السؤال :
( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ).
اسألك بالله الم تكن زوجات وبنات رسول الله من أهل بيته ؟ وانّ الله يطهّرهم ويعصمهم من الخطأ ؟
الجواب :
الروايات صريحة في أنّ نساء النبي صلّى الله عليه وآله لا يدخلن في مفهوم أهل البيت الوارد في الآية الشريفة.
مضافاً إلى نفس الآية تدلّ على خروج زوجات النبي صلّى الله عليه وآله حيث انّ هناك قاعدة أدبيّة وبلاغيّة تسمّى بالالتفات ؛ فإذا كان المتكلّم يخاطب النساء ثمّ في أثناء كلامه خاطب الرجال يقال لمثل ذلك « الإلتفات » (1) ، ولابدّ ان يكون لأجل بيان نكتة وهي أن ما بعد الالتفات لا يرتبط بما قبله ، والآية من هذا القبيل ؛ فانّ الله تعالى خاطب أوّلاً زوجات النبي صلّى الله عليه وآله بضمير الجمع المؤنث المخاطب ، قال : ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ) (2) ، وقال : ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ ) (3) ، ثمّ التفت من الخطاب بالضمير المؤنّث إلى الخطاب بالضمير المذكّر : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (4) ، ويظهر من ذلك انّ المراد من ضمير ( عَنكُمُ ) ليس نساء النبي بل لا يشمل زوجات النبي ، وانّما المراد منه غيرهنّ ، وإلّا لعبّر : « إنّما يريد الله ليذهب عنكنّ الرجس ». فلماذا ترك الخطاب السابق وعبّر بضمير الجمع المذكّر ؟
وأمّا الروايات فهي كثيرة وردت من طرق الشيعة وأهل السنّة جميعاً ، ونذكر بعض الروايات من طرق أهل السنّة :
ففي صحيح الترمذي ، روى بسنده :
عَنْ عُمَرَ بنِ أَبي سَلَمَةَ رَبِيبَ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قالَ : « لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) في بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ، فَدَعَا فَاطِمَةَ وَحَسَنَاً وَحُسَيْنا فَجَلَّلَهُم بِكِسَاءٍ وَعَلِيٌّ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَجَلَّلَهُ بِكسَاءٍ ثُمَّ قَالَ : « اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتي فَأَذهِب عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرهُمْ تَطهيِراً ». قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأَنَا مَعَهُمْ يَا نَبِيَّ الله ، قَالَ : « أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ وَأنْتِ عَلَى خَيْرٌ ». (5)
وفي صحيح الترمذي ، روى بسنده :
عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عن أُمِّ سَلَمَةَ « أَنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم جَلَّلَ عَلَى الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ كِسَاءَ ثُمَّ قال : اللَّهُم هؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَحَامَتِي ؛ أَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً. فقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : وَأَنَا مَعَهُمْ يا رسولَ اللهِ ؟ قال : إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ ». (6)
وفي مستدرك الصحيحين ، روى بسنده :
عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت : في بيتي نزلت هذه الآية ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) [ الأحزاب : 33 ] قالت : فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى علي وفاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم أجمعين فقال : « اللهم هؤلاء أهل بيتي » قالت أم سلمة : يا رسول الله ما أنا من أهل البيت ؟ قال : « إنك أهلي خير وهؤلاء أهل بيتي اللهم أهلي أحق ».
هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. (7)
روى السيوطي في تفسيره الدر المنثور في تفسير آية التطهير من سورة الأحزاب ، قال :
وأخرج ابن مردويه عن أمّ سلمة قالت : نزلت هذه الآية في بيتي ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) وفي البيت سبعة : جبريل ، وميكائيل عليهما السلام ، وعلي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، رضي الله عنهم ، وأنا على باب البيت ، قلت : يا رسول الله ألست من أهل البيت ؟ قال : انك الى خير ، انك من أزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم. (8)
والروايات كثيرة تدلّ على خروج اُمّ سلمة وسائر زوجات النبي صلّى الله عليه وآله عن هذه الآية الكريمة :
وروى السيوطي أيضاً قال :
أخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي الحمراء رضي الله عنه قال « حفظت من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمانية أشهر بالمدينة ليس من مرة يخرج الى صلاة الغداة الا أتى الى باب علي رضي الله عنه ، فوضع يده على جنبتي الباب ، ثم قال : الصلاةَ ... الصلاةَ ... ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ». (9)
ويكفي في ذلك قول الصحابي زيد بن أرقم. ففي صحيح مسلم في كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل علي بن أبي طالب ، قال فيه :
فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ ـ أيّ لزيد بن أرقم ـ : وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ ؟ يَا زَيْدُ ! أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ؟ قَالَ : نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ. وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ ـ أيّ في الآية الشريفة ـ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. قَالَ : وَمَنْ هُمْ ؟ قَالَ : هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ : كُلُّ هؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ. (10)
وفي رواية أخرى أصرح من هذه ، رواها في صحيح مسلم في الباب المذكور قال فيها :
فَقُلْنَا ـ أي لزيد بن أرقم ـ : مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ ؟ نِسَاؤُهُ ؟ قَالَ : لَا. وَايْمُ اللهِ ! إِنّ الْمَرْأَةَ تَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ الْعَصْرٌ مِنَ الدَّهْرِ ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَرْجِعُ إِلَى أَبِيهَا وَقَوْمِهَا. أَهْلُ بَيْتِهِ أَصْلُهُ ، وَعَصبَتَهُ الَّذِينَ حُرِّمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. (11)
وللمزيد راجع كتاب « فضائل الخمسة من الصحاح الستّة » للفيروزآبادي . (12)
الهوامش
1. راجع :
كتاب المطول « للتفتازاني » / المجلد : 1 / الصفحة : 131 / الناشر : مكتبة الداوري.
خزانة الأدب وغاية الأرب « للحموي » / المجلد : 1 / الصفحة : 136 / الناشر : دار ومكتبة الهلال.
2. الأحزاب : 32.
3. الأحزاب : 33.
4. الأحزاب : 33.
5. سنن الترمذي / المجلد : 5 / الصفحة : 141 ـ 142 / الناشر : دار الفكر.
6. سنن الترمذي / المجلد : 5 / الصفحة : 446 / الناشر : دار الفكر.
7. المستدرك على الصحيحين « للحاكم النيسابوري » / المجلد : 2 / الصفحة : 451 / الناشر : دار الكتب العلمية.
8. الدر المنثور « للسيوطي » / المجلد : 6 / الصفحة : 604 / الناشر : دار الفكر.
9. الدر المنثور « للسيوطي » / المجلد : 6 / الصفحة : 606 / الناشر : دار الفكر.
10. صحيح مسلم / المجلد : 4 / الصفحة : 1873 / الناشر : دار الكتب الإسلامية / الطبعة : 5.
11. صحيح مسلم / المجلد : 4 / الصفحة : 1874 / الناشر : دار الكتب الإسلامية / الطبعة : 5.
12. راجع : فضائل الخمسة من الصحاح الستّة « للفيروزآبادي » / المجلد : 1 / الصفحة : 270 ـ 290 / الناشر : منشورات فيروزآبادي / الطبعة : 2.

