المشايعة
الشَّيعُ : مقدار من العدد كقولهم أقمت عنده شهراً أو شَيْعَ شهر.
والشيعةُ : القوم الذين يجتمعون على الأمر. وكل قوم اجتمعوا على أمرٍ فهم شيعة وكل قوم أمرهم واحد يتبعُ بعضهم رأي بعض فهم شِيَعُ.
قال الأزهري : معنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضاً وليس كلهم متّفقين ثم استشهد بالآية الكريمة : ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ) قال : كل فِرقة تُكفّر الفرقة المخالفة لها ، يعني به اليهود والنصارى لأن النصارى بعضهم يكفّر بعضاً ، وكذلك اليهود بعضهم يكفّر بعضاً.
ثم النصارى تكفّر اليهود ، واليهود تكفّرهم.
والشِّيَعُ الفرَقُ أي يجعلكم فرقاً متخلفين قوله تعالى : ( أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ) (1) وأمّا قوله تعالى : ( وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ) (2) قال ابن الأعرابي الهاء ـ من شيعته ـ لمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم أي إبراهيم خبر مخبَره فاتَّبَعَه ودعا له. وقال الفرّاء : يقول هو على منهاجه ودينه وإن كان إبراهيم سابقاً له ، وقيل معناه أي من شيعته نوح ومن أهل مِلَّتِهِ. قال الأزهري وهذا القول أقرب لأنه معطوف علىٰ قصة نوح.
أقول وما ذكره الفرّاء والأزهري حسب ظهور الآية أن إبراهيم من شيعة نوح عليه السلام وهذا قول ويعني أنه على منهاجه وسنّته في التوحيد والعدل واتّباع الحق وأيضاً هذا عن مجاهد.
وقول ثانٍ إن من شيعة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم إبراهيم كما قال تعالى : ( أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ ) (3) أي من هو أب لهم فجعلهم ذرية وقد سبقوهم. وهذا عن
الفرّاء.
ثم روي عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه جلس ليلاً يحدّث أصحابه في المسجد فقال : يا قوم إذا ذكرتم الأنبياء الأولين فصلّوا عليهم ، وإذا ذكرتم أبي إبراهيم فصلّوا عليه ثم صلّوا عليّ.
قالوا : يا رسول الله بما نال إبراهيم ذلك ؟
قال : اعلموا أن ليلة عُرج بي إلى السماء فرقيت السماء الثالثة نصب لي منبر من نور فجلست على رأس المنبر وجلس إبراهيم تحتي بدرجة وجلس جميع الأنبياء الأولين حول المنبر فإذا بعلي قد أقبل وهو راكب ناقة من نور ووجهه كالقمر وأصحابه حوله كالنجوم فقال إبراهيم يا محمد هذه أيّ نبي معظم وأي ملك مقرّب ؟
قلت : لا نبي معظم ولا ملك مقرّب هذا أخي وابن عمي وصهري ووارث علمي علي بن أبي طالب.
قال : وما هؤلاء الذين حوله كالنجوم ؟
قلت : شيعته. فقال إبراهيم : الّلهم اجعلني من شيعة علي. فأتى جبرئيل بعده ( وإنّ من شيعته لإبراهيم ).
الشّيعة : الاتباع والأعوان والأنصار مأخوذ من الشّياع. وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة ثم صارت جماعة مخصوصة.
وقال الزجّاج : والشيعة : اتباع الرجل وأنصاره وجمعها شِيَعٌ ، وأشياعٌ جمع الجمع ويقال شايَعَه كما يقال والاه من الوَلي ، ومنه شيعة الرجل. وفي الحديث : القدريّة شيعة الدّجال أي أولياؤه وأنصاره وأصل الشيعة الفرقة من الناس ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد ومعنى واحد.
قال الطبرسي : الشيعة الجماعة التابعة لرئيس لهم ، وصار بالعرف عبارة عن شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام الذين كانوا معه على أعدائه وبعده مع من قام مقامه من أبنائه وروى أبو بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال : ليهنكم الاسم. قلت : وما هو ؟ قال : الشيعة. قلت : إن الناس يعيروننا بذلك. قال : أما تسمع قول الله سبحانه وتعالى : ( وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ) [ الصافات 83 ] وقوله : ( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) (4).
قال ابن منظور : وقد غلب هذا الاسم على من يتولّى عليّاً وأهل بيته رضوان الله عليهم أجمعين حتى صار لهم اسماً خاصاً فإذا قيل : فلان من الشّيعة عُرِف أنه منهم. وفي مذهب الشيعة كذا أي عندهم واصل ذلك من المشايعة ، وهي المتابعة والمطاوعة. انتهى.
وقال الأزهري : والشيعة قوم يهوون هوى عترة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ويوالونهم.
والاتباع الأمثال قوله تعالىٰ : ( كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ ) (5) أي بأمثالهم من الأمم الماضية ومن كان مذهبه مذهبهم وقوله : ( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ ) [ القمر آية 51 ] أي أشباهكم ونظراءكم في الكفر.
والشيعة الفرقة وبه فسّر الزجاج قوله تعالىٰ : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ ) (6) أي في فرقهم وطوائفهم.
وقوله تعالىٰ : ( ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ ) [ مريم آية 69 ] أي من كل فرقة.
وقد عرفت أن أصل الشيعة الفِرقة من الناس ثم غلبت التسمية علىٰ كل من يوالي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قولاً وعملاً.
وفي الحديث : « طال ما اتكؤوا علىٰ الأرائك وقالوا نحن من شيعة علي » ولعل هذا الحديث وأضرابه مما يقتضي بظاهره نفي الاسم عمن ليس فيهم أوصاف مخصوصة زيادة علىٰ المذكور المتعارف مخصوص بنفي الكمال من التشيّع.
وتشيّع الرجل : إذا ادعىٰ دعوىٰ الشيعة (7).
قال ابن خلدون : اعلم أن الشيعة لغة هم الصحب والاتباع ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف علىٰ اتباع علي وبنيه رضي الله عنهم (8) انتهى.
أقول بعد ما استقرينا بعض آيات من الذكر الحكيم في شأن استعمال كلمة شيعة بمعنىٰ الجماعة أو الطائفة أو الفرقة والاتباع.
أقول جاءت نصوص كثيرة حتى بلغت حد التواتر ، كلها تؤكد أن المصطلح الذي خصّص بمن وإلىٰ علياً وأبناءه إنّما صدر من صاحب الرسالة وفي الأيام الأولى من دعوته المباركة نذكر بعض الأحاديث.
1 ـ روى الزمخشري في ربيع الابرار عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال : يا علي إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة الله وأنت أخذت بحجزتي ، وأخذ ولدك بحجزتك وأخذ شيعة ولدك بحجزهم فنرى اين يؤمر بنا (9).
الأخذ بالحجزة كناية عن شدة الاعتصام والمبالغة في الاتباع.
2 ـ قال العلامة الكنجي في التذكرة ص 22 ط النجف بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : كنّا عند النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فأقبل علي بن أبي طالب. فقال صلوات الله عليه : قد أتاكم أخي. ثمّ التفت إلى الكعبة فضربها بيده ثم قال : والذي نفسي بيده أن هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة .. الحديث ثم قال : ونزلت الآية : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) [ البيّنة آية 7 ].
3 ـ قال ابن حجر العسقلاني في صواعقة : وأخرج الحافظ جمال الدين الزرندي عن ابن عباس أن هذه الآية وهي قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (10) لما نزلت قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : هو أنت وشيعتك تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ويأتي عدوّك غضابى مقمحين. وبلفظ مقارب له نقله السيوطي في الدر المنثور ومقارب له في النهاية لابن الأثير ومما أورده ابن حجر في فضل أهل البيت عليهم السلام قوله تعالى : ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ ) [ الضحىٰ آية 5 ] قال وأخرج أحمد في المناقب أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم قال لعلي : أما ترضىٰ أنك معي في الجنة والحسن والحسين وشيعتنا عن ايماننا وشمائلنا.
وأخرج الدارقطني عن النبي قال : يا أبا الحسن أما إنك وشيعتك في الجنة.
وأخرج ابن مردويه عن علي عليه السلام قال رسول الله صلّى الله ليه وآله وسلّم : أما تسمع قول الله : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب تدعون غداً غرّاً محجّلين (11).
4 ـ وفي مناقب ابن المغازلي بسنده عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : يدخل من أمّتي الجنّة سبعون ألفاً لا حساب عليهم ، ثم التفت إلىٰ علي عليه السلام فقال : هم من شيعتك وأنت إمامُهم ص 292.
وقد عرفت مما ذكرناه لك من الاستعمال اللغوي أن الشيعة والمشايعة بمعنى الموالاة والمتابعة وإن أول من والى علياً وتابعه هم جلّ الصحابة وفي حياة الرسول. لنذكر في المقام شاهداً واحداً من بين عشرات الشواهد :
5 ـ قال محمد كرد علي في خططه : عرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة علي في عصر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مثل سلمان الفارسي القائل : بايعنا رسول الله على النصح للمسلمين والائتمام بعلي بن أبي طالب والموالاة له ، ومثل أبي سعيد الخدري الذي يقول : أمر الناس بخمس فعملوا بأربع وتركوا واحدة ، ولما سئل عن الأربع قال : الصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان والحج.
قيل فما الواحدة التي تركوها ؟ قال : ولاية علي بن أبي طالب.
قيل له : وإنها لمفروضة معهن قال : نعم هي مفروضة معهن ، ومثل أبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت وأبي أيوب الأنصاري ، وخالد بن سعيد بن العاص ، وقيس بن سعد بن عبادة.
ثم أردف المصنّف قائلاً : وأمّا ما ذهب إليه بعض الكتاب من أن أهل مذهب التشيّع من بدعة عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء ، فهو وهم ، وقلة معرفة بحقيقة مذهبهم ، ومن علم منزلة هذا الرجل عند الشيعة وبراءتهم منه ومن أقوله وأعماله وكلام علمائهم في الطعن فيه بلا خلاف بينهم علم مبلغ هذا القول من الصواب لا ريب في أن أول ظهور الشيعة كان في الحجاز بلد التشيع.
وقال وفي دمشق يرجع عهدهم إلى القرن الأول للهجرة (12).
الهوامش
1. سورة الأنعام ، الآية : 65.
2. سورة الصافات ، الآية : 83.
3. سورة يس ، الآية : 41.
4. سورة القصص ، الآية : 15.
5. سورة سبأ ، الآية : 54.
6. سورة الحجر ، الآية : 10.
7. انظر معمع البحرين مادة شيع ، ولسان العرب.
8. مقدمة ابن خلدون ص / 138.
9. ربيع الأبرار للزمخشري.
10. أنظر : ملامح شخصية الإمام علي من كتب الجمهور .. المؤلّف ص / 77 ، 62 ـ 64.
11. الصواعق المحرقة لابن حجر العسقلاني.
12. مناقب ابن المغازلي ص / 292.
مقتبس من كتاب : شبهة الغلوّ عند الشيعة / الصفحة : 18 ـ 23

