ما تحدى به القرآن تحدياً عاماً

البريد الإلكتروني طباعة

فهذا ما تحدى به القرآن تحدياً عاماً لكل فرد في كل مكان في كل زمان.

( تحدّيه بالعلم )

وقد تحدى بالعلم والمعرفة خاصة بقوله تعالى : « وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ » النحل ـ 89 ، وقوله : « وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ » الأنعام ـ 59 ، إلى غير ذلك من الآيات ، فإن الإسلام كما يعلمه ويعرفه كل من سار في متن تعليماته من كلياته التي أعطاها القرآن وجزئياته التي أرجعها إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بنحو قوله : « مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا » الحشر ـ 7 ، وقوله تعالى : « لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ » النساء ـ 105 ، وغير ذلك متعرض للجليل والدقيق من المعارف الالهية « الفلسفية » والاخلاق الفاضلة والقوانين الدينية الفرعية من عبادات ومعاملات وسياسات واجتماعيات وكل ما يمسه فعل الإنسان وعمله ، كل ذلك على أساس الفطرة وأصل التوحيد بحيث ترجع التفاصيل إلى اصل التوحيد بالتحليل ، ويرجع الأصل إلى التفاصيل بالتركيب.

وقد بين بقائها جميعاً وانطباقها على صلاح الانسان بمرور الدهور وكرورها بقوله تعالى : « وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ » حم سجدة ـ 42 . وقوله تعالى : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ » الحجر ـ 9 ، فهو كتاب لا يحكم عليه حاكم النسخ ولا يقضي عليه قانون التحول والتكامل.

فان قلت : قد استقرت أنظار الباحثين عن الاجتماع وعلماء التقنين اليوم على وجوب تحول القوانين الوضعية الاجتماعية بتحول الاجتماع واختلافها باختلاف الازمنة والأوقات وتقدم المدنية والحضارة.

قلت : سيجيء البحث عن هذا الشأن والجواب عن الشبهة في تفسير قوله تعالى « كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً. الآية » البقرة ـ 213.

وجملة القول وملخصه أن القرآن يبني أساس التشريع على التوحيد الفطري والأخلاق الفاضلة الغريزية ويدعي ان التشريع يجب أن ينمو من بذر التكوين والوجود.

وهؤلاء الباحثون يبنون نظرهم على تحول الاجتماع مع الغاء المعنويات من معارف التوحيد وفضائل الأخلاق ، فكلمتهم جامدة على سير التكامل الاجتماعي المادي العادم لفضيلة الروح ، وكلمة الله هي العليا.

( التحدي بمن أنزل عليه القرآن )

وقد تحدى بالنبي الأمي الذي جاء بالقرآن المعجز في لفظه ومعناه ، ولم يتعلم عند معلم ولم يترب عند مرب بقوله تعالى : « قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ » يونس ـ 16 ، فقد كان صلّى الله عليه وآله وسلّم بينهم وهو أحدهم لا يتسامى في فضل ولا ينطق بعلم حتى لم يأت بشيء من شعر او نثر نحواً من أربعين سنة وهو ثلثا عمره لا يحوز تقدماً ولا يرد عظيمة من عظائم المعالي ثم أتى بما اتى به دفعة فأتى بما عجزت عنه فحولهم وكلت دونه ألسنة بلغائهم ، ثم بثه في أقطار الأرض فلم يجتريء على معارضته معارض من عالم أو فاضل أو ذي لب وفطانة.

وغاية ما أخذوه عليه : انه سافر الى الشام للتجارة فتعلم هذه القصص ممن هناك من الرهبان ولم يكن أسفاره إلى الشام إلا مع عمه أبي طالب قبل بلوغه وإلا مع ميسرة مولى خديجة وسنه يومئذ خمسة وعشرون وهو مع من يلازمه في ليله ونهاره ، ولو فرض محالا ذلك فما هذه المعارف والعلوم ؟ ومن أين هذه الحكم والحقائق ؟ وممن هذه البلاغة في البيان الذي خضعت له الرقاب وكلت دونه الألسن الفصاح ؟ وما أخذوه عليه انه كان يقف على قين بمكة من أهل الروم كان يعمل السيوف ويبيعها فأنزل الله سبحانه : « وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ، لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ » النحل ـ 103.

وما قالوا عليه أنه يتعلم بعض ما يتعلم من سلمان الفارسي وهو من علماء الفرس عالم بالمذاهب والأديان مع ان سلمان إنما آمن به في المدينة ، وقد نزل أكثر القرآن بمكة وفيها من جميع المعارف الكلية والقصص ما نزلت منها بمدينة بل أزيد ، فما الذي زاده ايمان سلمان وصحابته ؟

على أن من قرأ العهدين وتأمل ما فيهما ثم رجع إلى ما قصه القرآن من تواريخ الأنبياء السالفين واممهم رأى أن التاريخ غير التاريخ والقصة غير القصة ، ففيهما عثرات وخطايا لأنبياء الله الصالحين تنبو الفطرة وتتنفر من أن تنسبها إلى المتعارف من صلحاء الناس وعقلائهم ، والقرآن يبرئهم منها ، وفيها أمور أُخرى لا يتعلق بها معرفة حقيقية ولا فضيلة خلقية ولم يذكر القرآن منها إلا ما ينفع الناس في معارفهم وأخلاقهم وترك الباقي وهو الأكثر.

( تحدي القرآن بالإِخبار عن الغيب )

وقد تحدى بالإخبار عن الغيب بآيات كثيرة ، منها إخباره بقصص الأنبياء السالفين وأُممهم كقوله تعالى : « تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا الآية » هود ـ 49 ، وقوله تعالى بعد قصة يوسف : « ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ » يوسف ـ 102 وقوله تعالی في قصة مريم : « ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ » آل عمران ـ 44 وقوله تعالى : « ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ » مريم ـ 34 إلى غير ذلك من الآيات.

ومنها الإخبار عن الحوادث المستقبلة كقوله تعالى : « غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ » الروم 2 ـ 3 ، وقوله تعالى في رجوع النبي الى مكة بعد الهجرة : « إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ » القصص ـ 85 ، وقوله تعالى « لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ الآية » الفتح ـ 27 ، وقوله تعالى : « سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ » الفتح ـ 15 ، وقوله تعالى : « وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » المائدة ـ 70 ، وقوله تعالى « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ » الحجر ـ 9 ، وآيات أُخر كثيرة في وعد المؤمنين ووعيد كفار مكة ومشركيها.

ومن هذا الباب آيات أُخر في الملاحم نظير قوله تعالى : « وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ » الأنبياء ـ 95 ، 97 ، وقوله تعالى : « وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ » النور ـ 55 ، وقوله تعالى : « قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ » الأنعام ـ 65 ، ومن هذا الباب قوله تعالى : « وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ » الحجر ـ 22 ، وقوله تعالى « وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ » الحجر ـ 19 ، وقوله تعالى : « وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا » النبأ ـ 7 ، مما يبتني حقيقة القول فيها على حقائق علمية مجهولة عند النزول حتى اكتشف الغطاء عن وجهها بالابحاث العلمية التي وفّق الانسان لها في هذا الأعصار.

ومن هذا الباب ( وهو من مختصات هذا التفسير الباحث عن آيات القرآن باستنطاق بعضها ببعض واستشهاد بعضها على بعض ) ما في سورة المائدة من قوله تعالى : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ، الآية » المائدة ـ 54 وما في سورة يونس من قوله تعالى : « وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إلى آخر الآيات » يونس ـ 47 ، وما في سورة الروم من قوله تعالى : « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا الآية » الروم ـ 30 ، إلى غير ذلك من الآيات التي تنبیء عن الحوادث العظيمة التي تستقبل الأمة الإسلامية او الدنيا عامة بعد عهد نزول القران ، وسنورد انشاء الله تعالى طرفاً منها في البحث عن سورة الاسراء.

تحدي القرآن بعدم الاختلاف فيه

وقد تحدى أيضاً بعدم وجود الاختلاف فيه ، قال تعالى : « أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا » النساء ـ 82 ، فإن من الضروري أن النشأة نشأة المادة والقانون الحاكم فيها قانون التحول والتكامل فما من موجود من الموجودات التي هي أجزاء هذا العالم الا وهو متدرج الوجود متوجه من الضعف الى القوة ومن النقص إلى الكمال في ذاته وجميع توابع ذاته ولواحقه من الأفعال والآثار ومن جملتها الإنسان الذي لا يزال يتحول ويتكامل في وجوده وأفعاله وآثاره التي منها آثاره التي يتوسل إليها بالفكر والإدراك ، فما من واحد منا إلا وهو يرى نفسه كل يوم أكمل من أمس ولا يزال يعثر في الحين الثاني على سقطات في أفعاله وعثرات في اقواله الصادرة منه في الحين الأول ، هذا أمر لا ينكره من نفسه إنسان ذو شعور.

وهذا الكتاب جاء به النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم نجوماً وقرأه على الناس قطعاً قطعاً في مدة ثلاث وعشرين سنة في أحوال مختلفة وشرائط متفاوتة في مكة والمدينة في الليل والنهار والحضر والسفر والحرب والسلم في يوم العسرة وفي يوم الغلبة ويوم الأمن ويوم الخوف ، ولإلقاء المعارف الإلهية وتعليم الاخلاق الفاضلة وتقنين الأحكام الدينية في جميع أبواب الحاجة ، ولا يوجد فيه أدنى إختلاف في النظم المتشابه ؛ كتاباً متشابهاً مثانى ، ولم يقع في المعارف التي ألقاها والأصول التي أعطاها إختلاف يتناقض بعضها مع بعض وتنافي شيء منها مع آخر ، فالآية تفسر الآية والبعض يبيّن البعض ، والجملة تصدق الجملة كما قال علي عليه السلام : « ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض » « نهج البلاغة » . ولو كان من عند غير الله لإختلف النظم في الحسن والبهاء والقول في الشداقة والبلاغة والمعنى من حيث الفساد والصحة ومن حيث الإتقان والمتانة.

فان قلت : هذه مجرد دعوى لا تتكي على دليل وقد أُخذ على القرآن مناقضات واشكالات جمة ربما ألّف فيه التأليفات ، وهي اشكالات لفظية ترجع إلى قصوره في جهات البلاغة ومناقضات معنوية تعود إلى خطأه في آرائه وأنظاره وتعليماته ، وقد أجاب عنها المسلمون بما لا يرجع في الحقيقة إلا إلى التأويلات التي يحترزها الكلام الجاري على سنن الإستقامة وإرتضاء الفطرة السليمة.

قلت : ما أُشير إليه من المناقضات والإشكالات موجودة في كتب التفسير وغيرها مع أجوبتها ومنها هذا الكتاب ، فالاشكال أقرب إلى الدعوى الخالية عن البيان.

ولا تكاد تجد في هذه المؤلفات التي ذكرها المستشكل شبهة أوردوها او مناقضة أخذوها الا وهي مذكور في مسفورات المفسرين مع اجوبتها فأخذوا الإشكالات وجمعوها ورتبوها وتركوا الأجوبة وأهملوها ، ونعم ما قيل : لو كانت عين الحب متّهمة فعين البغض أولى بالتهمة.

فان قلت : فما تقول : في النسخ الواقع في القرآن وقد نص عليه القرآن نفسه في قوله : ( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ) البقرة ـ 106 وقوله : ( وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ) النحل ـ 101 ، وهل النسخ إلا اختلاف في النظر لو سلمنا أنه ليس من قبيل المناقضة في القول ؟.

قلت : النسخ كما أنه ليس من المناقضة في القول وهو ظاهر كذلك ليس من قبيل الإختلاف في النظر والحكم وانما هو ناشٍ من الاختلاف في المصداق من حيث قبوله إنطباق الحكم يوماً لوجود مصلحته فيه وعدم قبوله الانطباق يوماً آخر لتبدل المصلحة من مصلحة اخرى توجب حكماً آخر ، ومن أوضع الشهود على هذا أن الآيات المنسوخة الأحكام في القرآن مقترنة بقرائن لفظية تومي الى أن الحكم المذكور في الآية سينسخ كقوله تعالى : ( وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ) النساء ـ 15 ، ( انظر الى التلويح الذي تعطيه الجملة الاخيرة ) ، وكقوله تعالى : ( وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا ) إلى أن قال ( فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ) البقرة ـ 109 حيث تمَّم الكلام بما يشعر بأن الحكم مؤجّل.

التحدي بالبلاغة

وقد تحدى القرآن بالبلاغة كقوله تعالى : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ) هود ـ 13 ، 14.

والآية مكية ، وقوله تعالى : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) يونس ـ 38 ، 39 . والآية ايضاً مكية وفيها التحدي بالنظم والبلاغة فإن ذلك هو الشأن الظاهر من شؤون العرب المخاطبين بالآيات يومئذ ، فالتاريخ لا يرتاب أن العرب العرباء بلغت من البلاغة في الكلام مبلغاً لم يذكره التاريخ لواحدة من الأمم المتقدمة عليهم والمتأخرة عنهم ووطئوا موطئاً لم تطأه أقدام غيرهم في كمال البيان وجزالة النظم ووفاء اللفظ ورعاية المقام وسهولة المنطق. وقد تحدى عليهم القرآن بكل تحد ممكن مما يثير الحمية ويوقد نار الانفة والعصبية. وحالهم في الغرور ببضاعتهم والاستكبار عن الخضوع للغير في صناعتهم مما لا يرتاب فيه ، وقد طالت مدة التحدي وتمادى زمان الإستنهاض فلم يجيبوه إلا بالتجافي ولم يزدهم إلا العجز ولم يكن منهم إلا الإستخفاء والفرار ، كما قال تعالى : ( أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ) هود ـ 5.

وقد مضى من القرون والأحقاب ما يبلغ أربعة عشر قرناً ولم يأت بما يناظره آت ولم يعارضه أحد بشيء إلا أخزى نفسه وافتضح في أمره.

وقد ضبط النقل بعض هذه المعارضات والمناقشات ، فهذا مسيلمة عارض سورة الفيل بقوله : « الفيل ما الفيل وما أدريك ما الفيل له ذنب وبيل وخرطوم طويل » وفي كلام له في الوحي يخاطب السجاح النبية « فنولجه فيكن إيلاجاً ، ونخرجه منكن إخراجاً » فانظر إلى هذه الهذيانات واعتبر ، وهذه سورة عارض بها الفاتحة بعض النصارى « الحمد للرحمن. رب الأكوان الملك الديان. لك العبادة وبك المستعان اهدنا صراط الإيمان » إلى غير ذلك من التقوّلات.

فان قلت : ما معنى كون التأليف الكلامي بالغاً الى مرتبة معجزة للانسان ووضع الكلام مما سمحت به قريحة الانسان ؟ فكيف يمكن ان يترشح من القريحة ما لا تحيط به والفاعل اقوى من فعله ومنشأ الاثر محيط بأثره ؟ وبتقريب آخر الانسان هو الذي جعل اللفظ علامة دالة على المعنى لضرورة الحاجة الاجتماعية الى تفهيم الإنسان ما في ضميره لغيره فخاصة الكشف عن المعنى في اللفظ خاصة وضعية اعتبارية مجعولة للانسان ، ومن المحال أن يتجاوز هذه الخاصة المترشحة عن قريحة الإنسان حد قريحته فتبلغ مبلغاً لا تسعه طاقة القريحة ، فمن المحال حينئذ أن يتحقق في اللفظ نوع من الكشف لا تحيط به القريحة والا كانت غير الدلالة الوضعية الإعتبارية ، مضافاً إلى أن التراكيب الكلامية لو فرض ان بينها تركيباً بالغاً حد الإعجاز كان معناه أن كل معنى من المعاني المقصودة ذو تراكيب كلامية مختلفة في النقص والكمال والبلاغة وغيرها ، وبين تلك التراكيب تركيب هو أرقاها وابلغها لا تسعها طاقة البشر ، وهو التركيب المعجز ؛ ولازمه أن يكون في كل معنى مطلوب تركيب واحد إعجازي ، مع ان القرآن كثيراً ما يورد في المعنى الواحد بيانات مختلفة وتراكيب متفرقة ، وهو في القصص واضح لا ينكر ، ولو كانت تراكيبه معجزة لم يوجد منها في كل معنى مقصود الا واحد لا غير.

قلت : هاتان الشبهتان وما شاكلهما هي الموجبة لجمع من الباحثين في إعجاز القرآن في بلاغته أن يقولوا بالصرف ، ومعنى الصرف أن الإتيان بمثل القرآن او سور او سورة واحدة منه محال على البشر لمكان آيات التحدي وظهور العجز من أعداء القرآن منذ قرون ، ولكن لا لكون التأليفات الكلامية التي فيها في نفسها خارجة عن طاقة الإنسان وفائقة على القوة البشرية ، مع كون التأليفات جميعاً أمثالاً لنوع النظم الممكن للانسان ، بل لأن الله سبحانه يصرف الإنسان عن معارضتها والإتيان بمثلها بالإرادة الالهية الحاكمة على إرادة الإنسان حفظاً لآية النبوّة ووقاية لحمى الرسالة.

وهذا قول فاسد لا ينطبق على ما يدل عليه آيات التحدي بظاهرها كقوله ( قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ الآية ) هود ـ 13 و 14 ، فان الجملة الأخيرة ظاهرة في ان الاستدلال بالتحدي إنما هو على كون القرآن نازلاً لا كلاماً تقوّله رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وان نزوله انما هو بعلم الله لا بإنزال الشياطين كما قال تعالى ( أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ ) الطور ـ 34 ، وقوله تعالى : ( وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ) الشعراء ـ 212 ، والصرف الذي يقولون به إنما يدل على صدق الرسالة بوجود آية هي الصرف ، لا على كون القرآن كلاماً لله نازلاً من عنده ، ونظير هذه الآية الآية الأخرى ، وهي قوله : ( قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ الآية ) يونس ـ 39 ، فإنها ظاهرة في ان الذي يوجب إستحالة إتيان البشر بمثل القرآن وضعف قواهم وقوى كل من يعينهم على ذلك من تحمّل هذا الشأن هو ان للقرآن تأويلا لم يحيطوا بعلمه فكذبوه ، ولا يحيط به علماً إلا الله فهو الذي يمنع المعارض عن أن يعارضه ، لا أن الله سبحانه يصرفهم عن ذلك مع تمكنهم منه لولا الصرف بإرادة من الله تعالى.

وكذا قوله تعالى : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا الآية ) النساء ـ 82 ، فإنه ظاهر في أن الذي يعجز الناس عن الإتيان بمثل القرآن إنما هو كونه في نفسه على صفة عدم الإختلاف لفظاً ومعنى ولا يسع لمخلوق ان يأتي بكلام غير مشتمل على الإختلاف ، لا أن الله صرفهم عن مناقضته بإظهار الاختلاف الذي فيه هذا ، فما ذكروه من أن إعجاز القرآن بالصرف كلام لا ينبغي الركون إليه.

وأما الإشكال باستلزام الإعجاز من حيث البلاغة المحال ، بتقريب أن البلاغه من صفات الكلام الموضوع ووضع الكلام من آثار القريحة الإنسانية فلا يمكن أن يبلغ من الكمال حداً لا تسعه طاقة القريحة وهو مع ذلك معلول لها لا لغيرها ، فالجواب عنه أن الذي يستند من الكلام إلى قريحة الانسان إنما هو كشف اللفظ المفرد عن معناه ، وأما سرد الكلام ونضد الجمل بحيث يحاكي جمال المعنى المؤلف وهيئته على ما هو عليه في الذهن بطبعه حكاية تامة او ناقصة وإرائة واضحة او خفية ، وكذا تنظيم الصورة العلمية في الذهن بحيث يوافق الواقع في جميع روابطه ومقدماته ومقارناته ولواحقه أو في كثير منها أو في بعضها دون بعض فانما هو امر لا يرجع الى وضع الألفاظ بل الى نوع مهارة في صناعة البيان وفن البلاغة تسمح به القريحة في سرد الألفاظ ونظم الادوات اللفظية ونوع لطف في الذهن يحيط به القوة الذاهنة على الواقعة المحكية باطرافها ولوازمها ومتعلقاتها.

فهيهنا جهات ثلث يمكن أن تجتمع في الوجود أو تفترق فربما أحاط إنسان بلغة من اللغات فلا يشذ عن علمه لفظ لكنه لا يقدر على التهجي والتكلم ، وربما تمهّر الانسان في البيان وسرد الكلام لكن لا علم له بالمعارف والمطالب فيعجز عن التكلم فيها بكلام حافظ لجهات المعنى حاك لجمال صورته التي هو عليها في نفسه ، وربما تبحر الانسان في سلسلة من المعارف والمعلومات ولطفت قريحته ورقت فطرته لكن لا يقدر على الافصاح عن ما في ضميره ، وعى عن حكاية ما يشاهده من جمال المعنى ومنظره البهيج.

فهذه امور ثلاثة : أولها راجع إلى وضع الإنسان بقريحته الإجتماعية ، والثاني والثالث راجعان إلى نوع من لطف القوة المدركة ، ومن البيّن أن إدراك القوى المدركة منا محدودة مقدّرة لا نقدر على الإحاطه بتفاصيل الحوادث الخارجية والامور الواقعية بجميع روابطها ، فلسنا على أمن من الخطأ قط في وقت من الأوقات ، ومع ذلك فالإستكمال التدريجي الذي في وجودنا أيضاً يوجب الإختلاف التدريجي في معلوماتنا أخذاً من النقص إلى الكمال ، فأي خطيب اشدق واي شاعر مفلق فرضته لم يكن ما يأتيه في أول أمره موازناً لما تسمح به قريحته في أواخر أمره ؟ فلو فرضنا كلاماً إنسانياً أي كلام فرضناه لم يكن في مأمن من الخطأ لفرض عدم إطلاع متكلمه بجميع أجزاء الواقع وشرائطه ( أولا ) ولم يكن على حد كلامه السابق ولا على زنة كلامه اللاحق بل ولا أوله يساوي آخره وإن لم نشعر بذلك لدقة الأمر ، لكن حكم التحول والتكامل عام ( ثانياً ) ، وعليهذا فلو عثرنا على كلام فصل لا هزل فيه ( وجدّ الهزل هو القول بغير علم محيط ) ولا إختلاف يعتريه لم يكن كلاما بشرياً ، وهو الذي يفيده القرآن بقوله : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا الآية ) النساء ـ 82 ، وقوله تعالى : ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ) الطارق ـ 14. انظر إلى موضع القسم بالسماء والأرض المتغيرتين والمعنى المقسم به في عدم تغيّره واتكائه على حقيقة ثابتة هي تأويله ( وسيأتي ما يراد في القرآن من لفظ التأويل ) ، وقوله تعالى : ( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ ) البروج ـ 22 ، وقوله تعالى : ( وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ، إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ، وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) الزخرف ـ 4 . وقوله تعالى : ( فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ . إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) الواقعة ـ 79 ، فهذه الآيات ونظائرها تحكى عن إتكاء القرآن في معانيه على حقائق ثابتة غير متغيرة ولا متغير ما يتكي عليها.

ذا عرفت ما مر علمت أن إستناد وضع اللغة إلى الإنسان لا يقتضي أن لا يوجد تأليف كلامي فوق ما يقدر عليه الإنسان الواضع له ، وليس ذلك إلا كالقول بان القين الصانع للسيوف يجب أن يكون أشجع من يستعملها وواضع النرد والشطرنج يجب أن يكون امهر من يلعب بهما ومخترع العود يجب أن يكون أقوى من يضرب بها.

فقد تبين من ذلك كله أن البلاغة التامة معتمدة على نوع من العلم المطابق للواقع من جهة مطابقة اللفظ للمعني ومن جهة مطابقة المعنى المعقول للخارج الذي يحكيه الصورة الذهنية.

أما اللفظ فان يكون الترتيب الذي بين أجزاء اللفظ بحسب الوضع مطابقاً للترتيب الذي بين اجزاء المعنى المعبر عنه باللفظ بحسب الطبع فيطابق الوضع الطبع كما قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز.

وأما المعنى فان يكون في صحته وصدقه معتمداً على الخارج الواقع بحيث لا يزول عما هو عليه من الحقيقة ، وهذه المرتبة هي التي يتكى عليها المرتبة السابقة ، فكم من هزل بليغ في هزليته لكنه لا يقاوم الجد ، وكم من كلام بليغ مبنى على الجهالة لكنه لا يعارض ولا يسعه أن يعارض الحكمة ، والكلام الجامع بين عذوبة اللفظ وجزالة الاسلوب وبلاغة المعنى وحقيقة الواقع هو ارقى الكلام.

وإذا كان الكلام قائماً على أساس الحقيقة ومنطبق المعنى عليها تمام الانطباق لم يكذّب الحقائق الاخر ولم تكذبه فإن الحق مؤتلف الأجزاء ومتحد الأركان ، لا يبطل حق حقاً ، ولا يكذب صدق صدقاً ، والباطل هو الذي ينافي الباطل وينافي الحق ، انظر الى مغزى قوله سبحانه وتعالى : ( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ) يونس ـ 32 ، فقد جعل الحق واحداً لا تفرق فيه ولا تشتت . وانظر الى قوله تعالى : ( وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ ) الأنعام ـ 153. فقد جعل الباطل متشتّتاً ومشتتاً ومتفرقاً ومفرقاً.

وإذا كان الأمر كذلك فلا يقع بين اجزاء الحق اختلاف بل نهاية الإيتلاف ، يجر بعضه الى بعض ، وينتج بعضه البعض كما يشهد بعضه على بعض ويحكي بعضه البعض.

وهذا من عجيب أمر القرآن فإن الآية من آياته لا تكاد تصمت عن الدلالة ولا تعقم عن الانتاج ، كلما ضمت آية الى آية مناسبة أنتجت حقيقة من أبكار الحقائق ثم الآية الثالثة تصدقها وتشهد بها ، هذا شأنه وخاصته ، وستری في خلال البيانات في هذا الكتاب نبذا من ذلك ، على ان الطريق متروك غير مسلوك ولو أن المفسرين ساروا هذا المسير لظهر لنا الى اليوم ينابيع من بحاره العذبة وخزائن من أثقاله النفيسة.

فقد اتضح بطلان الاشكال من الجهتين جميعاً فإن أمر البلاغة المعجزة لا يدور مدار اللفظ حتى يقال ان الانسان هو الواضع للكلام فكيف لا يقدر على ابلغ الكلام وأفصحه وهو واضح او يقال ان ابلغ التركيبات المتصورة تركيب واحد من بينها فكيف يمكن التعبير عن معنى واحد بتركيبات متعددة مختلفة السياق والجميع فائقة قدرة البشر بالغة حد الإعجاز بل المدار هو المعنى المحافظ لجميع جهات الذهن والخارج.

مقتبس من كتاب : الميزان في تفسير القرآن / الجزء : 1 / الصفحة : 62 ـ 73

 

أضف تعليق

القرآن الكريم وتفسيره

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية

أربعة + ثلاثة =