السؤال :
بسمه تعالى
يقول الشهيد مرتضى المطّهري في كتابه « العدل الإلهي » : بأنّه ليس لأحد حقّ على الله ، ولكنّ قد يقول قائل : كيف ذلك وهو الذي خلقني ، فأنا لم أقل له أن يخلقني ، ولم يأخذ هو بمشورتي في إيجادي ، فكيف لا يكون لي حقّ عليه ، فإذا خلقني فعليه أيضاً أن يجعلني في أفضل حالة ؟
الجواب :
في ما يخصّ كلام الشيخ المطهريّ لابدّ للسائل من أن ينقل لنا كامل المقطع الذي وردت فيه العبارة المذكورة ، و السياق الذي جاء فيه كي يتّضح مقصوده منها ؛ لكنّه على كلّ حال لا يقصد بالتأكيد ـ كما لا يقصد غيره من علماء الإسلام ـ الحقّ الذي جاء في السؤال إن صحّ إطلاق كلمة « الحقّ » عليه ، فالكائن الذي خلقه الله تبارك وتعالى من حقّه الطبيعي والتكويني الذي منحه الله تعالى إيّاه أن يجعله في أفضل حالة ؛ وفعلاً فقد أعطى الله تبارك و تعالى كلّ شيء خلقه المناسب له ، وتركيبته الطبيعيّة ، ووفّر له كلّ الآليات التي يفتقر إليها في كيانه و هيكليّته : ( قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ) [ طه : 50 ] ، و الإنسان لم يشذّ عن هذه القاعدة ، و لم يستثنى عن هذا القانون الإلهي.
أمّا إذا كان السائل يقصد بالحقّ الذي له على الله تعالى حقّ المشورة معه في إيجاده فنحن نسأل : مَن الذي أعطاك هذا الحقّ ؟ العقل أم الشرع ؟ و أين كنت آنذاك كي يستشيرك في إيجادك وخلقك ؟ وهل كنت شيئاً مذكوراً ؟ ( هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا ) [ الإنسان : 1 ] ، فهل يستشار اللاشيء ؟ وهل تعقل المشورة مع المعدوم ؟
فالعقل أجلّ شأناً من أن يحكم بلزومه المشورة مع اللاشيء ، أو يرى له حقّاً من الحقوق ، و الشرع أعظم قدراً من أن يخالف نهج العقل ، ويمنع حقًاً على خلاف الوجدان السليم.


التعليقات
ثانياً : لقد أوصاه الرسول الكريم بالصبر على كل الأحداث وأصعب الأمور التي ستجابهه بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى. حيث قال له : « ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلّا من بعدي فقلت في سلامة من ديني » فقال : « في سلامة من دينك ». [ الرياض النضرة في مناقب العشرة / محب الدين الطبري ، ج : 3 / ص : 184 ] ، إن الوصية المذكورة لم تنقل إلينا بتمامها وتفاصيلها ، وإنما وردت مقاطع منها في نصوص مختلفة ، تدلّ بالمجموع على أمر النبي صلّى الله عليه وعلى آله الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بالصبر على غدر الأعداء وتهاون البعض و ... [ الكافي / ج : 1 / ص : 281 ].
وورد في كتاب المستدرك بسنده عن أبي إدريس الاودي ، عن علي عليه السلام قَالَ : إِنَّ مِمَّا عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ الْأُمَّةَ سَتَغْدِرُ بِي بَعْدَهُ. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ [ مستدرك الصحيحين / ج : ۳ / ص : 15 ].
وعليه ، فإن صبرَ الإمام عليّ عليه السلام لم يكن تهاوناً ولا تراجعاً ، بل التزاماً مطلقاً بأمر رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فهو خيرُ من سمع كلامه وأخلصُ من أطاعه ، ولا يمكن أن يخرج عن وصيّةٍ صدرت عن النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله. فالإمام عليّ عليه السلام واجه خياراً صعباً بين المطالبة بالخلافة بالقوّة أو الصبر حفاظاً على وحدة الإسلام وسلامة المسلمين. حين جاءه أبا سفيان يدّعي الإسلام ويحاول استغلاله لتحقيق مصالحه الشخصيّة ، رفض الإمام هذا الطمع والادّعاء ، مؤكّداً صدقه وثباته على المبادئ ، كما يظهر في النص التالي :
في كتاب أنساب الأشراف ، وتاريخ الطبري :
إنَّ أبا سُفيانَ جاءَ إلى عَلِيٍّ عليه السلام ، فَقالَ : يا عَلِيُّ ، بايَعتُم رَجُلاً مِن أذَلِّ قَبيلَةٍ مِن قُرَيشٍ ! أما وَالله ِ لَئِن شِئتَ لَاُضرِمَنَّها عَلَيهِ مِن أقطارِها ، ولَأَملَأَنَّها عَلَيهِ خَيلاً ورِجالاً !! فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ : إنَّكَ طالَما ما غَشَشتَ اللهَ ورَسولَهُ وَالإِسلامَ ، فَلَم يَنقُصهُ ذلِكَ شَيئا. [ أنساب الأشراف / ج : 2 / ص : 271 ، تاريخ الطبري / ج : 3 / ص : 209 عن ابن الحرّ نحوه ]
ثالثاً : اقرأ وافهم كيف طالب بحقه ، كما ذكر ابن قتيبة في كتابه « الإمامة والسياسة » قال :
ثمّ إنّ علياً أُتي به إلى أبي بكر وهو يقول أنا عبد الله وأخو رسوله ، فقيل له : بايع أبا بكر ، فقال : أنا أحقُّ بهذا الأمر منكم لا أُبايعكم ، وأنتم أولى بالبيعة لي ... [ الإمامة والسياسة / ج : 1/ ص : 28 ]
وللاطّلاع على مزيدٍ من التفصيل ، راجع مقالتي :
احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام في الخلافة ومطالبته بحقّه
لماذا لم يطلب علي رضي الله عنه حقه في الخلافة ؟
RSS تغذية للتعليقات على هذه المادة