السجود على التربة الحسينيّة

البريد الإلكتروني طباعة

السجود على التربة الحسينيّة

تمهيد : فيما يصح السجود عليه وما لا يصح :
١ ـ ما يصح السجود عليه :
يمكن تقسيم ما يصح السجود عليه بحسب أدلته الثابتة إلىٰ ما يأتي :
أوّلاً : السجود علىٰ الأرض سواء كانت تراباً أو رملاً أو حجراً أو مدراً أو حصىً أو طيناً ، بشرط تمكين الجبهة (١) ، ويدل عليه حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا » الذي روي بألفاظ متقاربة في كثير من الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها (٢).
__________________
(١) لأن السجود وضع الجبهة علىٰ ما يصح السجود عليه ، ومع عدم التمكن لا يصدق الوضع ، بل يكون عن مجرد المسّ. مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام / السيد عبدالأعلىٰ السبزواري ٥ : ٤٥٧.
(٢) اُنظر صحيح البخاري ١ : ٩١ باب التيمم مؤسسة التاريخ العربي ـ بيروت. وصحيح مسلم ١ : ٣٧٠ ـ ٣٧١ / ٣ ـ ٥ كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ، دار الكتب العلمية ـ بيروت. وسنن أبي داود ١ : ١٣٢ ـ ١٣٣ / ٤٩٢ باب في المواضع التي لا يجوز فيها الصلاة. وسنن النسائي ١ : ٢٦٧ /

٧٩
وقد دلَّ الحديث بمنطوقه ومفهومه علىٰ أنّ السجود لله تعالىٰ يكون علىٰ الأرض بصورة مطلقة وانه لا يختص السجود منها بموضع دون غيره ، كما دلّ الحديث أيضاً علىٰ أنّ الأصل في الأرض هو الطهارة إلاّ ما خرج عن ذلك الأصل بدليل كوجود عين نجسة علىٰ بقعة فيها.
ويؤيد هذا الحديث أحاديث اُخر تشير إلىٰ هذا المعنىٰ صراحة ، كأحاديث وضع الجبهة والأنف علىٰ الأرض في السجود (١) وانه لا صلاة لمن لا يفعل ذلك في سجوده (٢).
زيادة علىٰ السُنّة الفعلية للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المنقولة عن جملة من الصحابة
__________________
٨١٥ باب ٤٢ كتاب المساجد عن جابر بن عبدالله الأنصاري ، دار الكتب العلمية ـ بيروت. وسنن الترمذي ٢ : ١٣١ / ٣١٧ باب ٢٣٦ من أبواب الصلاة ، تحقيق أحمد محمد شاكر ، دار عمران ـ بيروت. والسنن الكبرىٰ / البيهقي ٢ : ٤٣٥ كتاب الصلاة. والمصنف / ابن أبي شيبة ٢ : ٢٩٣ / ١ ـ ٨ باب ٢٤٠ من قال الأرض كلّها مسجد.
(١) الكافي ٢ : ٣٣٣ / ٢ باب وضع الجبهة علىٰ الأرض. والاستبصار ١ : ٣٣٧ / ٤ باب السجود علىٰ الجبهة. وصحيح البخاري ١ : ٢٠٦ باب السجود علىٰ الأنف كتاب الصلاة. والسنن الكبرىٰ / البيهقي ٢ : ١٠٣ ـ ١٠٤ باب إمكان الجبهة من الأرض في السجود كتاب الصلاة. والمستدرك علىٰ الصحيحين / الحاكم النيسابوري ١ : ٤٠٤ / ٩٩٧ و ٩٩٨ كتاب الصلاة ، تحقيق مصطفىٰ عبدالقادر عطا ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ١٤١١ ه‍ ط ١. والمصنف/ عبدالرزاق ٢ : ١٨١ ـ ١٨٢ / ٢٩٧٦ ـ ٢٩٨٩ باب السجود علىٰ الأنف.
(٢) أُنظر سنن الدارقطني ٢ : ٢٧٣ ـ ٢٧٤ / ١٣٠٢ و ١٣٠٥ باب ٤٢ وجوب وضع الجبهة والأنف علىٰ الأرض كتاب الصلاة ، دار الفكر ـ بيروت ١٤١٤ ه‍. وراجع : المصنف / عبدالرزاق ٢ : ١٨١ ـ ١٨٢/ ٢٩٧٦ ـ ٢٩٨٩ باب السجود علىٰ الأنف.
٨٠
والمؤكدة بأنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إذا سجد وضع جبهته وطرف أنفه علىٰ الأرض ، وهكذا كان يفعل كبار الصحابة والتابعين حتىٰ إن مسروق بن الأجدع كان إذا أبحر أخرج معه لبنة يسجد عليها في السفينة في أوقات الصلاة (١).
هذا ، وقد دلّت جملة من الأخبار علىٰ صحّة السجود علىٰ ما ذكرناه من أنواع الأرض كالحصىٰ والرمل حتىٰ اشتكىٰ الصحابة من حرّها فلم يشكهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، عن عبدالله بن مسعود قال : شكونا إلىٰ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حرّ الرمضاء فلم يشكنا (٢) ، مما اضطر الصحابة إلىٰ اتخاذ
__________________
(١) الطبقات الكبرىٰ / ابن سعد ٦ : ١٤١ / ١٩٧٧ في ترجمة مسروق بن الأجدع ، تحقيق محمد عبدالقادر عطا ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ١٤١٠ ه‍ ط ١.
(٢) راجع : صحيح مسلم ١ : ٤٣٣ / ١٨٩ و ١٩٠ و ١٩١ باب ٣٣ استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحر. ومسند أحمد بن حنبل ٥ : ١٠٨ و ١١٠ ، و ٦ : ١٢٤ / ٢٠٥٤٧ و ١٢٦ / ٢٠٥٥٨. والمصنف / عبدالرزاق ١ : ٥٤٣ ـ ٥٤٤ / ٢٠٥٥ باب وقت الظهر. وسنن البيهقي ٢ : ١٠٥ ـ ١٠٧ باب من بسط ثوباً فسجد عليه وباب السجود علىٰ الكفين ومن كشف عنهما في السجود. وسنن النسائي ١ : ٢٤٧ في المواقيت باب وقت الظهر. وسنن ابن ماجة ١ : ٢١٨ / ٦٧٥ و ٦٧٦ باب ٣ وقت صلاة الظهر وفي الطبعة القديمة ١ : ٣٧. وتنوير الحوالك : ٤٧ ـ ٤٨ / ٢٧ باب ٧ النهي عن الصلاة في الهاجرة. والرصف لما روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الفعل والوصف / العاقولي ١ : ٢٢٥ باب صلاة الظهر ، مكتبة التوعية الإسلامية ، القاهرة ١٤٠٦ ه‍ ط ٢. ولسان الميزان / ابن حجر العسقلاني ٢ : ٦٣ / ٢٤٣ ترجمة بلهط ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ١٣٩٠ ه‍ ط ٢. وميزان الاعتدال / الذهبي ١ : ٣٥٢ / ١٣١٩ في ترجمة بلهط ، تحقيق علي محمد البجاوي ، دار إحياء الكتب العربية ١٣٨٢ ه‍ ط ١. وانظر : من لا يحضره الفقيه / الشيخ الصدوق ١ : ١٧٦ / ١١ و ١٢ و ١٣ باب ٤٠. واُنظر : جواز السجود علىٰ الحصىٰ في الكافي ٣ : ٣٣٤ / ٧ وضع الجبهة علىٰ الأرض.
٨١
اسلوب آخر ـ للتخلص من صعوبة السجود ومشقته بسبب حرارة الأرض ـ هو تبريد الحصىٰ بأكفهم حتىٰ يتسنىٰ لهم السجود عليها. عن جابر بن عبدالله الأنصاري أنّه قال : كنا نصلي مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الظهر فأخذت قبضة من حصىٰ في كفي أُبرّده ثم أحوله في كفي الاُخرىٰ فإذا سجدت وضعته لجبهتي (١).
ثانياً : السجود علىٰ ما أنبتته الأرض أو المصنوع منه بشرط أن لا يكون مأكولاً أو ملبوساً ، وقد ورد في ذلك جملة من الأخبار تؤكد سجود النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علىٰ الحصير والخمرة المصنوعة من سعف النخل (٢).
ولم يرد جواز السجود علىٰ ما يؤكل أو يلبس كما يفعله العامة في سجودهم ، وهو قبيح في نفسه لأنه أشبه بفعل الوثنيين الذين كانوا يسجدون علىٰ تماثيل من التمر ثم يأكلونها !!
ولهذا ورد النهي صراحة عن السجود علىٰ القطن والكتان ؛ لأنّه مما
__________________
(١) السنن الكبرىٰ / النسائي ١ : ٢٢٧ / ٦٦٨ باب ٦ تبريد الحصىٰ للسجود عليه كتاب التطبيق. والسنن الكبرىٰ / البيهقي ٢ : ٤٤١ / ٢٧٢٣ باب من بسط ثوباً فسجد عليه ، كتاب الصلاة.
(٢) صحيح البخاري ١ : ٩٠ آخر كتاب الحيض و ١ : ١٠٦ باب إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد و ١٠٦ ـ ١٠٧ باب الصلاة علىٰ الحصير و ١٠٧ باب الصلاة علىٰ الخمرة. وفتح الباري بشرح صحيح البخاري / ابن حجر العسقلاني ٢ : ٤٣١ / ٣٧٤ باب ٧ و ٣ : ١٢ ـ ٢١ / ٣٨ باب ٢٠ مكتبة الغرباء الأثرية ـ المدينة المنورة ١٤١٧ ه‍ ط ١. وسنن النسائي ٢ : ٢٠٨ ـ ٢٠٩. ومسند أحمد ٣ : ٥٣٩ / ١١٥٨٩ وفي الطبعة القديمة ٣ : ١٠٣. والخمرة : هي حصير صغير قدر ما يسجد عليه يعمل من سعف النخل ويزمل بالخيوط.
٨٢
يكون لباساً (١) ، وكذلك النهي عن السجود علىٰ الثمار ؛ لأنّه مما يؤكل (٢).
ثالثاً : السجود علىٰ الفرش والثياب في حالات الضرورة القصوىٰ ، وقد دلّت عليه جملة من أخبار الفريقين وآثارهم (٣).
علّة السجود علىٰ الأرض ونباتها :
قال هشام بن الحكم : قلت لأبي عبدالله الصادق عليه‌السلام : أخبرني عمّا يجوز السجود عليه وعمّا لا يجوز ؟
قال عليه‌السلام : « السجود لا يجوز إلاّ علىٰ الأرض أو ما أنبتت الأرض إلاّ ما أُكل أو لُبس » فقلت له : جُعلت فداك ما العلة في ذلك ؟
قال عليه‌السلام : « لأنَّ السجود هو الخضوع لله عزَّ وجلَّ فلا ينبغي أن يكون علىٰ ما يؤكل أو يُلبس ، لأنّ أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون ، والساجد في سجوده في عبادة الله تعالىٰ ، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده علىٰ معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها. والسجود علىٰ الأرض أفضل ؛ لأنّه
__________________
(١) الكافي / الكليني ٣ : ٣٣٠ / ١ باب ما يسجد عليه وما يكره.
(٢) من لا يحضره الفقيه / الصدوق ١ : ١٧٤ / ٣ باب ٤٠.
(٣) اُنظر الاستبصار / الشيخ الطوسي ١ : ٣٣٢ / ٨ ـ ١٢ باب ١٨٨ ، دار الأضواء ـ بيروت ١٤٠٦ ه‍ ط ٣. ومن لا يحضره الفقيه ١ : ١٦٩ / ٤٨ باب ٣٩ ما يصلىٰ فيه وما لا يصلىٰ فيه من الثياب. وفتح الباري بشرح صحيح البخاري ١ : ٤١٤. والسنن الكبرىٰ / البيهقي ٢ : ٤٤٠ ـ ٤٤١ / ٢٧٢٠ و ٢٧٢١ و ٢٧٢٢ باب من بسط ثوباً فسجد عليه كتاب الصلاة ، دار الفكر ـ بيروت. وفي كتاب الشيخ علي الأحمدي (السجود علىٰ الأرض ) تفصيل واسع لجميع ما ذكرناه في هذا التمهيد وقد أرشدنا إلىٰ كثير من مصادره.
٨٣
أبلغ في التواضع والخضوع لله عزَّ وجلَّ » (١).
إنّ هذا الكلام الواضح يكشف بجلاء عن أنّ السجود علىٰ التراب إنّما هو لأجل أنَّ مثل هذا العمل يتناسب مع التواضع أمام الله الواحد أكثر من أي شكل آخر وهو الأصل كما جاء في العديد من النصوص الواردة عن أهل البيت عليهم‌السلام. روىٰ محمد بن يحيى باسناده عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال : « السجود علىٰ الأرض فريضة ، وعلىٰ الخمرة سُنّة » (٢).
٢ ـ ما لا يصح السجود عليه :
وأما ما لا يصحّ السجود عليه ـ وقد مرّ بعضه ـ فأنواع كثيرة إذ ورد النهي عنها مع التصريح بعدم صحة السجود عليها في جملة من الأخبار ، ونذكر تلك الأنواع :
كور العمامة ، والثوب والكمّ ، والقلنسوة (٣) ، والقطن والصوف وبقايا الحيوان كالعظام والجلود ونحوها والطعام والثمار والرياش (٤) والقير
__________________
(١) من لا يحضره الفقيه ١ : ١٧٧ / ١ باب ٤١. وعلل الشرائع : ٣٤١ / ١ باب ٤٢.
(٢) الكافي ٣ : ٣٣١ / ٨ باب ما يسجد عليه وما يكره.
(٣) الكافي / الكليني ٣ : ٣٣٤ / ٩ باب وضع الجبهة علىٰ الأرض. ومن لا يحضره الفقيه / الصدوق ١ : ١٧٦ / ١٠ باب ٤٠ ما يسجد عليه وما لا يسجد عليه. وتهذيب الأحكام / الطوسي ٢ : ٨٦ / ٣١٩ باب ٨ كتاب الصلاة. والطبقات الكبرىٰ / ابن سعد ١ : ١٥١. والسنن الكبرىٰ / البيهقي ٢ : ١٠٥ ـ ١٠٦ باب من بسط ثوباً وسجد عليه ، دار المعرفة. والمصنف / عبدالرزاق ١ : ٤٠١ / ١٥٦٨ و ١٥٦٩ و ١٥٧٠ باب السجود علىٰ العمامة. وكنز العمال ٤ : ٢١٢ وفي طبعة ٨ : ٢٦.
(٤) الكافي ٣ : ٣٣٠ / ٢ باب ما يسجد عليه وما يكره.
٨٤
والنورة (١) والذهب والفضة (٢) والزجاج (٣) والسبخة والثلج (٤) ونحوها.
من فتاوىٰ علماء الإمامية حول موضع السجود :
لقد وردت المضامين الحديثية المتقدمة في فتاوىٰ فقهاء الإمامية منذ القدم وإلىٰ اليوم ، وقد اخترنا أربعة نصوص للدلالة علىٰ أن الأصل في السجود هو أن يكون علىٰ الأرض.
١ ـ قال الشيخ علي بن الحسين بن بابويه القمي ( الصدوق الأول « ت ٣٢٩ ه‍ » ) في وصيته إلىٰ ولده أبي جعفر « الصدوق الثاني » كما نقلها عنه بقوله : ( قال أبي رحمة الله عليه في رسالته إليَّ : اسجد علىٰ الأرض أو علىٰ ما أنبتت الأرض ولا تسجد علىٰ الحصر المدنية ؛ لأنّ سيورها من جلد ، ولا تسجد علىٰ شعر ولا صوف ولا جلد ولا إبريسم ولا زجاج ولا حديد ولا صفر ولا شبه ولا رصاص ولا نحاس ولا ريش ولا رماد.
وإن كانت الأرض حارة تخاف علىٰ جبهتك الاحتراق أو كانت ليلة مظلمة خفت عقرباً أو شوكة تؤذيك فلا بأس أن تسجد علىٰ كمك إذا كان
__________________
(١) الكافي ٣ : ٣٣١ / ٦ من الباب السابق.
(٢) الكافي ٣ : ٣٣٢ / ٩ من الباب السابق.
(٣) الكافي ٣ : ٣٣٢ / ١٤ من الباب السابق. وعلل الشرائع / الشيخ الصدوق : ٣٤٢ / ٥ باب ٤٢.
(٤) الاستبصار ١ : ٣٣٥ ـ ٣٣٦ / ١ باب ١٩٢ السجود علىٰ الثلج ، وهناك جملة من الروايات تجوّز السجود علىٰ الثلج عند الضرورة القصوىٰ كما لو كانت الأرض مغطاة بالثلج ، راجع : من لا يحضره الفقيه ١ : ١٦٩ / ٤٩ باب ٣٩ ، نعم يجوز ان يضع الساجد حائلاً بين الثلج وجبهته كالثوب بحكم تلك الضرورة كما دلّت عليه أخبار اُخر.
٨٥
من قطن أو كتان.
وإن كان بجبهتك دمّل فاحفر حفرة فإذا سجدت جعلت الدمّل فيها.
وإن كانت بجبهتك علّة لا تقدر علىٰ السجود من أجلها فاسجد علىٰ قرنك الأيمن من جبهتك فان لم تقدر عليه فاسجد علىٰ قرنك الأيسر من جبهتك ، فإن لم تقدر عليه فاسجد علىٰ ظهر كفك ، فإن لم تقدر عليه فاسجد علىٰ ذقنك لقول الله عزَّ وجلَّ : ( إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا... وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ) (١) ، ولا بأس بالقيام ووضع الكفين والركبتين والابهامين علىٰ غير الأرض وترغم بانفك ، ويجزيك في وضع الجبهة من قصاص الشعر إلىٰ الحاجبين مقدار درهم ويكون سجودك كما يتخوىٰ البعير الضامر عند بروكه تكون شبه المعلق لا يكون شيء من جسدك علىٰ شيء منه ) (٢).
٢ ـ أبو الصلاح تقي الدين بن نجم الدين عبدالله الحلبي ( ت ٤٤٧ ه‍ ) : قال : ( لا يجوز السجود بشيء من الأعضاء السبع إلاّ علىٰ محل طاهر ، ويختص صحّة السجود بالجبهة علىٰ الأرض أو ما أنبتت مما لا يؤكل ولا يُلبس ، فإن سجد ببعض الأعضاء علىٰ محل نجس وبالجبهة علىٰ ما ذكرناه كالصوف والشعر والحنطة والثمار لم تجزه الصلاة ) (٣).
__________________
(١) سورة الإسراء : ١٧ / ١٠٧ ـ ١٠٩.
(٢) من لا يحضره الفقيه / الصدوق ١ : ١٧٤ ـ ١٧٥ / ٨٢٧ باب ٤٠. ويتخوىٰ الرجل : يجافي بطنه الأرض في سجوده بان يجنح بمرفقيه ويرفعهما عن الأرض ولا يفترشهما افتراش الأسد.
(٣) الكافي في الفقه / الحلبي ، سلسلة الينابيع الفقهية ٣ : ٢٧٢ كتاب الصلاة.
٨٦
٣ ـ الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي ( ت ٤٦٠ ه‍ ) قال : ( لا يجوز السجود إلاّ علىٰ الأرض أو ما انبتته الأرض مما لا يؤكل ولا يُلبس ويحتاج أن يجمع شرطين :
أن يكون ملكاً أو ما في حكم الملك ، ويكون خالياً من نجاسة، فأما الوقوف علىٰ ما فيه نجاسة يابسة لا تتعدىٰ إليه فلا بأس به ، والتنزه عنه أفضل ) (١).
٤ ـ السيد كاظم اليزدي قدس‌سره في العروة الوثقىٰ قال : (يشترط مضافاً إلىٰ طهارته ـ مسجد الجبهة من مكان المصلي ـ أن يكون من الأرض أو ما انبتته غير المأكول والملبوس ، نعم يجوز علىٰ القرطاس أيضاً ، فلا يصح علىٰ ما خرج عن اسم الأرض كالمعادن مثل الذهب والفضة والعقيق والفيروزج والقير والزفت ونحوهما ، وكذا ما خرج عن اسم النبات كالرماد والفحم ونحوهما ، ولا علىٰ المأكول والملبوس كالخبز والقطن والكتان ونحوهما ، ويجوز السجود علىٰ جميع الأحجار إذا لم تكن من المعادن ) (٢).
تغاير مواضع السجود :
يجدر التنبيه علىٰ مسألة مهمة في السجود ، وهي هل يشترط في السجود أن تكون مواضع السجود السبعة المعروفة كلّها علىٰ شيء واحد يصح السجود عليه أو لا يشترط ذلك ؟ وبمعنىٰ آخر ما هو حكم السجود
__________________
(١) الجمل والعقود / الشيخ الطوسي ، سلسلة الينابيع الفقهية ٣ : ٣٥٢ ، فصل في ذكر ما يسجد عليه كتاب الصلاة.
(٢) العروة الوثقىٰ / السيد كاظم اليزدي ١ : ٤٢٥ ـ ٤٢٦ فصل في مسجد الجبهة من مكان المصلي ، كتاب الصلاة ، تحقيق ونشر مدينة العلم آية الله العظمىٰ السيد الخوئي ١٤١٤ ه‍ ط ١.
٨٧
الذي يكون علىٰ شيء وبدن الساجد علىٰ شيء آخر ؟
والجواب باختصار : نعم ، فقد وردت روايات متعددة عن أهل البيت عليهم‌السلام تؤكد علىٰ عدم اشتراط اتحاد مواضع السجود علىٰ شيء واحد ، منها ما رواه حمران عن أحدهما ـ الباقر أو الصادق عليهما‌السلام ـ قال : « لا بأس بالقيام علىٰ المصلىٰ من الشعر والصوف إذا كان يسجد علىٰ الأرض ، فإن كان من نبات الأرض فلا بأس بالقيام والسجود عليه » (١).
ووردت جملة من الفتاوىٰ المدعومة بالأثر من طريق العامّة صريحة بصحة هذا السجود كما لو وضع الساجد مثلاً جبهته علىٰ التراب وكان جسمه علىٰ الفراش أو الثوب أو الحصير ونحو هذا (٢) ، فالشرط إذن أن يكون موضع الجبهة علىٰ ما يصح السجود عليه ، ولا يضر فيما لو كان البدن خارجاً ولكن في مكان طاهر (٣).
ومن هنا يتضح التوافق علىٰ جواز التغاير في مواضع السجود ، ويختص مذهب أهل البيت عليهم‌السلام باشتراط وضع الجبهة علىٰ الأرض ، أو ما أنبتت.
ولا خلاف أيضاً في صحة السجود علىٰ أية بقعةٍ من بقاع الأرض بعد إحراز طهارتها ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون السجود علىٰ جبل أو
__________________
(١) الاستبصار ١ : ٣٣٥ / ٢ باب ١١٩ السجود علىٰ شيء ليس عليه سائر البدن ، كتاب الصلاة.
(٢) اُنظر : المدونة الكبرىٰ ١ : ٧٥. ومصنف عبدالرزاق ١ : ٣٩٢ / ١٥٢٩ باب الصلاة علىٰ الصفا والتراب. وفتح الباري ١ : ٤١٣.
(٣) تحفة الاحوذي في شرح جامع الترمذي ١ : ٢٧٣.
٨٨
سهل ، أو في أرض قاحلة أو في رياض غنّاء ، وإنّما جاء تشريف بعض البقع علىٰ بعض من طريق الأثر الوارد عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته عليهم‌السلام الذين عصمهم الله في محكم كتابه من كل دنس ورجس.
التربة الحسينية :
لقد كانت التربة الحسينية من تلك البقع المشرفة التي خصها الله بنوع من الكرامة في جملة من الأحاديث الواردة في هذا الشأن عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته عليهم‌السلام ، هذا فضلاً عن أنّ قاعدة الاعتبار المطردة تقتضي التفاضل بين الامكنة والبقاع ، إذ بالاضافات والنسب تكون للأراضي والأماكن والبقاع خاصة ومزية بها ، تجري عليها مقررات كثيرة وتنزع منها أحكام لا يجوز التعدي والصفح عنها (١).
وأيّ مسلم لا يفرق بين الموضع الذي دفن فيه أشقىٰ الأشقياء والموضع الذي ضمّ جدث سيد الرسل وخاتم الأنبياء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل وأيّ عاقل في هذه الحياة لا يفرق بين بيت الخلاء وبيت الصلاة ؟
إذن فبالاضافة يتميز المضاف ويعرف قدره ، ومن هنا ينتزع للأماكن المقدسة حكمها الخاص كبيت الله الحرام ، والمسجد النبوي ، وكذا سائر المساجد والمعابد والأماكن المقدسة التي يذكر فيها اسم الله عزَّ وجلّ.
وعلىٰ هذا ، نستطيع بقاعدة الاعتبار أن نفسر حنين الإنسان إلىٰ مكان ونفرته واشمئزازه من مكان آخر ، وبهذه القاعدة أيضاً نعرف لماذا جاء
__________________
(١) راجع : السجود علىٰ التربة الحسينية عند الشيعة الإمامية / الشيخ عبدالحسين الأميني : ٥٥ ـ ٥٦.
٨٩
جبرئيل عليه‌السلام بقبضة من تراب كربلاء وأعطاها للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فشمها وقبلها وفاضت عيناه بالدموع (١).
ولماذا احتفظت أُمّ سلمة بقطعة من تراب كربلاء وصيرتها في قارورة (٢) ؟
__________________
(١) المستدرك علىٰ الصحيحين / الحاكم النيسابوري ٣ : ١٩٤ / ٤٨١٨ وفي طبعة ٣ : ١٧٦ ـ ١٧٧ فضائل أبي عبدالله الحسين بن علي الشهيد عليه‌السلام. وقال الحاكم : هذا حديث صحيح علىٰ شرط الشيخين ولم يخرجاه و ٤ : ٤٣٩ ـ ٤٤٠ / ٨٢٠١ كتاب تعبير الرؤيا. وسير أعلام النبلاء / الذهبي ٣ : ٢٨٨ ـ ٢٨٩ / ٤٨ ترجمة الحسين الشهيد عليه‌السلام مؤسسة الرسالة ـ بيروت ١٤٠١ ه‍ ط ١. ومجمع الزوائد ومنبع الفوائد / نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي ٩ : ١٧٩ ـ ١٨٦. باب فيما اشترك فيه الحسن والحسين من الفضل ، دار الكتاب العربي ـ بيروت ١٩٦٧ م ط ٢. ومقتل الحسين / الخوارزمي ١ : ٢٣١ ـ ٢٣٤ / ١ ـ ٦ في اخبار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الحسين وأحواله ، تحقيق الشيخ محمد السماوي ، دار أنوار الهدىٰ ١٤١٨ ه‍ ط ١. والفصول المهمة : ١٤٥. والصواعق المحرقة / ابن حجر الهيتمي المكي : ٢٩٢ / ٢٨ و ٢٩ الفصل الثالث في الاحاديث الواردة في بعض أهل البيت كفاطمة وولديها ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ١٤١٤ ه‍ ط ٣. وكنز العمال / المتقي الهندي ٦ : ٢٢٣. والخصائص الكبرىٰ / السيوطي ٢ : ١٢٥. ومثير الأحزان في أحوال الأئمة الاثنىٰ عشر عليهم‌السلام أُمناء الرحمن / الشيخ شريف الجواهري : ١٢ منشورات الرضي ـ قم ط ٢. واللهوف في قتلىٰ الطفوف / ابن طاووس : ٦ ـ ٧ منشورات الرضي ـ قم ( أوفسيت علىٰ طبعة منشورات المطبعة الحيدرية في النجف ١٣٦٩ ه‍ ).
(٢) مسند أحمد ٤ : ٢٤٢. ومقتل الحسين / الخوارزمي ١ : ٢٣١ / ١ و ٢٣٤ / ٦. وكنز العمال / المتقي الهندي ٦ : ٢٢٥ ـ ٢٢٦. ومجمع الزوائد / الهيثمي ٩ : ١٨٧ ـ ١٩٠ باب مناقب الحسين بن علي عليه‌السلام. وذخائر العقبى : ١٤٦ ـ ١٤٧.

٩٠
ولماذا كانت الزهراء عليها‌السلام تأخذ من تراب قبر أبيها الطاهر وتشمّه ؟
ولماذا عملت سبحتها من تراب قبر أسد الله وأسد رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) ؟
ولماذا بكىٰ أمير المؤمنين عليه‌السلام حين مرّ بكربلاء وأخذ قبضةً من ترابها فشمّه وبكىٰ حتىٰ بلَّ الأرض بدموعه وهو يقول : « يحشر من هذا الظهر سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب » (٢).
__________________
والخصائص الكبرىٰ / السيوطي ٢ : ١٢٥. وتاريخ دمشق / ابن عساكر ١٤ : ١٩٠ ـ ١٩١ / ٣٥٢٢ و ٣٥٢٣ و ٢٥٢٤ و ٢٥٢٥. وتهذيب تاريخ دمشق / ابن منظور ٧ : ١٣٤ / ١٢٦ ترجمة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، دار الفكر ـ بيروت. والصواعق المحرقة / ابن حجر : ٢٩٢ ـ ٢٩٣ / ٣٠. والأمالي / الشيخ الصدوق : ٢٠٢ / ١ و ٢٠٣ / ٣ مجلس ٢٩ ، تحقيق قسم الدراسات مؤسسة البعثة ـ قم ١٤١٧ ه‍. ومثير الاحزان / الجواهري : ١٢ ـ ١٣. وينابيع المودة لذوي القربىٰ / القندوزي الحنفي ٣ : ١٣ / ١٦ الباب ٦٠، تحقيق سيد علي جمال أشرف الحسيني ، دار الاُسوة ـ قم ١٤١٦ ه‍ ط ١.
(١) وسائل الشيعة / الحر العاملي ٦ : ٤٥٥ / ٨٤٢٧ باب ١٦ من أبواب ما يسجد عليه. ومستدرك وسائل الشيعة / النوري ٤ : ١٢ / ٤٠٥٦ باب ٩ من أبواب ما يسجد عليه. وقولها عليها‌السلام مشهور في ذلك وهو :
ماذا علىٰ من شمَّ تربة أحمد
أن لا يشمَّ مدىٰ الزمان غواليا
صبت عليَّ مصائب لو أنّها
صبت علىٰ الأيام صرن لياليا
والفصول المهمة : ٣٢.
(٢) تهذيب الأحكام ٦ : ٧٢ ـ ٧٣ / ١٣٨ باب ٢٢. وكامل الزيارات / ابن قولويه : ٤٥٢ ـ ٤٥٤ / ٦٨٦ باب ٨٨. وتاريخ دمشق / ابن عساكر ١٤ : ١٩٨ ـ ١٩٩ في ترجمة الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما‌السلام. والصواعق المحرقة / ابن حجر : ٢٩٣ الفصل الثالث. وقعة صفين: ١٤١. المصنف/ ابن أبي شيبة ١٥ : ٩٨ / ١٩١٢١٤.

٩١
ترىٰ ، أبعد هذا يستكثر علىٰ من يعبد الله ولا يشرك بعبادته أحداً ، أن يسجد لله علىٰ تربة قتيل الله وابن قتيله ، وحبيب الله وابن حبيبه ، والداعي إليه والدال عليه والناهض به والباذل دون سبيله أهله ونفسه ونفيسه والواضع دم مهجته في كفه تجاه أعلاء كلمته ونشر توحيده وتوطيد طريقه وسبيله ؟ ( فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) ؟
ومن هنا قال الاستاذ الكبير عباس محمود العقّاد عن أرض الحسين كربلاء المقدسة : ( فهي اليوم حرم يزوره المسلمون للعبرة والذكرىٰ ، ويزوره غير المسلمين للنظرة والمشاهدة ، ولكنها لو أعطيت حقها من التنويه والتخليد لحقَّ لها أن تصبح مزاراً لكلّ آدمي يعرف لبني نوعه نصيباً من القداسة وحظاً من الفضيلة ، لأننا لا نذكر بقعة من بقاع هذه الأرض يقترن اسمها بجملة من الفضائل والمناقب أسمىٰ وألزم لنوع الإنسان من تلك التي اقترنت باسم كربلاء بعد مصرع الحسين عليه‌السلام فيها ) (١).
وبغضّ النظر عمّا في تلك التربة من شرف معنوي باعتبارها مذكِّرا ومنبها علىٰ آيات الصمود الحقّ بوجه الطاغوت ، وما فعله آل الله من إيثار الحقّ علىٰ مهجهم وما جناه آل الشيطان علىٰ أنفسهم ، فإنّها لم تكن في الواقع سوىٰ قطعة من تراب طاهر ، والمناقشة في صحة السجود عليها كالمناقشة في صحة السجود علىٰ أي تراب طاهر ، لكونهما من جنس
__________________
وسير أعلام النبلاء / الذهبي ٣ : ٢٨٨ / ٤٨ ترجمة الحسين الشهيد عليه‌السلام. والأمالي / الصدوق : ٦٩٤ ـ ٦٩٧ / ٥ مجلس ٧٨. وينابيع المودة / القندوزي ٣ : ١٢ / ١٤. وبحار الأنوار / المجلسي ٤٤ : ٢٥٣ و ٢٥٥ و ٢٥٨.
(١) أبو الشهداء : ١٤٥.
٩٢
واحد ، إذ لم تكن تربة الحسين عليه‌السلام معدناً وإن كانت في واقع الحال أعزّ علىٰ قلوب المؤمنين من الذهب الابريز ، بل هي من جملة التراب الطاهر الذي جعله الله تعالىٰ مسجداً وطهوراً.
علىٰ أنّ المناقشة في صحة السجود عليها لم نجد لها أثرا قبل بروز الانحراف في الفكر والعقيدة الذي تزعّمه بعض من تمرّنوا علىٰ قبول الجهل بشكل عجيب ، واعتادوا الكذب الصريح بشكل أعجب من الذين قدّر لهم أن يكونوا دعاة لترويج الباطل وقدر لدعوتهم أن يكون لها أنصار وأتباع (١).
وفي الواقع أن معظم صيحاتها المحمومة من قبيل كذبهم علىٰ المسلمين بأن الشيعة تبيح لأنفسها السجود علىٰ الصنم ! ـ يعنون بذلك السجود علىٰ التربة الحسينية ـ قد ارتدت بحمد الله تعالىٰ إلىٰ نحورهم بعد أن عرف المسلمون حقيقة الأمر وواقعه وأدرك الكثيرون منهم أنّ الأفواه التي أطلقت تلك الصيحة هي نفس الأفواه العفنة التي كفّرت أهل التوحيد في كل مكان بعد أن ابتدعت لها مذهباً ضالاً مضلاً ينكر علىٰ المسلمين توسّلهم بحبيب الله وصفوته من خلقه ، ويبدع عليهم زيارة قبره المطهّر صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع أنّ الثابت بالدليل القاطع هو أنّ حرمة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ميتاً كحرمته حياً.
ومن هنا أقام المسلمون بشتىٰ مذاهبهم الدليل تلو الدليل علىٰ أن الفم
__________________
(١) اُنظر : شبهات حول الشيعة / السيد عباس الموسوي : ٦١ ـ ٦٢ مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت ١٤٠٠ ه‍.
٩٣
الذي يطلق التكفير عليهم كيفما شاء ، إنّما هو من القذارة بمكان لا يستحق معه الجواب أو العتاب ، ولولا مخافة أن ينخدع الغرّ السليم بتلك الأكاذيب والاراجيف التي ما أنزل الله بها من سلطان لما ضمّ هذا الفصل زمان أو مكان (١).
وقد ارتأينا أن يكون الحديث فيه موزعا علىٰ الفقرات الآتية :
أولاً : تاريخ السجود علىٰ التربة الحسينية :
تقدم آنفاً ما يشير إلىٰ أن شرف المكان إنّما هو بشرف المكين ، وكدليل علىٰ ذلك ـ نقتبسه من عصر صدر الإسلام ـ وهو ما جرىٰ علىٰ آل البيت عليهم‌السلام وعموم المسلمين بعد استشهاد أسد الله وأسد رسوله حمزة عليه‌السلام عمّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد أمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نساء المسلمين بالنياحة عليه ، ثم بلغ أمر المسلمين في تكريم حمزة عليه‌السلام بعد استشهاده وعلىٰ مرأىٰ من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلمه أن عملوا التسابيح من تربته ، وكان أول من عمل ذلك سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها‌السلام ، ثم اقتدىٰ بها المسلمون ، حتىٰ بقيت الحالة هكذا إلىٰ أن استشهد الإمام الحسين عليه‌السلام فعُدل بالأمر إلىٰ تربته الشريفة ، وقد جاء التصريح بهذا عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال : « إنّ فاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانت سبحتها من خيط صوف مفتّل ، معقود عليه عدد التكبيرات ، وكانت عليها‌السلام تديرها بيدها تكبّر وتسبح ، حتىٰ قتل حمزة بن عبدالمطلب ، فاستعملت تربته ، وعملت التسابيح فاستعملها الناس ، فلمّا قتل الحسين عليه‌السلام عُدل بالأمر إليه ،
__________________
(١) اُنظر : الأرض والتربة الحسينية / الشيخ كاشف الغطاء : ٢٩.
٩٤
فاستعملوا تربته لما فيها من الفضل والمزية » (١).
وأما عن أهل البيت عليهم‌السلام فقد ثبت سجودهم لله علىٰ تربة السبط الزكي الطاهر ، فإنّ أول من بادر إلىٰ استخدام التربة الحسينية والسجود عليها هو ابنه الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه‌السلام (٢) ، فبعد استشهاد الإمام الحسين عليه‌السلام كانت الإمامة لابنه علي عليه‌السلام فهو الذي قام بدفن أبيه الشهيد بكربلاء ، فبعد أن دفن أباه وأهل بيته وأنصاره ، أخذ قبضة من التربة التي وضع عليها الجسد الشريف ، فشدّ تلك التربة في صرّة وعمل منها سجادة ومسبحة.
ولما رجع الإمام السجاد عليه‌السلام هو وأهل بيته إلىٰ المدينة ، صار يتبرّك بتلك التربة ويسجد عليها ، فأول من صلّىٰ علىٰ هذه التربة واستعملها هو الإمام زين العابدين عليه‌السلام (٣) ثم تلاه ولده الإمام محمد الباقر عليه‌السلام فحثَّ أصحابه عليها ونشر فضائلها وبركاتها ، ثم سار علىٰ ذلك ولده الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام فإنّه نوّه بها لشيعته ، كما وقد التزم الإمام عليه‌السلام ولازم السجود عليها بنفسه (٤).
فقد كان للإمام الصادق عليه‌السلام خريطة من ديباج صفراء فيها من تراب أبي
__________________
(١) مستدرك الوسائل ٤ : ١٢ / ٤٠٥٦ باب ٩ من أبواب ما يسجد عليه. وانظر : وسائل الشيعة ٦ : ٥٥ / ٨٤٢٧ باب ١٦ من أبواب ما يسجد عليه.
(٢) كتاب الإمام زين العابدين / عبدالرزاق المقرم : ٢٢٥. وانظر مناقب آل أبي طالب ٢ : ٢٥١.
(٣) بحار الأنوار / المجلسي ١٠١ : ١٣٦ / ٧٨ عن دعوات الراوندي.
(٤) الأرض والتربة الحسينية / الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء : ٣١ ـ ٣٢.
٩٥
عبدالله الحسين عليه‌السلام ، وكان اذا حضرته الصلاة صبّه علىٰ سجادته وسجد عليه لله عزَّ وجلّ ، كما ان المروي عنه عليه‌السلام أنه كان لا يسجد إلاّ علىٰ تربة الحسين عليه‌السلام تذللاً لله واستكانة إليه ، ولم تزل الأئمة من أولاده تحرك العواطف وتحفّز الهمم وتوفر الدواعي إلىٰ السجود عليها والالتزام بها وبيان تضاعف الأجر والثواب في التبرك والمواظبة عليها حتىٰ التزمت الشيعة إلىٰ اليوم هذا الالتزام مع عظيم الاهتمام ، ولم يمضِ علىٰ زمن الإمام الصادق عليه‌السلام قرن واحد حتىٰ صارت الشيعة تضعها ألواحاً وتضعها في جيوبها كما هو المتعارف اليوم (١).
وفي جوابات الإمام المهدي (عج) لمحمد بن عبدالله بن جعفر الحميري ، وقد سأله عن السجود علىٰ لوح من طين القبر الشريف ـ أي التربة الحسينية ـ فأجاب عليه‌السلام : « يجوز ذلك وفيه الفضل » (٢).
ثانيا : الالتزام بالسجود علىٰ التربة الحسينية :
التزام الشيعة الإمامية بالسجود علىٰ التربة الحسينية لا يعني اعتقادهم بعدم صحة السجود إلاّ علىٰ التربة الحسينية ، إذ لا وجود لهذا القول عند فقهائهم أجمع ، بل لا توجد رواية واحدة في الحديث الشيعي تحصر السجود بالتربة الحسينية ، نعم وردت روايات كثيرة متواترة عن أهل البيت عليهم‌السلام في بيان فضل التربة الحسينية وطهارتها واستحباب السجود عليها مع كونها أسلم من غيرها من جهة النظافة والنزاهة المؤكدة فيها
__________________
(١) الأرض والتربة الحسينية / كاشف الغطاء : ٣٢.
(٢) بحار الأنوار / المجلسي ١٠١ : ١٣٥ / ٧٤. ووسائل الشيعة ٣ : ٦٠٨.
٩٦
ونحو ذلك من المسوغات المشروعة والتي يمكن اجمالها بالنقاط الآتية :
١ ـ اطمئنان الساجد علىٰ التربة الحسينية بان يسجد لله علىٰ قطعة طاهرة من الأرض لا تختلف عن غيرها من تراب الأرض إلاّ من الناحية المعنوية.
٢ ـ التأسي بأهل البيت عليهم‌السلام من جهة الاقتداء بأفعالهم في السجود علىٰ التربة الحسينية ، وبأقوالهم الثابتة في الحث علىٰ السجود عليها أيضاً.
٣ ـ صلة التربة الحسينية بالمعاني الروحية الرفيعة التي ندب الإسلام إليها ، فهي تذكّر بالتضحية والصمود من أجل العقيدة والتفاني المنقطع النظير من أجل إعلاء كلمة الحقّ وإزهاق الباطل.
وما أجمل بالمصلي أن يتوجه لله عزَّ وجلَّ بقلب خالص من الرياء ويتذكر ما صنعه الحسين عليه‌السلام في عاشوراء من أجل الدفاع عن الإسلام وتحطيم هياكل الجور والفساد والظلم والاستبداد ، مجدداً العهد مع الله عزَّ وجلّ وهو واضع جبهته علىٰ تراب الحسين ، بأنّه سيمضي في طريقه ولا يخشىٰ في الله لومة لائم.
ثالثاً : السرّ في تقبيل التربة الحسينية :
وأما عن تقبيل التربة الحسينية إنّما هو اقتداء بما فعله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذ ثبت من طرق العامّة ـ كما رواه جمع من حفّاظهم ـ بأنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا جاءه جبرئيل عليه‌السلام بقبضةٍ من تراب كربلاء ، شمها وقبلها وأخذ يقلّبها بحزن بالغ حتىٰ قالت له أُمّ سلمة : ما هذه التربة يا رسول الله ؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أخبرني جبرائيل أنّ ابني هذا ـ يعني الحسين عليه‌السلام ـ يقتل بأرض العراق ،

٩٧
فقلت لجبرائيل : أرني تربة الأرض التي يقتل بها ، فهذه تربتها » (١).
وفي رواية أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر أمُّ سلمة بحفظها قائلاً : « هذه التربة التي يقتل عليها ـ يعني الحسين ـ ضعيها عندك فإذا صارت دماً فقد قتل حبيبي الحسين ».
وفي خبر آخر عن أبي وائل شقيق أُمُّ سلمة .. ثم قال لها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « وديعة عندك هذه ـ فشمّها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : ـ ويح كرب وبلاء ».
ثم قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « يا أُمّ سلمة ، إذا تحولت هذه التربة دماً ، فاعلمي أنّ ابني قد قتل ».
قال أبو وائل : فجعلتها أُمّ سلمة في قارورة ، ثم جعلت تنظر إليها كلّ يوم وتقول : إنّ يوما تحولين دماً ليوم عظيم (٢).
__________________
(١) المعجم الكبير / الطبراني ٣ : ١٠٨ ـ ١١٠ / ٢٨١٧ و ٢٨١٨ و ٢٨١٩ و ٢٨٢٠ و ٢٨٢١. والمستدرك علىٰ الصحيحين / الحاكم النيسابوري ٤ : ٤٤٠ / ٨٢٠٢ كتاب تعبير الرؤيا وفي طبعة ٤ : ٤٩٨. وقال الحاكم : هذا حديث صحيح علىٰ شرط الشيخين ولم يخرجاه. سير أعلام النبلاء / الذهبي ٣ : ١٨٨ ـ ١٨٩ / ٤٨ ترجمة الحسين الشهيد عليه‌السلام. وذخائر العقبىٰ في مناقب ذوي القربىٰ / المحب الطبري : ١٤٦ ـ ١٤٨ مكتبة القدسي ١٣٥٦ ه‍. ومنتخب كنز العمال / المتقي الهندي ٥ : ٦٦ مقتل الحسين رضي‌الله‌عنه ، دار إحياء التراث العربي ١٤١٠ ه‍ ط ١.
(٢) المعجم الكبير / الطبراني ١ : ١٢٤ / ٥١ ـ ٥٤. ومقتل الحسين / الخوارزمي ١ : ٢٣١ / ١ و ٦. ومجمع الزوائد / الهيثمي ٩ : ١٨٨ ـ ١٨٩ باب مناقب الحسين بن علي عليه‌السلام. وذخائر العقبىٰ : ١٤٧ في ذكر إخبار الملك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقتل الحسين عليه‌السلام. والخصائص الكبرىٰ / السيوطي ٢ : ١٢٥ و ١٢٦. وأعلام النبوة /

٩٨
فالشيعة يقبّلونها كما قبّلها النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويشمّونها كما شمّها كأغلىٰ العطور وأثمنها ، ويدّخرونها كما ادّخرها ، ويسكبون عليها الدموع كما سكب عليها دمعه اقتفاءً لاثره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واتّباعاً لسُنّة الله وسُنّة رسوله وأهل بيته عليهم‌السلام ، ولكلِّ مسلم في رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اُسوة حسنة ، وآها لها من تربة سكب عليها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دمعه قبل أن يهراق فيها دم مهجته وحبيبه.
ولا شك في أنّ الاقتداء بسُنّة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الواجبات الثابتة عند جميع المسلمين بلا خلاف ، قال تعالىٰ : ( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (١).
وروي أن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام لما نزل كربلاء في مسيره إلىٰ صفين ، وقف هناك ونظر إلىٰ مصارع أهله وذريته وشيعته ومسفك دماء مهجته وثمرة قلبه ، وأخذ من تربتها وشمّها قائلاً : « واهاً لكِ أيتُها التربة ، ليحشرنّ منك أقوام يدخلون الجنة بغير حساب ثم قال : طوبىٰ لك من تربة
__________________
الماوردي : ٨٣. ومسند أحمد بن حنبل ٧ : ٤١٨ / ٢٥٩٨٥ وفي طبعة ٦ : ٢٩٤. وتاريخ دمشق / ابن عساكر ١٤ : ١٩٠ ـ ١٩٤ / ٣٥٢٢ ـ ٣٥٣٢ ترجمة الإمام الحسين رقم / ١٥٦٦. وسير اعلام النبلاء / الذهبي ٣ : ٢٨٨ ـ ٢٨٩ / ٤٨ ترجمة الحسين الشهيد عليه‌السلام. وكنز العمال / المتقي الهندي ١٣ : ١٠٨ و ١١١ و ١٦ : ٢٢٥ ـ ٢٢٦. وفي طبعة ٦ : ٢٢٣. والصواعق المحرقة : ٢٩٢ ـ ٢٩٣ / ٣٠ الفصل الثالث. والروض النضير ١ : ٩٢ ـ ٩٤. وتاريخ الإسلام / الذهبي ٣ : ١١. وأمالي الطوسي ١ : ٣٢٥.
(١) سورة الاحزاب : ٣٣ / ٢٠.
٩٩
عليك تهراق دماء الأحبة » (١).
بل وحتىٰ لو لم يرد في ذلك شيء عن الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعترته المعصومين عليهم‌السلام ، فلا ضير في تقبيل التربة الحسينية أصلاً ، وأي محذور في تقبيل شيء يذكّرك بمُثُل الإسلام العليا وقيمه الراقية التي تجسدت في شخص الإمام الحسين عليه‌السلام.
على أن تقبيل التربة الحسينية لا للتربة ذاتها ، وإنما لاضافتها إلىٰ الامام الحسين عليه‌السلام الذي تكمن في اسمه كلّ فضيلةٍ مع ما توحيه تلك التربة لكل غيور علىٰ الإسلام من ضرورة الجهاد في سبيل الله والدفاع عن حياض العقيدة مع نصرة الحق أينما كان.
نعم ، لو لم يرد في تقبيلها شيء من السُنّة لكان أصل التقبيل محبباً عقلاً ، لأنّه التعبير الصادق عن الوفاء والحب فيكون من قبيل قولهم :
أمرُّ علىٰ الديار ديار ليلىٰ
أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبّ الديار شغفن قلبي
ولكن حبّ من سكن الديارا
رابعاً : حكم السجود علىٰ التربة الحسينية :
بعد ثبوت سيرة الأئمة من أهل البيت عليهم‌السلام ابتداءً من الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه‌السلام وانتهاءً بالإمام المهدي عليه‌السلام في السجود علىٰ
__________________
(١) تهذيب الأحكام ٦ : ٧٢ ـ ٧٣ / ١٣٨ باب ٢٢. وكامل الزيارات ٤٥٣ ـ ٤٥٤ / ٦٨٦ باب ٨٨. وبحار الأنوار ٤٤ : ٢٥٣ و ٢٥٥ و ٢٥٨. ومجمع الزوائد ٩ : ١٤٦ و ١٤٨ و ١٥٧.
١٠٠
التربة الحسينية بما ليس فيه أدنىٰ مجال للشك ، وبعد ثبوت كون السجود علىٰ مطلق الأرض هو الفرض النازل من الله تعالىٰ علىٰ عباده والمؤكد بسُنة نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، سيكون السجود علىٰ التربة الحسينية ليس فرضاً ، وإنّما من المستحبات الأكيدة وهذا هو ما يقوله جميع الشيعة بلا استثناء اقتداءً بأهل البيت عليهم‌السلام ، ولهذا تراهم كما يسجدون علىٰ التربة الحسينية يسجدون علىٰ غيرها مما صح السجود عليه كالتراب والرمل والحصىٰ أو مما أنبتت الأرض مما لم يؤكل ولا يلبس.
ومع هذه الحقيقة قد ذهب المتطرفون من خصوم الشيعة إلىٰ القول بأن الشيعة لا تجيز السجود علىٰ غير التربة الحسينية ، بل وصفوا سجودهم علىٰ التربة الحسينية بالسجود لغير الله ، ومن غبائهم أنهم لم يفرقوا بين السجود علىٰ الشيء وبين السجود للشيء ، إذ لو جاز أن يقال إنّ الشيعة تسجد للتربة الحسينية ، لجاز القول بأنّ العامّة تسجد للأرض أي تسجد لما هو أدنىٰ وأقل منزلة من التربة الحسينية لثبوت شرف التربة الحسينية علىٰ غيرها من الأرض. هذا في الوقت الذي نجد فيه تصريح جميع فقهاء الشيعة بأنّه يحرم السجود لغير الله وأنّه من يفعل ذلك فقد كفر وخرج عن دين الإسلام ؛ لأنّ السجود عبادة فلا تصح لأحد سواه تعالىٰ مهما كان نبياً أو وصيّاً.
قال الشيخ عبدالحسين الأميني رحمه‌الله : وليس اتخاذ تربة كربلاء لدىٰ الشيعة من الفرض المحتّم ، ولا من واجب الشرع والدين ، ولا مما ألزمه المذهب ، ولا يفرق أي أحد منهم ـ منذ أول يوم ـ بينها وبين غيرها من تراب الأرض في جواز السجود عليه ، خلافاً لما يزعمه الجاهل بهم

١٠١
وبآرائهم ، وإن هو عندهم إلاّ استحسان عقلي ليس إلاّ لما هو أولىٰ بالسجود لدىٰ العقل والمنطق والاعتبار وحسب.
وكثير من رجال المذهب يتخذون معهم في أسفارهم غير تربة كربلاء مما يصح السجود عليه كحصير طاهر نظيف يوثق بطهارته أو خمرة مثله ويسجدون عليها في صلواتهم (١).
فتاوىٰ فقهاء الشيعة بالسجود علىٰ التربة الحسينية :
١ ـ الشيخ أبو يعلىٰ حمزة بن عبدالعزيز الديلمي الملقب ب‍ « سالار » ( ت / ٤٦٢ ه‍ ) قال : ( لا صلاة إلاّ علىٰ الأرض أو ما انبتته مالم يكن ثمراً أو كثراً أو كسوة فلهذا لا تجوز الصلاة علىٰ القطن والكتان ، وإنّما يُصلّىٰ علىٰ البواري والحصر... وما يستحب السجود عليه ، وهو الألواح من التربة الحسينية المقدسة... ) (٢).
٢ ـ عماد الدين أبو جعفر محمد بن علي بن حمزة الطوسي « المعروف بابن حمزة » ، قال : ( الأرض كلّها مسجد يجوز السجود عليها وعلىٰ كل ما ينبت منها مما لا يؤكل ولا يُلبس بالعادة إلاّ الحصر المعمولة بالسيور الظاهرة ، إذا اجتمع فيه شرطان : الملك أو حكمه وكونه خالياً من النجاسة ، ويستحب السجود علىٰ الألواح من التربة ـ الحسينية ـ وخشب قبور الأئمة عليهم‌السلام ان وجد ولم يتقِ ) (٣).
__________________
(١) السجود علىٰ التربة الحسينية عند الشيعة الإمامية / عبدالحسين الاميني : ٦٧.
(٢) المراسم / سالار ، سلسلة الينابيع الفقهية ٣ : ٣٦٨ باب أحكام ما يصلّىٰ عليه كتاب الصلاة.
(٣) الوسيلة إلىٰ نيل الفضيلة / ابن حمزة الطوسي ، سلسلة الينابيع الفقهية ٤ : ٥٨٢

١٠٢
٣ ـ الشيخ أبو زكريا يحيىٰ بن أحمد بن يحيىٰ بن الحسن بن سعيد الهذلي ( ت / ٦٨٩ أو ٦٩٠ ه‍ ) ، قال : ( ولا يجوز السجود بالجبهة إلاّ علىٰ الأرض أو ما انبتته الأرض إلاّ ما أكل أو لُبس ويعتبر فيه وفي الثياب ، والمكان أن يكون مملوكاً أو مأذوناً فيه ويكون طاهراً... والسُنّة : السجود علىٰ الأرض للخبر وما بين قصاص الشعر إلىٰ طرف الأنف وسجد ما وقع منه علىٰ الأرض أجزأه ، وعن أهل البيت عليهم‌السلام « الناس عبيد ما يأكلون ويلبسون فاحب أن يُسجد له علىٰ مالا يعبدونه » ويستحب السجود علىٰ التربة الحسينية ، والله أعلم ) (١).
٤ ـ الشيخ محمد محسن الفيض الكاشاني ( ت / ١٠٩١ ه‍ ) ، قال : ( ... واهوِ للسجود بخضوع وخشوع ، متلقيا إلىٰ الأرض بكفيك قبل ركبتيك ، وتجنح في سجودك بيديك ، باسطاً كفيك ، مضمومتي الأصابع حيال منكبيك ووجهك ، غير واضع شيئاً من جسدك علىٰ شيء منه ممكّناً جبهتك من الأرض ، وأفضلها التربة الحسينية ـ علىٰ صاحبها أفضل التسليمات ـ جاعلاً أنفك ثامن مساجدك السبعة مرغما به ناظراً إلىٰ طرفه ) (٢).
٥ ـ قال السيد كاظم اليزدي في عروته الوثقىٰ ما نصّه : ( السجود علىٰ
__________________
فصل في بيان ما يجوز السجود عليه ، كتاب الصلاة.
(١) الجامع للشرائع / الشيخ ابن زكريا الهذلي ، سلسلة الينابيع الفقهية ٤ : ٨٦٥ ما يسجد عليه من كتاب الصلاة.
(٢) منهاج النجاة / الفيض الكاشاني : ٦٨ مؤسسة البعثة ، قسم الدراسات الإسلامية ـ طهران ١٤٠٧ ه‍ ط ١.
١٠٣
الأرض أفضل من النبات والقرطاس ، ولا يبعد كون التراب أفضل من الحجر.
وأفضل من الجميع التربة الحسينية ، فإنّها تخرق الحجب السبع وتستنير إلىٰ الأرضين السبع ) (١).
٦ ـ قال الإمام روح الله الموسوي الخميني قدس‌سره : ( يعتبر في مسجد الجبهة مع الاختيار كونه أرضاً أو قرطاساً ، والأفضل التربة الحسينية وهي تحمل ذكرىٰ الإمام الحسين الشهيد عليه‌السلام ) (٢).
٧ ـ السيد علي الحسيني السيستاني : قال : ( يعتبر في مسجد الجبهة أن يكون من الأرض أو انباتها غير ما يؤكل أو يلبس ، فلا يجوز السجود علىٰ الحنطة والشعير والقطن ونحو ذلك.
ويجوز السجود اختياراً علىٰ القرطاس المتخذ من الخشب وكذا المتخذ من القطن أو الكتان علىٰ الأظهر دون المتخذ من الحرير والصوف ونحوهما علىٰ الأحوط.
والسجود علىٰ الأرض أفضل من السجود علىٰ غيرها ، والسجود علىٰ التراب أفضل من السجود علىٰ غيره وأفضل من الجميع التربة الحسينية
__________________
(١) العروة الوثقىٰ / السيد كاظم اليزدي ١ : ٤٢٩ / ١٣٧٤ مسألة ٢٦ في مسجد الجبهة من مكان المصلي.
(٢) زبدة الأحكام / الإمام الخميني : ٥٠ ـ ٥١ مسألة ٩ مكان المصلي كتاب الصلاة ، منظمة الاعلام الاسلامي ـ طهران ١٤٠٤ ه‍.
١٠٤
علىٰ مشرفها آلاف التحية والسلام ) (١).
خامساً : آثار وفوائد التربة الحسينية والسجود عليها :
للتربة الحسينية المباركة شرف عظيم ومنزلة رفيعة كما أكدت عليها الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم‌السلام فهي :
١ ـ شفاء من كل داء وأمان من كلِّ خوف :
فقد ثبت أنّ للتربة الحسينية أثراً في علاج الكثير من الأمراض التي تعسّر شفاءها بواسطة العقاقير الطبية ، وقد جرّب الكثير من محبي الإمام الحسين عليه‌السلام ونالوا الشفاء ببركة صاحب التربة المقدسة.
روىٰ محمد بن مسلم عن الإمامين الباقر والصادق عليهما‌السلام من أن للإمام الحسين عليه‌السلام ثلاث فضائل مميزات ينفرد بها عن غيره من جميع الخلق مع ما له من الفضائل الاُخرىٰ والتي يصعب عدّها قال عليه‌السلام : « ... أن جعل الإمامة في ذريته ، والشفاء في تربته ، وإجابة الدعاء عند قبره ... » (٢).
وقال الإمام الصادق عليه‌السلام : « في طين قبر الحسين عليه‌السلام شفاء من كل داء وهو الدواء الأكبر » (٣). علماً أنّ الأخبار تظافرت بحرمة أكل الطين إلاّ من تربة قبر الإمام الحسين عليه‌السلام بآداب مخصوصة وبمقدار معين ، وهو أن
__________________
(١) المسائل المنتخبة / السيد علي السيستاني : ١٣١ ـ ١٣٢ الثالث من باب السجود كتاب الصلاة ـ قم ط ٥.
(٢) إعلام الورىٰ بأعلام الهدىٰ / الطبرسي ١ : ٤٣١.
(٣) من لا يحضره الفقيه ٢ : ٣٦٢ / ١٦١٩ باب ٢٢١ فضل تربة الحسين عليه‌السلام. وتهذيب الأحكام ٢ : ٢٦.
١٠٥
يكون أقل من حمصة وأن يكون آخذها من القبر بكيفية خاصة وأدعية معينة (١).
وروي أنّه لما ورد الإمام الصادق عليه‌السلام إلىٰ العراق ، اجتمع إليه الناس ، فقالوا : يا مولانا تربة قبر مولانا الحسين شفاء من كلِّ داء ، وهل هي أمان من كلِّ خوف ؟ فقال عليه‌السلام : « نعم ، إذا أراد أحدكم أن تكون أماناً من كلِّ خوفٍ ، فليأخذ السبحة من تربته ، ويدعو دعاء ليلة المبيت علىٰ الفراش ثلاث مرات. وهو أمسيت اللهمَّ معتصماً بذمامك المنيع الذي لا يطاول ولا يحاول من شرِّ كلِّ غاشمٍ وطارقٍ من سائر من خلقت وما خلقت من خلقك الصامت والناطق من كلِّ مخوف بلباس سابغة حصينة ولاء أهل بيت نبيك عليهم‌السلام ، محتجباً من كلِّ قاصد لي إلىٰ أذيّة بجدار حصين ، الاخلاص في الاعتراف بحقهم والتمسّك بحبلهم ، موقنا أنّ الحق لهم ومعهم وفيهم وبهم ، أوالي من والوا ، وأجانب من جانبوا.
فصلِّ علىٰ محمد وآل محمد وأعذني اللهمَّ بهم من شرِّ كل ما اتقيه ، يا عظيم حجزت الأعادي عنّي ببديع السموات والأرض ( وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ).
ثمّ يقبّل السبحة ويضعها علىٰ عينيه ، ويقول : اللهمَّ إنّي أسألك بحقّ هذه التربة ، وبحقّ صاحبها ، وبحقّ جده وأبيه ، وبحقّ أُمّه وأخيه ، وبحقِّ ولده الطاهرين اجعلها شفاءً من كلِّ داء ، وأماناً من كلِّ خوف ، وحفظا من كلِّ سوء ، ثمّ يضعها في جيبه.
__________________
(١) راجع : من لا يحضره الفقيه ٢ : ٣٦٢ / ١٦٢٠ الباب السابق.
١٠٦
فان فعل ذلك في الغدوة فلا يزال في أمان حتىٰ العشاء ، وإن فعل ذلك في العشاء فلا يزال في أمان الله حتى الغدوة » (١).
وروي عن الإمام الرضا عليه‌السلام انه ما كان يبعث إلىٰ أحدٍ شيئا من الثياب أو غيره إلاّ ويجعل فيه الطين ـ يعني طين قبر الحسين عليه‌السلام ـ وكان يقول عليه‌السلام : « هو أمان باذن الله » (٢).
٢ ـ اتخاذها مسبحة :
والملاحظ أن أهل البيت عليهم‌السلام كانوا يوصون شيعتهم بضرورة الاحتفاظ بمسبحة من طين قبر الإمام الحسين عليه‌السلام واعتبارها أحد الأشياء الأربعة التي لابدَّ وان ترافق المؤمن في حلّه وترحاله ، قال الإمام الصادق عليه‌السلام : « لا يستغني شيعتنا عن أربع : خمرة يصلي عليها ، وخاتم يتختم به ، وسواك يستاك به ، وسبحة من طين قبر الحسين عليه‌السلام » (٣).
وفي معرض بيان ثواب التسبيح بمسبحة مصنوعة من طين قبر الإمام الحسين عليه‌السلام بالاستغفار والذكر مالا ينبغي الاستغفال عنه لعظمة ما يترتب عليه من فوائد وآثار فقد روي عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال : « من أدار سبحة من تربة الحسين عليه‌السلام مرة واحدة بالاستغفار أو غيره ، كتب الله له سبعين مرة ... » (٤).
وروي عنه عليه‌السلام أنّه قال : « ومن كان معه سبحة من طين قبر الحسين عليه‌السلام
__________________
(١) فلاح السائل / السيد ابن طاووس : ٢٢٣ ـ ٢٢٤.
(٢) كامل الزيارات / ابن قولويه : ٢٧٨.
(٣) وسائل الشيعة ٣ : ٦٠٣ و ١٠ : ٤٢١. وبحار الأنوار ١٠١ : ١٣٢.
(٤) مكارم الأخلاق / الطبرسي : ٣٠٢. وسائل الشيعة ٦ : ٤٥٦ / ٨٤٣٠ باب ٤.
١٠٧
كتب مُسبِّحاً وإن لم يسبّح بها ... » (١).
٣ ـ السجود عليها يخرق الحجب السبعة :
روي عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال : « إنّ السجود علىٰ تربة أبي عبدالله ـ الحسين ـ عليه‌السلام يخرق الحجب السبعة » (٢).
وقد علّق الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء علىٰ هذا الحديث بقوله : ولعلَّ المراد بالحجب السبعة هي الحاءات السبعة من الرذائل التي تحجب النفس علىٰ الاستضاءة بأنوار الحق وهي : ( الحقد ، الحسد ، الحرص ، الحدة ، الحماقة ، الحيلة ، الحقارة.
فالسجود علىٰ التربة من عظيم التواضع والتوسل بأصفياء الحق يمزقها ويخرقها ويبدلها بالحاءات السبع من الفضائل وهي : الحكمة ، الحزم ، الحلم ، الحنان ، الحصانة ، الحياء ، الحب ) (٣).
٤ ـ السجود عليها ينوّر الأرضين السبع :
قال الإمام الصادق عليه‌السلام : « السجود علىٰ طين قبر الحسين عليه‌السلام ينوّر إلىٰ الأرض السابعة » (٤).
وآخر دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين
__________________
(١) من لا يحضره الفقيه ١ : ١٧٤ / ٧٢٥ باب ٤٠.
(٢) وسائل الشيعة ٣ : ٦٠٨. وبحار الأنوار ١٠١ : ١٣٥ و ٨٥ : ١٥٣.
(٣) الأرض والتربة الحسينية / الشيخ كاشف الغطاء : ٣٢.
(٤) من لا يحضره الفقيه ١ : ١٧٤ / ٧٢٥ ـ باب ٤٠ ما يسجد عليه وما لا يسجد عليه.

مقتبس من كتاب : [ السجود مفهومه وآدابه والتربة الحسينية ] / الصفحة : 79 ـ 108

 

أضف تعليق


التربة الحسينيّة

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية