أين عصمة الأنبياء عندما تسببت أخطاؤهم بعقوبتهم أحياناً ؟
السؤال : أين عصمة الأنبياء عندما تسببت أخطاؤهم بعقوبتهم أحيانا مثل إنزال آدم إلى الدنيا ، أو رمي يونس في بطن الحوت ، أو عندما قتل موسى ، أو خوف هارون من قومه ، وعدم منعهم عن العجل ؟
الجواب : من سماحة الشيخ هادي العسكري
يونس بن متّى ما كان منهياً عن الخروج من المدينة ، ولم يصدر منه مخالفة أو عصياناً حتى يكون ما جرى له تأديباً وعقاباً ، بل حيث ظن أنّ البلاء يعم من يبقى في المدينة والخارج منها يسلم من البلاء ، وينجو من الابتلاء ، وكان يعلم أنّه لا يستحق العقاب ولا يصيبه العذاب .
وما كان يعلم أنّه لن يسلم من الابتلاء ، وغافلاً أنّ الابتلاء إن كان مقدراً له ، فسيصيبه حتى مع الخروج ، وإن لم يكن مقدراً له ، فلن يصيبه حتى مع كونه في وسط المدينة وفي محتشد الاُمّة ، وفي الواقع وفي علم الله كان مقدراً عليه الضيق والابتلاء ، وهو ما كان يعلم بهذا التضييق ، وهذا التقدير .
وهذا معنى : { فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ } (الأنبياء/87) ؛ بدليل قوله عز اسمه :{ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} آية 7 سورة طلاق .
وكذا بشهادة قوله تبارك وتعالى: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ }16سورة الفجر.
وفي كلتا الآيتين التقدير يكون بمعنى : التضييق والتقتير ولا يعني القوة والقدرة حتى لا يناسب مقام النبي يونس الظن بعدمها ، فوقوع المساهمة باسمه ، وبلع الحوت له كان ابتلاء واختباراً له لا تأديباً وعقاباً ؛ ويشهد لهذا أيضاً قوله عز اسمه: فـ{ َنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} (الأنبياء/88). من الغم أيضاً عند ذكرهم:{ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ} (الأنبياء/87). لا أنّه رفع العقاب عنه ، ويرفع العذاب عنهم ، ويتوب عليهم عند ذكرهم ذكر اليونسية وهذا واضح .
ولم يكن من موسى على نبيينا وآله عليه السلام قتل نفس مؤمنة محترمة بل كان قتل نفس كافرة مجرمة ولم يأخذ عليه أحد في قتله .
هذا والآية تصرح بمنع هارون عن عبادة العجل ودعوتهم لاتباع أمره وإطاعته وإجابتهم:{ لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى}(طه/91). واعتذاره لأخيه : {إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي } (الأعراف/150).
فكيف تقول : لم يمنعهم عن عبادة العجل ، مإذا يصنع مع استضعافه ومغلوبيته سوى انتظار أخيه ومجيئه ، واعتضاده به ، ثمّ اتباع أمره فيهم ، والظلم هو : وضع الشيء في غير موضعه ، ويصح إطلاقه في كل مورد يخسر الإنسان نجاحه ، ويقدم على عمل كان الفوز له أن يتركه ، أو يترك أمراً كان صلاحه أن يفعله ، ولا يختص بصدور الذنب والاستغفار عنه .
الأنبياء إذا كانوا المعصومين ، فما وجه استغفارهم ؟
السؤال : لمإذا يستغفر ويتضرع الأنبياء لله بالرغم من أنّهم معصومون من ارتكاب الذنوب؟
الجواب : من سماحة الشيخ علي الكوراني
استغفار الأنبياء والأئمة عليهم السلام وتوبتهم ، إنّما هي من ذنوبهم التي هي بمستواهم ، وليست مثل معاصينا وذنوبنا .. مثلاً ، لو نام أحدنا عن صلاة الليل فليس هذا ذنباً ، ولكن المعصوم يعتبره ذنباً ، ويستغفر منه ، ويبكي عليه ، وعندما يتحدث أحدنا إلى جماعة ، وينظر إلى بعضهم فقط ولا يوزع نظره عليهم جميعاً ، فهذا ليس ذنباً بالنسبة لنا ، ولكنه ذنب بالنسبة إلى المعصوم عليه السلام .. وهكذا
الأنبياء وسائر المعصومين ع يعتبرون أنفسهم من المذنبين
السؤال : إنّ الأنبياء وسائر المعصومين عليهم السلام يعتبرون أنفسهم من المذنبين ، كما ينقل عن أدعيتهم ومناجاتهم ، وينقل أيضاً استغفارهم من الذنوب ، ومع صدور مثل هذا الاعتراف و الإقرار منهم ، فكيف نعدهم معصومين ؟
الجواب : من سماحة الشيخ علي الكوراني
اعتقادنا أنّ الأنبياء عليهم السلام معصومون عن المعاصي الكبائر والصغائر ، قبل البعثة وبعدها ، وأنّ ذنوبهم التي يستغفرون الله تعالى منها ، ذنوب من مستواهم لا من نوع ذنوبنا ومعاصينا ..
مثلاً إذا نام أحدهم عن صلاة الليل اعتبرذلك ذنباً ، وإن غفل عن ذكر الله تعالى فترة من الزمن ولو قصيرة ، اعتبره ذنباً .. وهكذا .
وقد ورد في الحديث الشريف : « حسنات الأبرار سيئات المقربين » ، فلو أنّ أحدنا مثلاً قهقه في ضحكه لما كان ذلك حراماً ، لكن ذلك من المعصوم ذنب يستغفر الله منه ، ولو أنّ أحداً تصدق لمشروع ، أو على شخص علناً مفتخراً بذلك ، لما فعل حراماً ، وربما كان له ثواب بذلك ، لكن ذلك من المعصوم ذنب يستغفر الله عليه .
وهذا ما نلاحظه في حياتنا ، فإنّ الشخص العادي لو أكل وهو ماشٍ في الشارع ، أو ركب دراجة ، لما كان ذلك عيباً ، لكن لو فعله عالم أو شخصية محترمة ، لكان عيبا وذنباً عرفياً ، وهكذا كل ذنوب الأنبياء عليهم السلام المذكورة في الآيات والروايات فهي من هذا النوع ، وليس فيها معصية لله تعالى توجب غضبه .