أريد دليل صريح من القرآن يحلّل طلب العون من غير الله ؟

البريد الإلكتروني طباعة

السؤال :

طلب العون من غير الله شرك. الرسول عليه السلام والصحابه الكرام هم الآن أموات ، فكيف تطلب العون من ميّت وتذكروا انّ الله قال : ( إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ) ؟

أبغاكم تجيبوا لي دليل صريح من القرآن يحلّل الشرك.

الجواب :

قال الله تعالى : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) (1).

كيف يكون طلب العون من غير الله تعالى شركاً مع انّ القرآن الكريم يصرّح بأنّ سليمان النبي عليه السلام طلب من ملائه أن يأتوا بعرش بلقيس ، فقال عفريت من الجنّ : أنا آتيك بعرشها في قبل ان تقوم من مقامك ، وقال آصف بن برخيا : أنا آتيك به في طرفة عين ، وقد أتى به بطريق إعجازي. (2)

فهل كان سليمان مشركاً ؟ ولماذا لم يطلب من الله تعالى وطلب من المخلوقين ؟

ثمّ ماذا تقول عن إخوة يوسف حيث قالوا لأبيهم يعقوب النبي عليه السلام : ( يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ) (3) ؛ فلم يقل لهم أبوهم يعقوب طلبكم هذا شرك فاطلبوا من الله تعالى أن يغفر لكم ، بل قرّرهم ووعدهم بأن يستغفر لهم (4).

فهل كان طلبهم العون من أبيهم وشركاً ؟ وهل قرّرهم النبي يعقوب عليه السلام على الشرك ؟!

وإذا كان طلب العون من غير الله تعالى ـ مع العلم بأنّ الله تعالى هو مسبّب الأسباب ـ شركاً ، فكيف تفسير قول الله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّـهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّـهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) (5) ، كيف صار المجيء إلى الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله شرطاً لقبول توبتهم ؟ وهل هذا إلّا طلب العون من الرسول لكي يتوسّط بينهم وبين الله تعالى ليغفر لهم ؟!!

وإذا كان طلب العون من المخلوق شركاً ، فذهاب المريض إلى الطبيب وطلب العلاج منه شرك ، لأنّه طلب العون من غير الله تعالى.

ثمّ ماذا تصنع بالحديث الذي يرويه البخاري في صحيحه وغيره من المحدّثين : انّ عمر بن الخطاب توسّل بالعبّاس عمّ النبي صلّى الله عليه وآله في الإستسقاء ، وقال : اللهمّ إنّا كنّا نتوسّل بنبيّك فتمطرنا وها نحن نتوسّل بعمّ نبيّك فأمطرنا. (6)

وهل كان عمر مشركاً حيث طلب من العبّاس ان يدعو الله لأجل الإستسقاء ؟!

إن قلت انّ هؤلاء توسّلوا بالأحياء وطلبوا العون من الأحياء ، قلنا هل الطلب من غير الله شرك أم لا ؟ فإذا كان شركاً فلا فرق بين الطلب من الحيّ أو الميّت ، ولا بين الطلب من الإنسان أو الجماد ، وإذا لم يكن شركاً فلا فرق أيضاً بين الطلب من الحيّ أو من الميّت ، غاية الأمر يكون الطلب من الميّت لغواً وعبثاً لا أنّه شرك ، لأنّه لو كان شركاً فلأجل كونه طلباً من غير الله وهذا يصدق في الطلب من الحيّ.

فالصحيح هو انّ الله تعالى مسبّب الأسباب وعلّة العلل ولا مؤثّر في الوجود إلّا الله تعالى ، غاية الأمر أبى الله تعالى إلّا أن يجري الأمور بأسبابها ، فحينما نطلب العون من السبب التكويني أو السبب العيني ففي الحقيقة نطلب من الله تعالى الذي هو مسبّب الأسباب ، فالله تعالى أراد أن يبيّن ويوضح للأمّة مقام رسول الله صلّى الله عليه وآله ومنزلته الشريفة ، فأمر الناس بالتوجّه إلى النبي صلّى الله عليه وآله وجعله واسطة بينه وبين خلقه ليقضي حوائجهم ويغفر لهم ذنوبهم ، فقال : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ ) (7).

فالمسلم كان بإمكانه أن يستغفر بنفسه ويطلب المغفرة من الله تعالى ، لكن الله أمره أن يأتي إلى النبي ويطلب منه الإستغفار له ، كما انّ المسلمين كانوا يتمكّنون من الدعاء والاستسقاء بأنفسهم ، لكنّ الله تعالى أمرهم بالتوسّل إلى النبي وجعله واسطة بينهم وبين الله تعالى لينزل عليهم المطر ، كما يظهر من قول عمر : اللهم إنّا كنّا نتوسّل بنبيّك فتمطرنا.

هذا مضافاً إلى قوله تعالى : ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (8).

بل حتّى الأموات قد يكون أحياء في عالم البرزخ والقبر.

قال علي بن الحسين عليهما السلام : ان القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران. (9)

وورد في الحديث : النّاس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. (10)

وتكلّم النبي صلّى الله عليه وآله مع موتى المشركين في قليب بدر معروف ومشهور ولما اعترض بعض الصحابة : كيف تكلّم الموتى ؟ قال : انّهم أسمع منكم. (11)

الهوامش

1. محمّد : 24.

2. النمل : 38 ـ 40 :

قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ

3. يوسف : 97.

4. يوسف : 97 :

قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

5. النساء : 64.

6. صحيح البخاري / المجلّد : 4 / الصفحة : 209 / الناشر : دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع :

اَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كانَ اِذا قَحِطُوا اسْتَسْقى بِالْعبّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقالَ اللّهُمَّ اِنّا كُنّا نَتَوَسَّلُ اِلَيْكَ بِنَبِيِّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَسْقينا وَاِنّا نَتَوَسَّلُ اِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنا فَاسْقِنا قالَ فَيُسْقَوْنَ.

7. النساء : 64.

8. آل عمران : 169.

9. تفسير القمي « لعلي بن ابراهيم القمي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 94 / الناشر : دار الكتاب.

10. خصائص الأئمّة « للشريف الرضي » / الصفحة : 112 / الناشر : مجمع البحوث الإسلاميّة.

11. صحيح البخاري / المجلّد : 2 / الصفحة : 101 / الناشر : دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع :

اطَّلَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلى اَهْلِ الْقَليبِ فَقالَ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً فَقيلَ لَهُ اَتَدْعُو اَمْواتاً فَقالَ ما اَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لا يُجيبُونَ.

 
 

التعليقات   

 
# عبدالخالق 2026-01-04 13:50
هل هنالك دليل بأن شخص من التابعين توسط بشخص ميت جميع الذي ذكرتهم كانو احياء ولم يموتو ف طلب ابناء يعقوب من ابيهم لأن ابيهم كان حي يرزق ولديهم منزلة كبيرة عند الله ف هوا رسول ونبي الله وكذالك حديث عمر بن الخطاب لو ركزت قال بأنا كنا نتوسل بنبيك اي بعد موت النبي هل توسل بالنبي الجواب كلا وانما توسطو بشخص حي وهذا من التوسط الحلال ف مثلا عندما يطلب الشخص من والدته او والده او شخص وانسان جيد بأن يدعو له هذا من الحلال لكن نريد على صحة ذهاب ما انتم عليه انتم تتوسطون بشخص ميت ثم تستدلون باية الشهداء ولكن من قال لك هذه لكي تتوسط بالنبي هذا الاية تعظيما لمنزلة الشهداء عند الله وبشرى للمجاهدين ف هم يرزقون من عند ربهم من جنات وغير ذالك من رزق الله في الآخرة فكيف تستدل بذالك على انك تتوسط بشخص ميت اين الدليل على ذالك ؟
رد | رد مع اقتباس | اقتباس
 
 
# الشيخ مهدي المجاهد 2026-02-12 10:27
إضافة إلى إطلاق آيات التوسل ، فأيّ توسل لا يخالف العقائد الإسلاميّة الصحيحة يكون جائزاً ، بل يعتبر مطلوباً.
وعندنا روايات كثيرة حول التوسّل تصل إلى حدّ التواتر أو قريب منه. والكثير من هذه الروايات يرتبط بالتوسّل بشخص النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله ، فبعضها قبل ولادة النبي صلّى الله عليه وآله وبعضها بعد ولادته وبعضها في حياته وبعضها بعد مماته.
1. توسّل النبي آدم عليه السلام بالنبي الأكرم صلّى الله عليه وآله قبل ولاته ، فقد نقل الحاكم في المستدرك وجماعة آخرون من المحدّثين. [ الحاكم في المستدرك / ج 2 / ص 615 ].
2. توسّل أبو طالب بالنبي الأكرم صلّى الله عليه وآله عندما كان طفلاً. [ فتح الباري / ج 2 / ص 494 ] ؛ وكذلك [ السيرة الحلبية / ج 1 / ص 116 ].
3. التوسل بالنبي الأكرم صلّى الله عليه وآله بعد مماته ، ورد في كتاب « سنن الدارمي » تحت عنوان باب‌ « ما أكرم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بعد موته » وهذا الباب معقود لبيان الكرامات التي أعطاها الله سبحانه وتعالى للنبي صلّى الله عليه وآله بعد موته : « قَحُطَ أهل المدينة قحطاً شديداً ، فشكوا إلى عائشة ، فقالت : انظروا قبر النبي صلّى الله عليه وآله فاجعلوا منه كوي إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ، قال : ففعلوا فمطرنا مطراً حتّى نبت العشب ، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم ، فسمي عام الفتق » [ سنن الدارمي / ج 1 / ص 43 ].
4. ينقل ابن حجر المكي في الصواعق عن الإمام الشافعي من علماء أهل السنّة المعروفين : أنّه كان يتوسل بأهل بيت النبي عليهم السلام وينقل عنه الشعر المعروف :
آل النبي ذريعتي‌ * وهم إليه وسيلتي‌
أرجو بهم أعطى غداً * بيدي اليمين صحيفتي‌
أورد هذا الحديث الرفاعي في كتابه التوصل إلى حقيقة التوسل / ص 329.
فالاشكال الذي يقول إنّ التوسل الجائز هو الذي يتحقّق في حياتهم ، وأمّا بعد وفاتهم فغير جائز غير وارد ، وقد أجاب على هذا الاشكال صاحب كتاب الشيعة شبهات وردود في الصفحة 193:
فماذا ننتظر بعد هذا العموم الموجود في الآيات ؟ وإلّا سيكون حالنا حال من يبحث عن ذريعة عندما يقول القرآن المجيد : ( فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ‌ ) ، فنقول : هل تجوز قراءة القرآن وقوفاً أم لا ؟ اضطجاعاً أم لا ؟
فعموم الآية يقول : إنّ جميع أنواع التلاوة جائزة ، في الحضر والسفر ، مع الوضوء أو بدونه إلّا إذا قام دليل آخر على خلاف ذلك.
إنّ العمومات والإطلاقات الموجودة في القرآن فعلية ما لم تُعارض ، وآيات التوسّل عامة أيضاً ، وعموم الآيات القرآنيّة فعليّة ، فإذا لم نجد معارضاً لها يمكن العمل على وفقها ، وليس صحيحاً أن نبحث عن الذرائع للجدال.
رد | رد مع اقتباس | اقتباس
 
 
+2 # محمد 2023-11-21 07:20
طبعا صعب الرد على اسهاب .. يا ايها السائل .. هؤلاء وسطاء اي وسيلة مادية .. انت تقاتل بالسيف كوسيلة لنشر الاسلام مثلا .. ولما تسافر للعمرة تركب وسيلة نقل .. ماديات .. يعني انت لما تسافر للعمرة هل تطلب من الله تعالى ان يوصلك لمكة بدون جهد او واسطة او وسيلة هل كنت تريد من نبي الله سليمان ان يأتي بعرشها .. وهذه ليست شركا مع الله تعالى في قدراته ر.. انما سبب وسيلة مادية .. انت ما تقول لفلان سامحني .. انت ما تقول فزعتك يا فلان ساعدني .. هؤلاء هم جند من جند الله تستعين بهم في رضى الله .. موسى سقى لهما .. هل قال يا رب اسق غنمهم .. نبي عليه السلام وبادر بنفسه .. الشرك هو ان تعتبر فلان او علان شريك في مصيرك وحياتك وقبولك ..
رد | رد مع اقتباس | اقتباس
 

أضف تعليق

التوسل

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية

أربعة + سبعة =