سعيد بن عبد الله الحنفي

البريد الإلكتروني طباعة

اشتهر في كتب الرجال وكتب التاريخ والمقاتل أنّ الإمام الحسين أمر أصحابه أن يستمهلوا العدو حتّى أداء صلاة الظهر ، فأمهلوهم ، ولكن لم يفوا لهم حيث استهدفوهم بالنبل وهم وقوف للصلاة ، فلمّا رأى سعيد بن عبد الله السهام تراش نحو أبي عبد الله الحسين عليه السلام وقف بين يديه يقيه السهام ببدنه ، فكان يستقبل السهام عن اليمين وعن الشمال ، برأسه وبوجهه وصدره وكلتا يديه ولا يترك سهماً منها ينفذ إلى الحسين عليه السلام وهو يقول : اللهمّ العنهم لعن عاد وثمود ، اللهمّ أبلغ نبيّك عنّي السلام وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح فإنّي أردت ثوابك في نصرة ابن بنت نبيّك ، وقال : يا بن رسول الله ، هل وفيت بعهدي ؟ فقال : نعم ، أنت أمامي في الجنّة.

وقال في منتهى الآمال : سعيد بن عبد الله من وجوه الشيعة وهو رجل شجاع وصاحب عبادة ، ووجد في جسمه سوى طعن الرماح وضرب السيوف بعد مصرعه ثلاثة عشر جرحاً بالسهام (1).

ورثاه زهير بن عبد الله الكندي بهذه الأبيات الثلاثة :

سعيد بن عبد الله لا تنسينّه

 

ولا الحُرّ اذ آسى زهيراً على قسر

فلو وقفت صمّ الجبال مكانهم

 

لمارت على سهل ودكّت على وعر

فمن قائم يستعرض النّبل وجهه

 

ومن مقدم يلقى الأسنّة بالصدر (2)

ويقول الكعبي :

واستبانت على الوفا وتواصته

 

وأضحى كما تواصت وفاها

تتهادى إلى الطعان اشتياقاً

 

ليت شعري هل في فناها بقاها

ولقد أخبر الرواة حديثاً

 

صحّ لي عن طريقتي وهداها (3)

أنّه لم يصب حسيناً من القوم

 

جراح إلّا عقيب فناها

لم تكن ترتقي إليه سهام

 

دون أن تفتدي حشاه حشاها

تتلقى نحورها البيض والسُّمر

 

ومقصودها لنحر سواها

ذات حتّى ثوت موزّعة الأشلاء

 

صرعى سافي الرياح كساها (4)

وفي ليلة عاشوراء حين أذن الإمام عليه السلام للقوم بالانصراف وقال لهم في خطبته :

إنّ هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً ، وانجوا من الهلاك ، فقام أهل بيته وفدّوه بأنفسهم وأظهروا الإخلاص والوفاء ، ثمّ قام عبد الله بن سعيد الحنفى وآخرون وقالوا : يا بن رسول الله ، والله لا نخلّيك حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا نبيّه محمّداً فيك ، والله لو علمت أنّي أُقتل ثمّ أُحيا ثمّ أُحرق حيّاً ثمّ أُذرّ ، يُفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك فكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً (5). (6)

فلمّا رأى أن لا محيص من الردى

 

وأنّ مراد القوم منه كبير

فقال لأهليه وباقي صحبه

 

ألا إنّ لبثي فيكم ليسير

عليكم بهذا الليل فاستتروا به

 

فقوموا وجدّوا في الظّلام وسيروا

فما بُغية الأرجاس غيري وخالقي

 

على كلّ شيء يبتغيه قدير

فقالوا معاذ الله سلمك للعدى

 

وتضفى علينا للحياة ستور

وأيّ حياةٍ بعد فقدك تُرتجىٰ

 

وأيّ فؤادٍ يعتريه سرور

ولكن نقي عنك الرّدى بسيوفنا

 

ونمنح جنّات النعيم وحور

وسعيد هذا هو الذي حمل للحسين آخر كتب أهل الكوفة في مكّة مع هاني بن هاني السبيعي (7) فقدما به إلى مكّة عجلين ، فلمّا قرأ الحسين عليه السلام قال : كم القوم ؟ فقال سعيد بن عبد الله الحنفي : إنّهم جماعة منهم شبث بن ربعي ، وحجّار بن أبجر ، ويزيد بن الحارث ، ويزيد بن رويم ، وعروة بن قيس ، وعمرو بن الحجّاج ، ومحمّد بن عمير بن عطّار ، ثمّ أجابهم الإمام على كتابهم وختمه وأعطاه إلى سعيد ابن عبد الله الحنفي وهاني بن هاني ليوصلاه إلى الكوفة (8) ، وأرسل بعدهما مسلماً ابن عقيل عليهما السلام مع قيس بن مسهّر الصيداوي وعمارة بن عبد الله السلولي ، وكان سعيد بن عبد الله الحنفي في الكوفة حين نزلها مسلم ، ولمّا شاهد مسلم اجتماعهم كتب إلى الحسين عليه السلام يخبره عن ذلك وبعث الكتاب مع سعيد بن عبد الله الحنفي هذا ، وأقبل به على الحسين وظلّ ملازماً له حتّى استشهد.

وأصبح السبط محزوناً لمصرعهم

 

والليث يحزنه قلم الأظافير

فهبّ للحرب كالضرغام حين رأى

 

أشباله بين أنياب الخنازير

الهوامش

1. منتهى الآمال ، ج 1 ص 555 نقلاً عن بحار الأنوار ، ج 45 ص 21.

2. أعيان الشيعة ، ج 7 ص 72.

3. هذا البيت لا يوجد في القصيدة وهو لا يشبه شعر الكعبي بل لا ارتباط له بالمعنى.

4. الدرّ النضيد ، ص 318 ؛ وليلة عاشوراء في الحديث والأدب ، ص 404.

5. إبصار العين ، ص 126.

6. وفي زيارة الناحية المقدّسة : « السلام على سعيد بن عبد الله الحنفي القائل للحسين وقد أذن له في الانصراف : لا والله لا نخلّيك حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة رسول الله فيك ، والله لو أعلم أنّي أُقتل ثمّ أحيا ثمّ أُذري ، يُفعل ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك وكيف أفعل ذلك إنّما موتة أو قتلة واحدة ثمّ بعدها الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً ، فلقد لقيت حمامك وواسيت إمامك ولقيت من الله الكرامة في دار المقام ، حشرنا الله معكم في المستشهدين ، ورزقنا مرافقتكم في أعلى علّيّين. ( منه رحمه الله )

7. وصورته كما يلي : « بسم الله الرحمن الرحيم ، إلى الحسين بن عليّ أمير المؤمنين ، من شيعته وشيعة أبيه عليه السلام. أمّا بعد ، فإنّ الناس ينتظرونك ذلك لا رأي لهم غيرك ، فالعجل العجل يا بن رسول الله ، وقد اخضرّ الجناب ، وأينعت الثمار ، وأعشبت الأرض ، وأورقت الأشجار ، فاقدم إلينا إذا شئت وإنّما تقدم على جنود لك مجنّدة ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وعلى أبيك من قبلك ». ( منه )

8. وهذه صورة كتاب الإمام الحسين عليه السلام : « بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن عليّ بن أبي طالب إلى الملأ من المؤمنين. أمّا بعد ، فإنّ هاني وسعيداً قدما إليّ بكتبكم وكانا آخر من قدم إليّ من رسلكم ، وقد فهمت ما ذكرتموه أنّه ليس لكم إمام غيري وتسألوني القدوم إليكم لعلّ الله يجمعكم على الحقّ والهدى ، وإنّي باعث إليكم أخي وابن عمّي المفضَّل عندي من أهل بيتي مسلم بن عقيل ، وقد أمرته أن يكتب إليّ بحسن رأيكم وما أنتم عليه ، وأنا أقدم إليكم إن شاء الله ».

( منه رحمه الله )

مقتبس من كتاب : فرسان الهيجاء / المجلّد : 1 / الصفحة : 208 ـ 211

 

أضف تعليق

أولاد المعصومين عليهم السلام وأصحابهم

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية

تسعة + أربعة =