تهران.

5. المزار « للمفيد » / الصفحة : 28 ـ 29.

6. وسائل الشيعة « للحرّ العاملي » / المجلّد : 14 / الصفحة : 443 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 3.

7. أبواب الجنان وبشائر الرضوان « لخضر بن شلال » / الصفحة : 255.

8. مقاتل الطالبيين « لأبي الفرج الإصفهاني » / الصفحة : 597 / الناشر : دار المعرفة ـ بيروت.

9. محاضرة لسماحته بتاريخ : 26 جمادي الأول 1436.

10. البقرة : 37.

11. بحار الأنوار « للمجلسي » / المجلّد : 44 / الصفحة : 245 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2.

12. الأمالي « للصدوق » / الصفحة : 191 / الناشر : مؤسسة البعثة.

13. روضة الواعظين « للفتال النيسابوري » / الصفحة : 184 / الناشر : منشورات رضي ـ قم.

14. بحار الأنوار « للمجلسي » / المجلّد : 45 / الصفحة : 29 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2.

15. تهذيب الأحكام « للطوسي » / المجلّد : 6 ، الصفحة : 42 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 3.

راجع : كامل الزيارات « لابن قولويه » / الصفحة : 284 / الناشر : جعفري راد ـ تهران.

16. سورة القلم : 12.

17. مستدرك الوسائل « للطبرسي » / المجلّد : 10 / الصفحة : 318 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم.

18. كامل الزيارات « لابن قولويه » / الصفحة : 201 ـ 202 / الناشر : دار المعرفة ـ بيروت.

بحار الأنوار « للمجلسي » / المجلّد : 44 / الصفحة : 291 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2.

19. أبواب الجنان وبشائر الرضوان « لخضر بن شلال » / الصفحة : 292.

20. كامل الزيارات « لابن قولويه » / الصفحة : 229 / الناشر : دار المعرفة ـ بيروت.

 
 

أضف تعليق


إحياء أمر أهل البيت عليهم السلام وإقامة الشعائر

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية