كلام في معنى السكينة

البريد الإلكتروني طباعة

كلام في معنى السكينة

والسكينة من السكون خلاف الحركة وتستعمل في سكون القلب وهو استقرار الانسان وعدم اضطراب باطنه في تصميم إِرادته على ما هو حال الانسان الحكيم ( من الحكمة باصطلاح فن الأخلاق ) صاحب العزيمة في أفعاله ، والله سبحانه جعلها من خواص الايمان في مرتبة كماله ، وعدّها من مواهبه السامية.

بيان ذلك : ان الانسان بغريزته الفطرية يصدر افعاله عن التعقل ، وهو تنظيم مقدمات عقلية مشتملة على مصالح الأفعال ، وتأثيرها في سعادته في حياته والخير المطلوب في اجتماعه ، ثم استنتاج ما ينبغي ان يفعله وما ينبغي أن يتركه.

وهذا العمل الفكري إِذا جرى الانسان على اسلوب فطرته ولم يقصد إِلا ما ينفعه نفعاً حقيقياً في سعادته يجري على قرار من النفس وسكون من الفكر من غير اضطراب وتزلزل ، وأما إِذا أخلد الانسان في حياته الى الارض واتبع الهوى اختلط عليه الامر ، وداخل الخيال بتزييناته وتنميقاته في افكاره وعزائمه فأورث ذلك انحرافه عن سنن الصواب تارة ، وتردده واضطرابه في عزمه وتصميم إِرادته وإِقدامه على شدائد الامور وهزاهزها أُخرى.

والمؤمن بإِيمانه بالله تعالى مستند الى سناد لا يتحرك وركن لا ينهدم. بانياً اموره على معارف حقة لا تقبل الشك والريب ، مقدماً في أعماله عن تكليف الهي لا يرتاب فيها ، ليس اليه من الامر شيء حتى يخاف فوته ، او يحزن لفقده ، أو يضطرب في تشخيص خيره من شره.

وأما غير المؤمن فلا ولي له يتولى امره ، بل خيره وشره يرجعان اليه نفسه فهو واقع في ظلمات هذه الافكار التي تهجم عليه من كل جانب من طريق الهوى والخيال والاحساسات المشؤومة ، قال تعالى : « وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ » آل عمران ـ 68 ، وقال تعالى : « ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ » محمد ـ 11 ، وقال تعالى : « اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ » البقرة ـ 257 ، وقال تعالى : « إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ » الاعراف ـ 27 ، وقال تعالى : « ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ » آل عمران ـ 175 ، وقال تعالى : « الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً » البقرة ـ 268 ، وقال تعالى : « وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ـ إِلى أن قال ـ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا » النساء ـ 122 ، وقال تعالى : « أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ » يونس ـ 62 ، والآيات كما ترى تضع كل خوف وحزن واضطراب وغرور في جانب الكفر ، وما يقابلها من الصفات في جانب الايمان.

وقد بيّن الامر أوضح من ذلك بقوله تعالى : « أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا » الأنعام ـ 122 ، فدل على أن خبط الكافر في مشيه لكونه واقعاً في الظلمات لا يبصر شيئاً ، لكن المؤمن له نور إِلهي يبصر به طريقه ، ويدرك به خيره وشره ، وذلك لان الله أفاض عليه حياة جديدة على حياته التي يشاركه فيها الكافر ، وتلك الحياة هي المستتبعة لهذا النور الذي يستنير به ، وفي معناه قوله تعالى : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ » الحديد ـ 28.

ثم قال تعالى : « لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ » المجادلة ـ 22 ، فأفاد ان هذه الحياة إِنما هي بروح منه ، وتلازم لزوم الايمان واستقراره في القلب فهؤلاء المؤمنون مؤيدون بروح من الله تستتبع استقرار الايمان في قلوبهم ، والحياة الجديدة في قوالبهم ، والنور المضيء قدامهم.

وهذه الآية كما ترى قريبة الانطباق على قوله تعالى : « هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا » الفتح ـ 4 ، فالسكينة في هذه الآية تنطبق على الروح في الآية السابقة وازدياد الايمان على الايمان في هذه على كتابة الايمان في تلك ، ويؤيد هذا التطبيق قوله تعالى في ذيل الآية : ولله جنود السموات والارض ، فإِن القرآن يطلق الجند على مثل الملائكة والروح.

ويقرب من هذه الآية سياقاً قوله تعالى : « فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا » الفتح ـ 26 ، وكذا قوله تعالى : « أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا » التوبة ـ 40.

وقد ظهر مما مرّ انه يمكن ان يستفاد من كلامه تعالى ان السكينة روح إِلهي او تستلزم روحاً إِلهياً من امر الله تعالى يوجب سكينة القلب واستقرار النفس وربط الجأش ، ومن المعلوم ان ذلك لا يوجب خروج الكلام عن معناه الظاهر واستعمال السكينة التي هي بمعنى سكون القلب وعدم اضطرابه في الروح الالهي ، وبهذا المعنى ينبغي أن يوجه ما سيأتي من الروايات.

قوله تعالى : وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة « الخ » آل الرجل خاصته من اهله ويدخل فيهم نفسه إِذا اطلق ، فآل موسى وآل هرون هم موسى وهرون وخاصتهما من اهلهما ، وقوله : تحمله الملائكة ، حال عن التابوت ، وفي قوله تعالى : ان في ذلك لآية لكم ان كنتم مؤمنين ، كسياق صدر الآية دلالة على أنهم سألوا نبيهم آية على صدق ما أخبرّ به : ان الله قد بعث لكم طالوت ملكاً.

قوله تعالى : فلما فصل طالوت بالجنود قال ان الله مبتليكم بنهر الى قوله منهم ، الفصل هىهنا مفارقة المكان كما في قوله تعالى : « وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ » يوسف ـ 94 ، وربما استعمل بمعنى القطع وهو إِيجاد المفارقة بين الشيئين كما قال تعالى : « وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ » الانعام ـ 57 ، فالكلمة مما يتعدى ولا يتعدى.

والجند المجتمع الغليظ من كل شيء وسمي العسكر جنداً لتراكم الاشخاص فيه وغلظتهم ، وفي جمع الجند في الكلام دلالة على أنهم كانوا من الكثرة على حد يعتنى به وخاصة مع ما فيه المؤمنين من القلة بعد جواز النهر وتفرق الناس ، ونظير هذه النكتة موجود في قوله تعالى : فلما فصل طالوت بالجنود.

وفي مجموع الكلام إِشارة إِلى حق الامر في شأن بني إِسرائيل وإِيفائهم بميثاق الله ، فإِنهم سألوا بعث الملك جميعاً وشدوا الميثاق ، وقد كانوا من الكثرة بحيث لما تولوا إِلا قليلاً منهم عن القتال كان ذلك القليل الباقي جنوداً ، وهذه الجنود أيضاً لم تغن عنهم شيئاً بل تخلفوا بشرب النهر ولم يبق إِلا القليل من القليل مع شائبة فشل ونفاق بينهم من جهة المغترفين ، ومع ذلك كان النصر للذين آمنوا وصبروا مع ما كان عليه جنود طالوت من الكثرة.

والابتلاء الامتحان ، والنهر مجرى الماء الفائض ، والاغتراف والغرف رفع الشيء وتناوله ، يقال : غرف الماء غرفة واغترفه غرفة إِذا رفعه ليتناوله ويشربه.

وفي استثناء قوله تعالى : إِلا من اغترف غرفة بيده عن مطلق الشرب دلالة على أنه كان المنهي عنه هو الشرب على حالة خاصة ، وقد كان الظاهر أن يقال : فمن شرب منه فليس مني إِلا من اغترف غرفة بيده غير أن وضع قوله تعالى : ومن لم يطعم فإِنه مني ، في الكلام مع تبديل الشرب بالطعم ومعناه الذوق أوجب تحولاً في الكلام من جهة المعنى إِذ لو لم تضف الجملة الثانية كان مفاد الكلام أن جميع الجنود كانوا من طالوت ، والشرب يوجب انقطاع جمع منه والاغتراف يوجب الانقطاع من المنقطع أي الاتصال وأما لو اضيفت الجملة الثانية ، أعني قوله تعالى : ومن لم يطعمه فإِنه مني الى الجملة الاولى كان مفاد الكلام أن الامر غير مستقر بحسب الحقيقة بعد إِلا بحسب الظاهر فالجنود في الظاهر مع طالوت لكن لم يتحقق بعد أن الذين هم مع طالوت من هم ، ثم النهر الذي سيبتليهم الله به سيحقق كلا الفريقين ويشخصهما فيعين به من ليس منه وهو من شرب من النهر ، ويتعين به من هو منه وهو من لم يطعمه ، واذا كان هذا هو المفاد من الكلام لم يفد قوله في الاستثناء الا من اغترف غرفة بيده كون المغترفين من طالوت لان ذلك انما كان مفاداً لو كان المذكور هناك الجملة الاولى فقط ، واما مع وجود الجملتين فيتعين الطائفتان : اعني الذين ليسوا منه وهم الشاربون ، والذين هم منه وهم غير الطاعمين ، ومن المعلوم ان الاخراج من الطائفة الاولى إِنما يوجب الخروج منها لا الدخول في الثانية ، ولازم ذلك ان الكلام يوجب وجود ثلاث طوائف : الذين ليسوا منه ، والذين هم منه ، والمغترفون ، وعلى هذا فالباقون معه بعد الجواز طائفتان : الذين هم منه ، والذين ليسوا من الخارجين ، فجاز أن يختلف حالهم في الصبر والجزع والاعتماد بالله والقلق والاضطراب.

قوله تعالى : فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه الى آخر الآية ، الفئة القطعة من الناس ، والتدبر في الآيات يعطي ان يكون القائلون : لا طاقة لنا ، هم المغترفون ، والمجيبون لهم هم الذين لم يطعموه اصلاً ، والظن بلقاء الله إِما بمعنى اليقين به واما كناية عن الخشوع.

ولم يقولوا : يمكن ان تغلب الفئة القليلة الفئة الكثيرة بإِذن الله ، بل قالوا : كم من فئة « الخ » ، أخذاً بالواقع في الاحتجاج بإِرائة المصداق ليكون أقنع للخصم.

قوله تعالى : ولما برزوا لجالوت وجنوده « الخ » ، البروز هو الظهور ، ومنه البراز وهو الظهور للحرب ، والافراغ صب نحو المادة السيالة في القالب والمراد افاضة الله سبحانه الصبر عليهم على قدر ظرفيتهم فهو استعارة بالكناية لطيفة ، وكذا تثبيت الاقدام كناية عن الثبات وعدم الفرار.

قوله تعالى : فهزموهم بإِذن الله « الخ » ، الهزم الدفع.

قوله تعالى : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض الى آخر الآية ، من المعلوم أن المراد بفساد الارض فساد من على الارض اي فساد الاجتماع الإنساني ولو استتبع فساد الاجتماع فساداً في أديم الأرض فإِنما هو داخل في الغرض بالتبع لا بالذات ، وهذه حقيقة من الحقائق العلمية ينبه لها القرآن.

بيان ذلك : أن سعادة هذه النوع لا تتم الا بالاجتماع والتعاون . ومن المعلوم أن هذا الامر لا يتم إِلا مع حصول وحدة ما في هيكل الاجتماع بها تتحد أعضاء الاجتماع وأجزائه بعضها مع بعض بحيث يعود الجميع كالفرد الواحد يفعل وينفعل عن نفس واحدة وبدن واحد ، والوحدة الاجتماعية ومركبها الذي هو اجتماع أفراد النوع حالهما شبيه حال الوحدة الاجتماعية التي في الكون ومركبها الذي هو اجتماع أجزاء هذا العالم المشهود ، ومن المعلوم أن وحدة هذا النظام أعني نظام التكوين إِنما هي نتيجة التأثير والتأثر الموجودين بين أجزاء العالم فلولا المغالبة بين الاسباب التكوينية وغلبة بعضها على بعض واندفاع بعضها الآخر عنه ومغلوبيتها له لم يرتبط أجزاء النظام بعضها ببعض بل بقي كل على فعليته التي هي له ، وعند ذلك بطل الحركات فبطل عالم الوجود.

كذلك نظام الاجتماع الإِنساني لو لم يقم على أساس التأثير والتأثر ، والدفع والغلبة لم يرتبط أجزاء النظام بعضها ببعض ، ولم يتحقق حينئذ نظام وبطلت سعادة النوع ، فإِنا لو فرضنا ارتفاع الدفع بهذا المعنى ، وهو الغلبة وتحميل الإرادة من البين كان كل فرد من أفراد الاجتماع فعل فعلاً ينافي منافع الآخر سواء منافعه المشروعة او غيرها لم يكن للآخر إِرجاعه إِلى ما يوافق منافعه ويلائمها وهكذا ، وبذلك تنقطع الوحدة من بين الاجزاء وبطل الاجتماع ، وهذا البحث هو الذي بحثنا عنه فيما مر : أن الاصل الاول الفطري للانسان المكون للاجتماع هو الاستخدام ، وأما التعاون والمدنية فمتفرغ عليه وأصل ثانوي ، وقد مر تفصيل الكلام في تفسير قوله تعالى : « كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً » البقرة ـ 213.

وفي الحقيقة معنى الدفع والغلبة معنى عام سار في جميع شئون الاجتماع الإنساني وحقيقته حمل الغير بأي وجه أمكن على ما يريده الانسان ، ودفعه عما يزاحمه ويمانعه عليه ، وهذا معنى عام موجود في الحرب والسلم معاً ، وفي الشدة والرخاء ، والراحة والعناء جميعاً ، وبين جميع الافراد في جميع شعوب الاجتماع ، نعم إِنما يتنبه الانسان له عند ظهور المخالفة ومزاحمة بعض الافراد بعضهم في حقوق الحياة أو في الشهوات والميول ونحوها ، فيشرع الانسان في دفع الانسان المزاحم الممانع عن حقه أو عن مشتهاه ومعلوم أن هذا على مراتب ضعيفة وشديدة ، والقتال والحرب إِحدى مراتبه.

وأنت تعلم أن هذه الحقيقة أعني كون الدفع والغلبة من الاصول الفطرية عند الانسان أصل فطري أعم من ان يكون هذا الدفع دفعاً بالعدل عن حق مشروع أو بغير ذلك ، إِذ لو لم يكن في فطرة الانسان أصل مسلم على هذه الوتيرة لم يتحقق منه ، لا دفاع مشروع على الحق ولا غيره ، فإِن أعمال الانسان تستند إِلى فطرته كما مر بيانه سابقاً فلولا اشتراك الفطرة بين المؤمن والكافر لم يمكن أن يختص المؤمن بفطرة يبني عليها أعماله.

وهذا الاصل الفطري ينتفع به الانسان في إِيجاد أصل الاجتماع على ما مر من البيان ، ثم ينتفع به في تحميل إِرادته على غيره وتمالك ما بيده تغلباً وبغياً ، وينتفع به في دفعه واسترداد ما تملكه تغلباً وبغياً ، وينتفع به في إِحياء الحق بعد موته جهلاً بين الناس وتحميل سعادتهم عليهم ، فهو أصل فطري ينتفع به الانسان أكثر مما يستضر به.

وهذا الذي ذكرناه « لعله » هو المراد بقوله تعالى : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ، ويؤيد ذلك تذييله بقوله تعالى : « وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ».

وقد ذكر بعض المفسرين أن المراد بالدفع في الآية دفع الله الكافرين بالمؤمنين كما أن المورد أيضاً كذلك ، وربما أيده أيضاً قوله تعالى : « وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ » الحج ـ 40.

وفيه : أنه في نفسه معنى صحيح لكن ظاهر الآية أن المراد بصلاح الأرض مطلق الصلاح الدائم المبقي للاجتماع دون الصلاح الخاص الموجود في أحيان يسيرة كقصة طالوت وقصص أُخرى يسيرة معدودة.

وربما ذكر آخرون : أن المراد بها دفع الله العذاب والهلاك عن الفاجر بسبب البر ، وقد وردت فيه من طرق العامة والخاصة روايات كما في المجمع والدر المنثور عن جابر ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : إِن الله يصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده واهل دويرته ودويرات حوله ، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم ، وفي الكافي وتفسير العياشي عن الصادق عليه السلام ، قال : إِن الله ليدفع بمن يصلي من شيعتنا عمن لا يصلي من شيعتنا ولو اجتمعوا على ترك الصلاة لهلكوا ، وإِن الله ليدفع بمن يزكي من شيعتنا عمن لا يزكي ولو اجتمعوا على ترك الزكاة لهلكوا ، وإِن الله ليدفع بمن يحج من شيعتنا عمن لا يحج ولو اجتمعوا على ترك الحج لهلكوا الحديث ، ومثلهما غيرهما.

وفيه : أن عدم انطباق الآيتين على معنى الحديثين مما لا يخفى إِلا أن تنطبق عليهما من جهة أن موردهما أيضاً من مصاديق دفع الناس.

وربما ذكر بعضهم : ان المراد دفع الله الظالمين بالظالمين ، وهو كما ترى.

قوله تعالى : تلك آيات الله « الخ » كالخاتمة يختم بها الكلام والقصة غير أن آخر الآية : وإِنك لمن المرسلين ، لا يخلو عن ارتباط بالآية التالية.

بحث روائي

في الدر المنثور : أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن زيد بن أسلم ، قال : لما نزلت من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً الآية ، جاء ابو الدحداح الى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال : يا نبي الله ، ألا ارى ربنا يستقرضنا مما اعطانا لأنفسنا وإِن لي أرضين : إِحديهما بالعالية والاخرى بالسافلة ، وإِني قد جعلت خيرهما صدقة ، وكان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول : كم من عذق مدلل لأبي الدحداح في الجنة.

اقول : والرواية مروية بطرق كثيرة.

وفي المعاني عن الصادق عليه السلام : لما نزلت هذه الآية : من جاء بالحسنة فله خير منها قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : اللهم زدني فأنزل الله من جاء بالحسنة فله عشر امثالها ، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : اللهم زدني فأنزل الله من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له اضعافاً كثيرة ، فعلم رسول الله أن الكثير من الله لا يحصى وليس له منتهى.

اقول : وروى الطبرسي في المجمع والعياشي في تفسيره نظيره وروي قريب منه من طرق أهل السنة ايضاً ، قوله عليه السلام : فعلم رسول الله ، يؤمي اليه آخر الآية : والله يقبض ويبصط ، اذ لا حد يحد عطائه تعالى ، وقد قال : « وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا » الإسراء ـ 20.

وفي تفسير العياشي عن أبي الحسن عليه السلام في الآية ، قال : هي صلة الإمام.

اقول : وروى مثله في الكافي عن الصادق عليه السلام وهو من باب عد المصداق.

وفي المجمع في قوله تعالى : إذ قالوا : لنبي لهم الآية هو أُشموئيل ، وهو بالعربية إِسماعيل.

اقول : وهو مروي من طرق أهل السنة أيضاً : وشموئيل هو الذي يوجد في العهدين بلفظ صموئيل.

وفي تفسير القمي عن أبيه عن النضر بن سويد عن يحيى الحلبي عن هرون بن خارجة عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام : أن بني إِسرائيل بعد موت موسى عملوا بالمعاصي ، وغيروا دين الله ، وعتوا عن أمر ربهم ، وكان فيهم نبي يأمرهم وينهيهم فلم يطيعوه ، وروي أنه أرميا النبي على نبينا وآله وعليه السلام فسلط الله عليهم جالوت وهو من القبط ، فأذلهم وقتل رجالهم وأخرجهم من ديارههم وأموالهم ، واستعبد نسائهم ، ففزعوا إِلى نبيهم ، وقالوا : سل الله أن يبعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله وكانت النبوة في بني إِسرائيل في بيت ، والملك والسلطان في بيت آخر ، ولم يجمع الله النبوة والملك في بيت واحد ، فمن أجل ذلك قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله ، فقال لهم نبيهم : هل عسيتم إِن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا ؟ فقالوا : وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد اخرجنا من ديارنا وأبنائنا ، فكان كما قال الله : فلما كتب عليهم القتال تولوا إِلا قليلاً منهم والله عليم بالظالمين ، فقال لهم نبيهم : إِن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ، فغضبوا من ذلك وقالوا : أنى يكون له الملك علينا ؟ ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال ، وكانت النبوة في بيت لاوي ، والملك في بيت يوسف ، وكان طالوت من ولد ابنيامين أخي يوسف لامه وأبيه ، ولم يكن من بيت النبوة ولا من بيت المملكة ، فقال لهم نبيهم : إِن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم ، وكان أعظمهم جسماً وكان قوياً وكان أعلمهم ، إِلا أنه كان فقيراً فعابوه بالفقر ، فقالوا لم يؤت سعة من المال ، فقال لهم نبيهم : إِن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون تحمله الملائكة ، وكان التابوت الذي أنزل الله على موسى فوضعته فيه امه وألقته في اليم فكان في بني إِسرائيل يتبركون به ، فلما حضر موسى الوفاة وضع فيه الألواح ودرعه وما كان عنده من آيات النبوة ، وأودعه عند يوشع وصيه ، ولم يزل التابوت بينهم حتى استخفوا به ، وكان الصبيان يلعبون به في الطرقات ، فلم يزل بنوا إِسرائيل في عز وشرف ما دام التابوت عندهم ، فلما عملوا بالمعاصي واستخفوا بالتابوت رفعه الله عنهم ، فلما سألوا النبي بعث الله عليهم طالوت ملكاً فقاتل معهم فرد الله عليهم التابوت كما قال : إِن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون تحمله الملائكة ، قال : البقية ذرية الأنبياء.

اقول : قوله : وروي أنه أرميا النبي ، رواية معترضة في رواية ، قوله عليه السلام : فكان كما قال الله « الخ » ، اي تولى الكثيرون ولم يبق على تسليم حكم القتال إِلا قليل منهم ، وفي بعض الأخبار أن هذا القليل كانوا ستين الفاً ، روى ذلك القمي في تفسيره عن أبيه عن الحسين بن خالد عن الرضا عليه السلام ، ورواه العياشي عن الباقر عليه السلام.

وقوله : وكانت النبوة في بيت لاوي ، والملك في بيت يوسف ، وقد قيل : إِن الملك كان في بيت يهوذا وقد اعترض عليه أن لم يكن بينهم ملك قبل طالوت وداود وسليمان حتى يكون في بيت يهوذا ، وهذا يؤيد ما ورد في أحاديث أئمة أهل البيت ان الملك كان في بيت يوسف فإِن كون يوسف ملكاً مما لا ينكر.

وقوله : قال والبقية ذرية الانبياء ، وهم من الراوي ، وإِنما فسر عليه السلام بقوله : ذرية الأنبياء قوله : آل موسى وآل عمران ، ويؤيد ما ذكرناه ما في تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام : انه سئل عن قول الله : وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون تحمله الملائكة ، فقال : ذرية الأنبياء.

وفي الكافي عن محمد بن يحيى ، عن محمد بن احمد ، عن محمد بن خالد ، والحسين بن سعيد ، عن النصر بن سويد ، عن يحيى الحلبي ، عن هرون بن خارجة ، عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام في حديث : وقال الله : إِن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإِنه مني فشربوا منه إِلا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، منهم من اغترف ، ومنهم من لم يشرب ، فلما برزوا لجالوت قال الذين اغترفوا : لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ، وقال الذين لم يغترفوا : كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإِذن الله والله مع الصابرين.

اقول : واما كون الباقين مع طالوت ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً بعدد اهل بدر فقد كثر فيه الروايات من طرق الخاصة والعامة ، واما كون القائلين : لا طاقة لنا ، هم المغترفين ، وكون القائلين كم من فئة « الخ » ، هم الذين لم يشربوا أصلاً فيمكن استفادته من نحو الاستثناء في الآية على ما بيناه : من معنى الاستثناء.

وفي الكافي بإِسناده عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن فضالة بن ايوب عن يحيى الحلبي عن عبد الله بن سليمان عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى : إِن آية ملكه إِلى قوله تحمله الملائكة قال : كانت تحمله في صورة البقرة.

واعلم ان الوجه في ذكر سند هذا الحديث مع أنه ليس من دأب الكتاب ذلك لان إسقاط الاسانيد فيه إِنما هو لمكان موافقة القرآن ومعه لا حاجة الى ذكر سند الحديث ، أما فيما لا يطرد فيه الموافقة ولا يتأتى التطبيق فلا بد من ذكر الإسناد ، ونحن مع ذلك نختار للإيراد روايات صحيحة الإسناد أو مؤيده بالقرائن.

وفي تفسير العياشي عن محمد الحلبي عن الصادق عليه السلام ، قال : كان داود وإِخوة له أربعة ، ومعهم أبوهم شيخ كبير ، وتخلف داود في غنم لابيه ، ففصل طالوت بالجنود فدعاه أبو داود وهو أصغرهم ، فقال : يا بني اذهب الى اخوتك بهذا الذي صنعناه لهم يتقووا به على عدوهم وكان رجلاً قصيراً ارزق قليل الشعر طاهر القلب ، فخرج وقد ، تقارب القوم بعضهم من بعض فذكر عن أبي بصير ، قال سمعته يقول : فمر داود على حجر فقال الحجر : يا داود خذني واقتل بي جالوت فإِني إِنما خلقت لقتله ، فأخذه فوضعه في مخلاته التي تكون فيها حجارته التي يرمي بها عن غنمه بمقذافه ، فلما دخل العسكر سمعهم يتعظمون أمر جالوت ، فقال لهم داود ما تعظمون من أمره فوالله لئن عاينته لأقتلنه فحدثوا بخبره حتى أدخل على طالوت ، فقال يا فتى وما عندك من القوة ؟ وما جربت من نفسك ؟ قال : كان الاسد يعدو على الشاة من غنمي فأدركه فآخذ برأسه فأفك لحييه منها فآخذها من فيه قال : فقال : ادع لي بدرع سابغة فاتي بدرع فقذفها في عنقه فتملأ منها حتى راع طالوت ومن حضره من بني إِسرائيل ، فقال طالوت : والله لعسى الله أن يقتله به ، قال : فلما أن اصبحوا ورجعوا إِلى طالوت والتقى الناس قال داود : أروني جالوت فلما رآه أخذ الحجر فجعله في مقذافه فرماه فصك به بين عينيه فدمغه ونكس عن دابته ، وقال الناس : قتل داود جالوت ، وملكه الناس حتى لم يكن يسمع لطالوت ذكر ، واجتمعت بنو إِسرائيل على داود ، وأنزل الله عليه الزبور ، وعلمه صنعة الحديد فلينه له ، وأمر الجبال والطير يسبحن معه ، قال : ولم يعط أحد مثل صوته ، فأقام داود في بني إِسرائيل مستخفياً ، وأعطى قود في عبادته.

اقول : المقذاف المقلاع الذي يكون للرعاة يرمون به الاحجار ، وقد اتفقت ألسنة الاخبار من طرق الفريقين أن داود قتل جالوت بالحجر.

في المجمع ، قال : إِن السكينة التي كانت فيه ريح هفانة من الجنة لها وجه كوجه الانسان عن علي عليه السلام.

أقول : وروي هذا المعنى في الدر المنثور عن سفيان بن عيينة وابن جرير من طريق سلمة بن كهيل عن علي عليه السلام وكذا عن عبد الرزاق وأبي عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم ، وصححه وابن عساكر والبيهقي في الدلائل من طريق أبي الأحوص عن علي عليه السلام مثله.

وفي تفسير القمي عن أبيه عن علي بن الحسين بن خالد عن الرضا عليه السلام : السكينة ريح من الجنة لها وجه كوجه الانسان.

أقول : وروى هذا المعنى أيضاً الصدوق في المعاني والعياشي في تفسيره عن الرضا عليه السلام ، وهذه الأخبار الواردة في معنى السكينة وإِن كانت آحاداً إِلا أنها قابلة التوجيه والتقريب إِلى معنى الآية ، فإِن المراد بها على تقدير صحتها : ان السكينة مرتبة من مراتب النفس في الكمال توجب سكون النفس وطمأنينتها إِلى أمر الله ، وأمثال هذه التعبيرات المشتملة على التمثيل كثيرة في كلام الأئمة ، فينطبق حينئذ على روح الايمان ، وقد عرفت في البيان السابق ان السكينة منطبقة على روح الإيمان.

وعلى هذا المعنى ينبغي ان يحمل ما في المعاني عن ابي الحسن عليه السلام في السكينة ، قال عليه السلام : روح الله يتكلم ، كانوا إِذا اختلفوا في شيء كلمهم وأخبرهم ، الحديث فإِنما هو روح الايمان يهدي المؤمن الى الحق المختلف فيه.

مقتبس من كتاب : الميزان في تفسير القرآن / الجزء : 2 / الصفحة : 289 ـ 300

 

أضف تعليق

تفسير وشأن النزول الآيات

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية

واحد + تسعة =